دليل الباحث المبتدئ في مناهج البحث العلمي

دليل الباحث المبتدئ في مناهج البحث العلمي

مراجعة واقتراح الطرق

 

مقدمة

الباحث المبتدئ، مثل طالب الدراسات العليا، يمكن أن تغمره تعقيدات طرق البحث المستخدمة في إجراء التحقيق العلمي (Leedy & Ormrod, 2005). وبما أنه مستهلك ومنتج للأبحاث، فمن الضروري أن يكون لديه فهم راسخ لما ينطوي عليه التوصل إلى نتائج واستنتاجات صحيحة مشروعة. ومما يفاقم المشكلة هو العدد الكبير جدا والمتزايد للمناهج البحثية المتنوعة المستخدمة حاليا (Mertler & Vannatta, 2001). الهدف من هذا الاستعراض هو تزويد الباحث المبتدئ بنقطة انطلاق ليصبح مستهلكا ومنتجا مستنيرا أكثر للبحوث في شكل معجم للمصطلحات وتحليل للبنيات الأساسية التي تنطبق على التحقيقات العلمية، بغض النظر عن الطرق المستخدمة بالتحديد.

البحث العلمي هو، إلى حد كبير جدا، يتميز بنوع الدراسة التي يتم إجراءها، وبالتبعية، الطرق المحددة المستخدمة في إجراء ذلك النوع من الدراسة (Creswell, 2005, p. 61). ومع ذلك غالبا ما يعتقد الباحثين المبتدئين، خطأً، أنه طالما أن الدراسات تُعرف بكيفية أجراءها، فإن عملية البحث تبدأ فقط بتقرير نوع الدراسة التي سيتم إجراءها. ولكن على العكس من ذلك، يعتمد نوع الدراسة التي يقوم بها المرء على ثلاثة مسائل ذات صلة: المشكلة التي تقود الدراسة، مجموعة المعارف، وطبيعة البيانات المتاحة للباحث.

 

وكما ناقشنا في أماكن أخرى، يبدأ البحث العلمي بتحديد مشكلة مركزة بإحكام ومدعومة بالأدبيات (Ellis & Levy, 2008). المشكلة التي تستحق البحث تكون كنقطة انطلاق للبحث. أما طبيعة مشكلة البحث والمجال الذي تنطلق منه فيكون بمثابة العامل المحدد على نوع البحث الذي يمكن القيام به. أشار نناميكر وآخرون (Nunamaker,

Chen, and Purdin, 1991:91) أنه “من الواضح أن بعض المجالات البحثية ضيقة بما فيه الكفاية حيث أنها تسمح باستخدام منهجيات محدودة فقط”. كما أن المشكلة تكون أيضًا بمثابة نظام توجيهي للدراسة حيث أن البحث، في جوهره، هو بطريقة ما محاولة لتطوير حل جزئي على الأقل لمشكلة البحث. ولذلك فإن أفضل تصميم لا يمكنه أن يوفر معنى للبحث ويجيب على سؤال “لماذا تم أجراء الدراسة،” إن لم يكن هناك مشكلة بحثية محددة بشكل واضح.

 

يعتبر مخزون المعرفة بمثابة الأساس الذي تبنى عليه الدراسة (Levy & Ellis, 2006). كما أن الأدبيات المنشورة تقوم بتوجيه البحوث، لأنها تشير إلى نوع الدراسة أو الدراسات المناسبة وفقا لطبيعة المشكلة التي تقود الدراسة. وبالمثل، فإن

فإن الأدبيات توفر توجيهات واضحة حول الطرق المحددة التي يتعين اتباعها عند إجراء دراسة من نوع معين. على الرغم من أن للأصالة قيمة كبيرة في العمل الأكاديمي، فهي لا يتم مكافئتها عادة عندما تطبق على طرق البحث، لأن تجاهل الحكمة الواردة في متون المعرفة الحالية يمكن أن يضيف للباحث المبتدئ، على الأقل، قدرا كبيرا من العمل لتأسيس صلاحية الدراسة.

 

ومن الناحية العملية، نجد أن طبيعة البيانات المتاحة للباحث تعتبر بمثابة المرشح (الفلتر) النهائي في تحديد نوع الدراسة التي سيتم إجراءها. عند النظر في اختيار طرق البحث تعتبر البيانات المتاحة ضرورية، ولكنها بالتأكيد ليست كافية.

يجب أن لا تلغي البيانات المتاحة ضرورة وجود مشكلة قابلة للبحث كمرساة بحيث تكون مجموع المعارف الموجودة كأساس للبحث. ومع ذلك، فإن غياب القدرة على جمع البيانات اللازمة، يمكن بالتأكيد أن يجعل الدراسة المستندة على طرق البحث والمدفوعة مباشرة من مشكلة مدروسة والمدعومة من الأدبيات الحالية غير مجدية تماما. يجب أن تستخدم كل دراسة بحثية متماسكة البيانات من أجل التحقق من صحة النظرية المقترحة. ونتيجة لذلك، يجب على الباحثين المبتدئين فهم محورية الوصول إلى البيانات لنجاح دراستهم. يشير الوصول إلى البيانات إلى قدرة الباحث على جمع البيانات المطلوبة للدراسة فعليا، لأنه بدون الوصول إلى البيانات، يكون من المستحيل على أي باحث تقديم أي معنى للاستنتاجات بشأن الظواهر. يجب أن يكون الباحثين المبتدئين على علم بأن حصولهم على البيانات يعني أيضا أي نوع من المنهجية سيستخدمونها وأي نوع من البحوث سوف يقومون به في نهاية المطاف. ويوضح الشكل (1) التفاعل بين المشكلة الجديرة بالبحث، و هيئة المعرفة الموثقة في الأدبيات، والبيانات المتاحة للباحث. تعتبر المشكلة التي تستحق البحث بمثابة مدخلات لعملية اختيار النوع المناسب من البحوث الذي سيتم إجراءه. أما الأدبيات المنشورة التي تمت مراجعتها من قبل الأقران فتعتبر القمع الرئيسي الذي يحد من مدى المناهج البحثية القابلة للتطبيق استنادا إلى مجموع المعارف. وفي النهاية تكون البيانات المتوفرة للباحث بمثابة التصفية النهائية التي تستخدم لتعيين نوع الدراسة المحدد.

تستكشف هذه الورقة المركبات الأساسية وراء البحث العلمي من ناحيتين. يتناول القسم الأول بعض الأنواع الشائعة للدراسات. أما القسم الثاني فيستكشف الاعتبارات الحيوية لطرق البحث التي تنطبق على جميع أنواع الدراسات.

 

 

أنواع البحوث

هناك عدة طرق مختلفة للتمييز بين أنواع البحوث. وبالتأكيد نوع البيانات المتاح هو أحد الجوانب الحيوية (Gay, Mills, & Airasian, 2006; Leedy & Ormrod, 2005). هناك مناهج بحث مناسبة للبيانات الكمية (بيانات دقيقة، رقمية مشتقة من متغير تم تحويله لأرقام) تختلف عن تلك المستخدمة في حالة البيانات النوعية (بيانات متعددة الأبعاد معقدة تم اشتقاقها

من بيئة طبيعية). وما لا يقل أهمية هو طبيعة المشكلة التي يعالجها البحث (Isaac & Michael, 1981). بعض المشاكل، على سبيل المثال، هي جديدة نسبيا وتتطلب أنواع استكشافية من البحث، ولكن قد يكون من الأفضل أن تتم معالجة المشاكل الأكثر نضجا بمنهج بحث وصفي أو تقييمي (كاختبار الفرضيات مثلا) (Sekaran, 2003). يعرض الجدول 1 لمحة عامة عن تصنيف المناهج الأكثر شيوعا والمستخدمة في البحوث في مجال اللغويات. تستكشف الأقسام الفرعية التي تلي الجدول 1 هذه الأساليب البحثية الرئيسية. وعموما، يمكن تصنيف البحوث والدراسات إلى ثلاث فئات: بناء نظرية، واختبار نظرية، وتنقيح نظرية. يشير بناء النظرية إلى البحوث والدراسات التي تهدف إلى بناء نظرية حيث لا توجد نظرية سابقة متماسكة أو سيناريو معين لتفسير الظواهر. أما اختبار النظرية فيشير إلى الدراسات البحثية التي تهدف إلى التحقق من صحة (أي اختبار) النظريات القائمة في سياق جديد. ويشير تنقيح أو مراجعة النظرية إلى الدراسات البحثية التي تهدف إلى إعادة النظر في نظرية قائمة.

 

 

المنهج التجريبي

جوهر البحوث التجريبية هو تحديد وجود علاقة سببية بين عامل واحد أو مجموعة من العوامل (المتغير المستقل) وعامل ثاني أو مجموعة من العوامل (المتغير التابع) (Cook & Campbell, 1979). يقوم الباحث أثناء التجربة، بالتحكم والتلاعب في المتغير المستقل، وعادة ما يكون ذلك عن طريق تعيين المشاركين بشكل عشوائي لاثنين أو أكثر من المجموعات المختلفة التي تتلقي معالجات أو تطبيقات مختلفة للمتغير المستقل. يقيس الباحث ويقارن أداء المشاركين

في المتغير التابع لتحديد ما إذا كان التغيّر في المتغيرات المستقلة قد يتسبب في تغيرات مماثلة في الأداء على المتغير التابع. هذا النوع من البحوث شائع جدا في البيئة الطبية. ومع ذلك، يصعب في كثير من المجالات البحثية التحكم بكل المتغيرات في التجارب، خصوصا عند التعامل مع البحوث التي تتعلق بالمنظمات والمؤسسات. وتشمل البحوث التجريبية كل طيف الدراسات التي تبحث في السلوك اللغوي للجماعات في ظروف يتم التحكم فيها. على سبيل المثال، ربما يرغب الباحث في دراسة أثر الجنس (ذكر أو أنثى) على نتائج الطلبة في امتحان يحدد مستوى اللغة. يمكن لهذه البحوث أن تنطوي على إجراء الاختبارات للطلبة، حيث يتم تقسيم درجاتهم إلى مجموعتين وفقا لجنسهم، ثم يقوم الباحث بدراسة أوجه التشابه والاختلاف في السلوك بين المجموعتين. ويمكن أن تختلف دراسات التجارب في أنواع الأسئلة التي تطرحها، ولكن ينبغي مع ذلك، أن تلتزم بالقواعد والاستراتيجيات التي سيتم بيانها لاحقا.

 

 

 

المنهج السببي المقارن

كما هو الحال مع الدراسات التجريبية، تركز البحوث السببية المقارنة على تحديد ما إذا كانت هناك علاقة سببية بين عامل واحد من مجموعة من العوامل (المتغير المستقل) والعامل الثاني أو مجموعة من العوامل (المتغير التابع). وخلافا للتجربة، لا يسيطر الباحث ولا يتلاعب بالمتغير المستقل في مجال البحوث السببية المقارنة ولكنه بدلا من ذلك يقوم بملاحظة وقياس ومقارنة أداء المشاركين (العينة) على المتغير (أو المتغيرات) التابع في التجمعات الطبيعية وفقا للمتغير المستقل. وكمثال على هذا النوع من البحوث ربما يقوم الباحث بدراسة العلاقة بين مستوى اللغة الانجليزية لدى المتعلمين واستراتيجيات تعلم اللغة التي يستخدمونها.

 

 

منهج دراسة الحالة

تعتبر دراسة الحالة “تحقيقا تجريبيا يبحث في ظاهرة معاصرة ضمن نطاق سياق حياتها الحقيقي باستخدام مصادر متعددة من الأدلة “(Noor, 2008, p. 1602). الأدلة المستخدمة في دراسة الحالة عادة ما تكون نوعية في طبيعتها، وتركز على تطوير فهم متعمق يمكن تعميمه وليس عرضا. ويمكن استخدام دراسة الحالة لاستكشاف، ووصف، أو تفسير الظواهر من خلال الدراسة الشاملة ضمن بيئتها الطبيعيةا (Yin, 1984). يتركز البحث الذي يستخدم منهج دراسة الحالة حول شخص أو مجموعة من الأفراد. عادة ما يكون هذا النوع من الدراسات طويل الأمد، لأنها تقوم بتتبع الفرد أو الأفراد خلال فترة زمنية طويلة وملاحظة بعض عناصر تطور أو اكتساب اللغة و تعلمها. هناك أمثلة كثيرة على هذا النوع من الدراسات في الأدبيات، وخصوصا فيما يتعلق بتعلم واكتساب اللغة الثانية. أحد الأمثلة التي تخطر على البال الآن هو ما لخّصه ليوبولد[1] عندما قام بملاحظة ودراسة ابنه عبر فترة طويلة من الزمن، حيث أثبتت تعليقاته والرؤى التي استشفها من خلال هذا النشاط أنها مفيدة للبحث المتعلق باكتساب وتعلم اللغة الثانية. إذن، يمكن لمنهج دراسة الحالة أن يكون مساعدًا ومنتجًا في مجال تعليم اللغة.

 

 

المنهج التاريخي

يستخدم البحث التاريخي تفسير البيانات النوعية لشرح أسباب التغيّر عبر الزمن. ويستند هذا النوع من الأبحاث على تحديد مشكلة تاريخية أو تحديد حاجة لمعرفة تاريخية معينة، وعموما فهو ينطوي على جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات ذات الصلة بالمشكلة أو الموضوع. وعادة ما يبدأ البحث بصياغة فرضية تفسر مبدئيا علاقة مشتبهة بين عاملين أو أكثر من العوامل التاريخية ويستمر عادة في الجمع والتنظيم الصارم للأدلة النوعية. يشكل التحقق من أصالة وصحة هذه الأدلة، واختيارها، وتنظيمها، وتحليلها الأساس لهذا النوع من الأبحاث. وكمثال على هذا النوع من الأبحاث في اللغويات فربما يقوم باحث ما بدراسة الكلمات وتاريخ دخولها إلى اللغة ومن أي مصدر جاءت، وكيف تغيرت صيغها ومعانيها عبر الزمن.

 

 

المنهج الارتباطي

يكون التركيز الرئيسي في البحث الارتباطي على تحديد وجود علاقة ودرجتها بين اثنين من العوامل. على الرغم من أن الدراسات الارتباطية تعتبر بطريقة ما مماثلة سطحيا للأبحاث السببية المقارنة (لأن كلا النوعين يركزان على تحليل البيانات الكمية لتحديد وجود علاقة بين متغيرين)، إلا أنه  لا يمكن تجاهل الفرق بين الاثنين. فعلى عكس الأبحاث السببية المقارنة، ليس هناك محاولة لتحديد وجود علاقة سببية في الدراسات الارتباطية (متغير س يسبب تغيرات في المتغير ص). إن هدف الدراسات الارتباطية هو تحديد ما إذا كانت هناك علاقة تنبؤية (حيث تسمح لنا معرفة قيمة متغير س بالتنبؤ بقيمة المتغير ص). وبالتالي ليس هناك تمييز على المستوى العملي، بين المتغيرات المستقلة والتابعة في مجال البحوث الارتباطية. وكمثال على البحوث الارتباطية قيام باحث ما بدراسة العلاقة بين درجات الطلبة في اختبار قابلية تعلم اللغة وسلوكهم الحقيقي في فصول ودروس اللغة الذي يتم قياسه من خلال درجات الفصل. سيكون المتغيرين قيد الاهنمام هما درجات الطلبة في اختبار قابلية تعلم اللغة ودرجاتهم في فصول اللغة خلال فترة معينة من الزمن. وستكون المقارنة مستندة إلى دراسة درجات كل طالب في اختبار قابلية تعلم اللغة ودرجاته التي تحصل عليها في الفصل. وبما أن الباحث لم يتحكم في أيًا من المتغيرين ولم يحاول تحديد ما إذا كانت درجات كل طالب في اختبار قابلية تعلم اللغة قد تسبب في تغييرات في درجاته التي تحصل عليها في الفصل، ولكنه يسعى فقط لمعرفة ما إذا كان من الممكن استخدام درجات اختبار قابلية تعلم اللغة في التنبؤ بالسلوك، فإن الدراسة ستكون ارتباطية، وليست تجريبية أو سببية مقارنة.

 

 

المنهج التطويري

يحاول البحث التطويري الإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن للباحثين بناء ‘شيء’ لمعالجة المشكلة؟ هذا ينطبق خصوصا عندما لم يكن هناك حل مناسب لاختبار الفعالية في معالجة المشكلة ويفترض أن الباحثين لا يعرفون حتى كيفية البدء في بناء حل يمكن اختباره. ينطوي البحث التطويري عادة على ثلاثة عناصر رئيسية وهي:

 

  • إنشاء المعايير التي يحب أن تكون في المنتج والتحقق منها
  • اتباع عملية مقبولة رسميا للتطوير المنتج
  • اخضاع المنتج إلى عملية مقبولة رسميا لتحديد ما إذا كان المنتج يحقق تلك المعايير.

 

وكمثال على البحوث التطويرية فإن دراسة إليس وهافنر (Ellis and Hafner, 2006) التي شرحا فيها بالتفصيل تطوير بيئة غير متزامنة لخبرات التعلم التعاوني القائم على المشاريع.

يختلف البحث التطويري عن تطوير المنتج لأنه يركز على الحلول المعقدة والمبتكرة التي لديها عدد قليل، إن وجد، من التصاميم المقبولة والمبادئ التطويرية، وجذور شاملة في الأدبيات والنظريات، والاختبارات التجريبية لعملية المنتج وفعاليته. فضلا عن التوثيق الوافي، والتحليل، والتفكير في العمليات والنتائج (van den Akker, Branch, Gustafson, Nieveen, & Plomp, 2000).

 

 

 

النظرية المتجذرة

يتم تعريف نظرية المتجذزة بأنها “إجراء منهجي نوعي يستخدم لتوليد نظرية تفسر على مستوى مفاهيمي واسع، عملية أو فعل، أو تفاعل حول موضوع جوهري ” (Creswell, 2005, p. 396). يتم استخدام النظرية المتجذرة عندما تفشل النظريات الموثقة حاليا في الأدبيات في الشرح الكاف للظواهر الخاضعة للملاحظة (Leedy & Ormrod, 2005). في مثل هذه الحالات، قد لا تكون المراجعات للنظريات الحالية صالحة لأنه ربما تكون الافتراضات الأساسية وراء تلك النظريات معيبة بالنسبة إلى السياق أو البيانات المعنية. ويبين الجدول رقم (2) ثلاثة أنواع رئيسية لتصميم النظرية المتجذرة. وفقا لكرسويل فإن “الاختيار بين الأنواع الثلاثة يتطلب عدة اعتبارات” (ص 403). وأشار إلى أن هذه الاعتبارات تعتمد على تركيز الدراسة الرئيسي مثل: هل هدف الدراسة اتباع إجراءات معينة؟ هل غرض هدف الدراسة هو اتباع فئات محددة سلفا؟ وما هو موقف الباحث؟

 

الأثنوجرافيا

وتهدف الاثنوغرافيا لدراسة “شخص معين أو برنامج أو حدث ما بتعمق كبير. يقوم الباحث في الاثنوغرافيا بالبحث في مجموعة كاملة ( بشكل أكثر تحديدا، مجموعة تتشارك في نفس الثقافة) بتعمق “(Leedy Leedy & Ormrod, 2005, p. 151). وفقا لكريسويل (2005)، فإن البحث الإثنوغرافي هو الدراسة النوعية المتعمقة لمجموعة لديها ثقافة مشتركة. وأشار كريسويل إلى أن الاثنوغرافيا تُستخدم بطريقة أفضل في شرح مختلف القضايا داخل مجموعة من الأفراد بقوا معا لفترة طويلة من الزمن، وبالتالي أصبح لديهم ثقافة مشتركة. كما توفر البحوث الإثنوغرافية أيضا مجموعة زمنية من الأحداث المتصلة بمجموعة من الأفراد لديهم ثقافة مشتركة.

 

 

البحث العملي (أو الإجرائي)

يُعرف البحث الإجرائي بأنه “نوع من البحوث يُركز على إيجاد حل لمشكلة محلية في بيئة محلية “( Leedy & Ormrod, 2005, p. 114). يعتبر البحث الإجرائي فريد من نوعه في النهج لأن الباحث يكون هو نفسه أو نفسها جزء من مجموعة الممارسين التي تواجه المشكلة الفعلية التي يحاول البحث معالجتها (Creswell, 2005). بالإضافة إلى ذلك، فإن الهدف من البحث الإجرائي هو دراسة مشكلة محلية وعملية. ,وفقا لديلوكا وآخرين (DeLuca, Gallivan, and Kock, 2008)، فإن هناك خمس خطوات رئيسية متبعة في البحث العملي تتمثل في: أ) تشخيص المشكلة؛ ب) تخطيط العمل؛ ج) تنفيذ الإجراءات؛ د) تقييم النتائج؛ وهـ) تحديد الدروس المستفادة للدورة القادمة. وأثناء خطوات البحث الإجرائي، يقوم كل من “الباحثين والممارسين بالتعاون في كل خطوة” (ديلوكا وآخرون، ص 49).

 

 

أساسيات مناهج البحث

لكل نوع من الدراسات توجد منهجية مقبولة موثقة في النصوص والأدبيات. وكخطوة أولى لتأسيس قيمة الدراسة المقترحة، ينصح الباحث المبتدئ بإتباع  قالب نوع الدراسة بدقة كما ورد في النصوص وأن يصمم طرق بحثه وفقا للدراسات المماثلة المنشورة في الأدبيات. وبغض النظر عن نوع الدراسة التي يتم إجرائها، هناك عدد من العوامل الهامة التي يجب أن يتم استيعابها في القسم الخاص بوصف طرق البحث. باختصار، يجب أن يوفر هذا القسم وصف تفصيلي للكيفية التي سيتم بها إجراء الدراسة، حيث يقدم إجابة على الأسئلة الهامة  مثل “من، وماذا، وأين، ومتى، ولماذا، وكيف.

  1. ما الذي سيتم القيام به؟
  2. من الذي سيقوم بالأشياء التي سيتم القيام بها؟
  3. كيف سيتم انجاز كل شيء ينبغي القيام به؟
  4. متى وبأي ترتيب، سيتم القيام فعلا بالأشياء التي يتعين إنجازها؟
  5. أين سيتم القيام بتلك الأشياء؟
  6. لماذا (بدعم من الأدبيات) كانت الإجابات عن ماذا، من، كيف، متى، وأين بهذه الطريقة؟

 

من شأن الوصف الجيد لطرق البحث أن يسمح للقارئ بإجراء الدراسة المقترحة بناءًا على العمليات المذكورة. ومن بين تلك العمليات هي: تشكيل وصياغة أسئلة البحث والفرضيات. تحديد الافتراضات والقيود، والمحددات؛ وكذلك تأسيس الموثوقية والصلاحية.

 

 

صياغة الفرضيات وأسئلة البحث

 

أسئلة البحث

أسئلة البحث هي جوهر معظم الأبحاث التي يتم إجرائها وهي تعتبر كخطة توجيهية للبحث (Mertler & Vannatta, 2001). وبشكل عام، فإن أسئلة البحث هي “أسئلة محددة يسعى الباحثون للإجابة عليها” (Creswell, 2005, p. 117). ووفقا لماكسويل (Maxwell, 2005, p. 69)، فإن “أسئلة البحث تحدد ما تريد أن تتعلمه”. قد يكون لدى التحقيق البحثي واحد أو أكثر من الأسئلة البحثية بغض النظر عن نوع البحث المحدد سواءا كان نوعي، كمي، أومن النوع المختلط. معظم الدراسات الجيدة يوجد بها قسم خاص يسلط الضوء على الأسئلة البحثية قيد التحقيق. وفي معظم الأعمال المنشورة الأخرى التي لا يوجد بها قسم خاص يسلط الضوء على الأسئلة، فستكون أسئلة البحث موجودة إما في نهاية بيان المشكلة أو مباشرة بعد قسم مراجعة الأدبيات. اقترح ماكسويل أن السؤال البحثي الجيد هو الذي يوجه الباحث إلى المعلومات التي من شأنها أن تقوده لفهم ما يبحث فيه. وفقا لإيليس وليفي (Ellis and Levy, 2008, p. 20)، فإنه “لكي يكون البحث ذا معنى، يجب أن تكون هناك علاقة معروفة بين إجابات أسئلة البحث ومشكلة البحث التي ألهمت الدراسة “. ومع ذلك، لا ينبغي أن تنشأ أسئلة البحث من فراغ، ولكن يجب أن تتأثر بشدة بما تقترحه الأدبيات ذات الجودة حول الظواهر (Berg, 1998). وعلاوة على ذلك، فإن الصياغة الدقيقة المستخدمة في تدوين الأسئلة البحثية تعتبر أمر مهم لأن دقة وملائمة أسئلة البحث تحدد المنهجية التي سيتم استخدامها (Mertler & Vannatta, 2001). تعتمد طبيعة الأسئلة البحثية على نوع الدراسة التي سيتم إجرئها. عموما، ستكون الدراسات التي تعتمد على البيانات الكمية مدفوعة بأسئلة بحثية ذات طابع تأكيدي وتنبؤي، أما الدراسات التي تعتمد على البيانات النوعية فستكون على الأرجح مدفوعة بأسئلة بحثية ذات طبيعة استكشافية وتفسيرية.

ومن أمثلة الأسئلة البحثية الكمية التي تطرح عادة في سياق تعلم اللغة ما يلي:

– هل هناك علاقة بين مستوى اللغة الانجليزية لدى طلبة جامعة طرابلس واستراتيجيات اللغة التي يستخدمونها؟

– هل هناك علاقة بين مستوى اللغة الانجليزية لدى طلبة جامعة طرابلس وحوافز تعلم اللغة الانجليزية؟

– هل هناك فرق كبير بين الذكور والإناث في استراتيجيات التعلم المستخدمة من قبل طلبة اللغة الانجليزية بجامعة طرابلس؟

– هل مستوى اللغة الانجليزية لدى طلبة جامعة طرابلس مرتبط أكثر باستراتيجيات التعلم، الحوافز، أو مدى تعلمهم تلقائيا؟

– ما هو مستوى طلاقة طلبة جامعة طرابلس في اللغة الانجليزية؟

 

ومن أمثلة الأسئلة البحثية النوعية في سياق تعلم اللغة ما يلي:

– كيف سيساعد التدريب في الرفع من مستوى الطلاقة في اللغة الانجليزية على مستوى الجامعة؟

– لماذا تورط المستخدم ومقاومة المستخدم المساعدة في متطلبات جمع أنظمة ”

العملية؟

– ما هي خصائص برامج تعلم اللغة بواسطة الحاسوب التي لها قيمة عند المستخدمين لأنظمة التعلم الإلكتروني؟

– كيف يتم تحديد مستوى تعلم متعلمي اللغة بواسطة الحاسوب؟

 

 

الفرضيات

يجب على المرء أن يضع في اعتباره أن “الأسئلة البحثية ليست هي نفسها فرضيات البحث” (Maxwell, 2005, p. 69). بشكل عام، فإن يمكن تعريف الفرضية بأنها “افتراض منطقي، وتخمين معقول، وظن علمي ” حول بعض جوانب الحياة اليومية (Leedy & Ormrod, 2005, p. 6). ولكن في البحث العلمي، تكون الفرضيات أكثر من مجرد “تخمينات”. فرضية البحث هي “التنبؤ أو التخمين حول نتاج علاقة بين سمات أو خصائص “( Creswell, 2005, p. 117). وبطبيعة الحال فان البحث محافظ ويفترض عدم وجود علاقة بين السمات قيد النظر. وبالتالي، فإن الفرضيات، يتم صياغتها بعبارات منفية. على سبيل المثال، إذا كانت دراسة ستبحث في تأثير وسائط المتعددة للرسوم المتحركة التفاعلية على متوسط ​​كمية الشراء في موقع للتجارة الإلكترونية، فإن الفرضية ستكون: متوسط ​​كمية الشراء على موقع للتجارة الإلكترونية المعزز بالرسوم التفاعلية المتحركة لن يكون مختلفًا عن متوسط ​​كمية الشراء في موقع للتجارة الإلكترونية غير معزز بالرسوم التفاعلية المتحركة. لا تتضمن كل أنواع البحوث صياغة واختبار الفرضيات. ولكن مناهج البحث المستندة إلى البيانات الكمية عادة ما تقوم باختبار الفرضيات، أما الدراسات التي تعتمد على البيانات النوعية، فهي من ناحية أخرى، عملية استكشاف للمقترحات (Maxwell).

وعلى عكس الفرضيات، فإن المقترحات (الطروحات) تقوم بالتنبؤ باتجاه النتائج. على سبيل المثال، إذا كان الباحث سيدرس رد فعل المستهلك على الرسوم المتحركة التفاعلية الموجودة في موقع للتجارة الإلكترونية، فإنه ربما سيتحقق من الاقتراح التالي: سيقوم المستهلكين بالتعبير عن شعورهم بالمشاركة والرضا عند زيارتهم لمواقع التجارة الإلكترونية المعززة بالرسوم المتحركة التفاعلية أكثر مما يشعرون عند زيارتهم لمواقع مشابهة تفتقر إلى الرسوم المتحركة التفاعلية.

 

 

بيان الافتراضات والقيود، والمحددات

في أي تحقيق بحثي هناك افتراضات وقيود، ومحددات (Creswell, 2005). ووفقا لليدي وأورموند (Leedy and Ormrod, 2005)، فإن الافتراضات، والقيود، والمحددات تعتبر عناصر أساسية لمقترح البحث الجيد. بدون توضيح هذه الاعتبارات، فربما قد يثير المقيمون بعض الأسئلة الصحيحة المتعلقة بمصداقية الاقتراح. تقدم الأقسام الفرعية الثلاثة التالية تعريف وأمثلة لكل مصطلح.

 

 

الافتراضات

الافتراضات بمثابة الركيزة الأساسية لأي بحث مقترح (Leedy & Ormrod, 2005) لأنها تُشكل “ما يعتبره الباحث أمرا مفروغا منه. ولكن اعتبار الأشياء بأنها أمرا مفروغا منه قد يسبب الكثير من سوء الفهم، لأن ما قد يفترضه مجموعة من الباحثين ضمنيا، قد لا يأخذه البعض الآخر مطلقا في الاعتبار” (Leedy & Ormrod, p. 62). وعلاوة على ذلك، يمكن النظر إلى الافتراضات كشيء يعتبره الباحث صحيحا بدون دليل ملموس. أساسا، ليس هناك أي دراسة بحثية بدون مجموعة أساسية من الافتراضات (Berg, 1998). وفقا لوليامز وكولومب (Williams and Colomb, 2003)، فإن تحديد الافتراضات الكامنة وراء مقترح بحثي معين هو احد أصعب القضايا التي تتطلب المعالجة، وخاصة للباحثين المبتدئين. تظهر هذه الصعوبات بسبب حقيقة أننا “تأخذ معتقداتنا العميقة كأمرا مفروغا منه، ونادرا ما نشكك فيها من وجهة نظر شخص آخر” (Williams & Colomb, p. 200). من المهم أن يتعلم الباحثين المبتدئين كيفية توثيق افتراضاتهم صراحةً حتى يضمنوا أنهم على بينة من تلك الأمور التي تعتبر كمعطيات، ولا يحاولون إخفاءها عن القارئ أو تشويهها. قد تساعد التوثيق الصريح لافتراضات الأبحاث في الحد من سوء الفهم أو رفض البحث المقترح لأنها تدل على أن المقترح البحثي قد تمت مراجعته بدقة (Leedy & Ormrod, 2005).

 

للتعرف على الافتراض الكامن وراء المقترح، يجب على الباحث أن يسأل نفسه السؤال التالي:

“ما الذي أعتقده بأن القراء يجب أن يعتقدوه أيضًا (ولكن ربما لا) قبل أن يفكروا في أن أسبابي ذات صلة بادعائاتي؟ “( Williams & Colomb, p. 200).

 

وربما تكون الافتراضات التي يقوم بها الباحثون مشابهة لما يلي:

– المشاركون في الدراسة سيبذلون جهدا صادقا لإنجاز المهام المسندة إليهم.

– الطلاب المشاركين في الدورة على شبكة الإنترنت لديهم معرفة أساسية بأجهزة الكمبيوتر الشخصية واستخدام الشبكة العنكبوتية العالمية.

 

 

القيود

كل دراسة لديها مجموعة من القيود (Leedy & Ormrod, 2005)، أو “نقاط ضعف محتملة أو مشاكل في الدراسة حددها الباحث” (Creswell, 2005, p. 198). القيد هو خطر على الصحة الداخلية للدراسة لا يمكن السيطرة عليه. كما سيتم توضيحه أدناه بالتفصيل، فإن الصحة الداخلية تشير إلى احتمال أن نتائج الدراسة تعني في الواقع ما يقول الباحث بأنها تعنيه. يعتبر النص الصريح على قيود البحوث أمر حيوي مهم لأنه يسمح للباحثين الآخرين بتكرار الدراسة أو التوسع فيها (Creswell, 2005). بالإضافة إلى ذلك، فإن اشارة الباحث الصريحة إلى القيود المفروضة على بحثه تساعد الباحثين الآخرين في اصدار “الحكم حول مدى امكانية تعميم النتائج (أو لا) على الناس والحالات الأخرى” (Creswell, 2005, p.198).

 

ومن أمثلة القيود التي قد تكون لدى الباحثين ما يلي:

– جميع المشاركين في الدراسة متطوعين وقد ينسحبوا من الدراسة في أي وقت. وبالتالي، فإن المشاركين الذين ينهون الدراسة قد لا يكونوا ممثلين حقيقيين لمجتمع الدراسة.

– أعضاء لجنة الخبراء التي من شأنها التحقق من أداة المسح (اختبار الطلاقة في الانجليزية) سيكونون من كلية الآداب، وربما قد لا يمثلون حقا رأي الخبراء المقبول عالميا.

 

المحددات

تشير المحددات إلى “ما لن يفعله الباحث” (Leedy & Ormrod, 2005). في البحث العلمي، تحدد أهداف البحث ما ينوي الباحث القيام به. وبدون محددات، فسيواجه القارئ صعوبات في فهم حدود البحث. ولتقييد نطاق الدراسة وجعلها أكثر سهولة، يجب على الباحثين تحديد العوامل، المركبات، أو المتغيرات التي تعمدوا ابقائها خارج نطاق الدراسة. وعموما فإن المحددات تؤثر على الصحة الخارجية أو تعميم نتائج الدراسة.

 

ومن أمثلة المحددات ما يلي:

– لقد تم تحدد المشاركة في الدراسة للذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 25 – 45 سنة فقط والذين أنهوا دورة لتعلم الانجليزية خلال الأشهر الإثنى عشرة (12) الماضية. ولذلك فإن التعميم على الفئات العمرية الأخرى أو الإناث قد لا يكون مبررًا.

– بحثت هذه الدراسة معدلات الاستنزاف في برامج الماجستير في الأدب الانجليزي المعروضة باستمرار في إدارات التربية والتعليم

بالكليات والجامعات الحكومية. وبالتالي فإن التعميم للبرامج التعليمية الأخرى أو برامج مماثلة تقدمها مؤسسات خاصة قد لا يكون له ما يبرره.

 

 

إنشاء الصلاحية والموثوقية

يجب أن تعالج كل دراسة التهديدات التي تتعرض لها الصلاحية والموثوقية (Leedy & Ormrod, 2005). على الرغم من أن مفاهيم الصلاحية والموثوقية بدأت أصلا في مناهج البحث الكمية، فقد تم تناولها في السنوات الأخيرة في مناهج طرق البحث النوعية والمختلطة أيضًا. (Berg, 1998; Maxwell, 2005). وفقا لليدي وأورموند (Leedy and Ormrod, 2005: p. 31)، فإن “صلاحية وموثوقية أدوات القياس الخاصة بالبحث تؤثر على المدى الذي يمكن به تعلم شيئا ما عن الظاهرة قيد الدراسة … وإلى أي مدى يمكن أن تستخرج استنتاجات ذات مغزى من البيانات الخاصة بالبحث”. سنقوم في القسمين التاليين بتحديد وتوضيح الأنواع الرئيسية من الصلاحية والموثوقية التي لها علاقة بالتحقيقات البحثية الشائعة. إن إنشاء نهج يتبع الأساليب المنشورة لمعالجة قضايا الصلاحية والموثوقية في المقترح البحثي قد يزيد بشكل كبير من القبول العام للمقترح البحثي.

 

الموثوقية (Reliability)

يتم تعريف الموثوقية بأنها “الاتساق الذي تنتج به أداة القياس نتائج معينة عندما لا يتغير الكيان الذي يتم قياسه ” (Leedy & Ormrod, 2005, p. 31). وفقا لستراوب (Straub, 1989: p. 150)، ينبغي أن يحاول الباحثون الإجابة على السؤال التالي عند محاولتهم معالجة مسألة الموثوقية، “هل تظهر المقاييس الاستقرار عبر وحدة الرصد؟ بمعني هل خطأ القياس مرتفع جدا ليشوه النتائج؟ “. يمكن تأسيس الموثوقية بأربعة طرق مختلفة: التكافؤ (equivalency) والاستقرار(stability) وبين المقيمين (inter-rater)، والاتساق الداخلي (internal consistency) (Carmines & Zeller,1991).

 

موثوقية التكافؤ. وتهتم موثوقية التكافؤ بمدى التطابق بين القياسات المأخوذة بأحد الأدوات مع تلك التي تم اخذها بأداة ثانية في ظل ظروف مماثلة. وكثيرا ما يستخدم التكافؤ للتصديق على موثوقية إجراء أو أداة قياس جديدة من خلال مقارنة نتائج استخدامها مع تلك التي تم الحصول عليها من خلال استخدام العمليات أو الأدوات القائمة. وعادة يتم تأسيس التكافؤ من خلال استخدام الارتباط الإحصائي (اختبار بيرسون (Pearson’s r) للارتباط الخطي أو اختبار إيتا (Eta) للعلاقة غير الخطية.

 

موثوقية الاستقرار. تهتم موثوقية الاستقرار (تعرف أيضا باسم موثوقية الاختبار، وإعادة الاختبار) بكيفية ثبات نتائج القياس بأداة معينة أو عملية مع مرور الزمن. يستند الاستقرار إلى افتراض أنه، في غياب التفسير المعروف، يجب أن ينتج القياس نفس النتائج اليوم كما في الشهر الماضي، وينتج نفس النتائج في الشهر المقبل. عادة ما يتم تأسيس الاستقرار، مثل التكافؤ، من خلال استخدام الارتباط الإحصائي (اختبار بيرسون للعلاقة الخطية أو إيتا للعلاقة غير الخطية).

 

موثوقية بين المقيمين. وتركز الموثوقية بين المقيمين على مدى الاتفاق  في نتائج شخصين أو أكثر يستخدمون نفس العملية أو أداة القياس. وكما هو الحال مع الاستقرار و التكافؤ، فعادة ما يتم إنشاء الموثوقية بين المقيمين من خلال استخدام الارتباط إحصائي (اختبار بيرسون للعلاقة الخطية أو إيتا للعلاقة غير الخطية).

 

الاتساق الداخلي. على عكس الطرق السابقة لإقامة الموثوقية التي تهتم بمقارنة نتائج استخدام أداة أو عملية بمعيار خارجي (أداة أخرى، نفس الأداة مع مرور الوقت، أو استخدام نفس الأداة من قبل أشخاص مختلفين)، يركز الاتساق الداخلي على مستوى الاتفاق بين الأجزاء المختلفة للأداة أو العملية في تقييم السمة التي يتم قياسها. فعلى سبيل المثال في مسح يتكون من عشرين (20) سؤالا لقياس المواقف تجاه التشارك في المعرفة، ، إذا كان المسح متسق داخليا، فسوف يكون هناك ارتباط قوي بين الإجابات أو الردود على جميع الأسئلة العشرين. ويتم تأسيس الاتساق الداخلي أيضا بالارتباط الإحصائي، ولكن باستخدام كرونباخ a ) Cronbach a ( بدلا من معامل بيرسون للارتباط.

 

 

الصلاحية (Validity)

يشير مصطلح الصلاحية لقدرة الباحثين على “استخلاص استنتاجات ذات مغزى ولها ما يبررها من درجات حول عينة أو مجتمع دراسة “(Creswell, 2005, p. 600). هناك أنواع مختلفة من الصلاحية المرتبطة بالبحث العلمي (Cook & Campbell, 1979). تشيرصلاحية الأداة إلى ” إلى المدى الذي تقيس به أداة معينة ما يفترض أنها تقيسه” (Leedy & Ormrod, 2005, p. 31). ولذلك يجب على الباحثين عند تصميم دراستهم أن يسألوا أنفسهم “كيف يمكن أن يخطؤا؟ “( Maxwell, 2005, p. 105). بالإضافة إلى ذلك، فإن صلاحية أي دراسة “تعتمد على علاقة استنتاجات الباحث بالواقع” (Maxwell, 2005, p. 105). سيهتم هذا القسم يتعريف وتحديد الخطوط العريضة لقضايا الصلاحية الرئيسية. تعتبر الصلاحية الداخلية والصلاحية الخارجية من قضايا الصلاحية الأكثر شيوعا.

 

الصلاحية الداخلية. تشير الصلاحية الداخلية إلى “المدى الذي يسمح به التصميم والبيانات التي ينتجها للباحث باستخلاص استنتاجات دقيقة حول السببية والتأثير والعلاقات الأخرى في البيانات “(Leedy & Ormrod, 2005, pp. 103-104). وفقا لستراوب (Straub, 1989: 150)، يجب أن يحاول الباحثون الإجابة على السؤال التالي في محاولة لمعالجة الصلاحية الداخلية، “هل هناك فرضيات متنافسة لم يتم اختبارها تتعلق بالآثار التي تم ملاحظتها؟”. وعموما، يتطلب إنشاء الصلاحية الداخلية فحص واحد أو أكثر مما يلي: صلاحية السطحية (Face Validity) وصلاحية المعيار(Criterion Related Validity)، وصلاحية المركب (Construct Validity)، وصلاحية المحتوى (Content Validity)، أو صلاحية الاستنتاج الإحصائية (Statistical Conclusion Validity).

 

الصلاحية السطحية. وتستند الصلاحية السطحية على المظهر، حيث أنها تتعلق بمدى اجتياز المقياس أو العملية لاختبار المعقولية. الصلاحية السطحية لست كافية أبدا في حد ذاتها، ولكن التقييم غير الرسمي لمدى تصميم الدراسة بشكل جيد غالبا ما يكون الخطوة الأولى في تأسيس صلاحيتها.

 

صلاحية المعيار. يعرف هذا النوع أيضا باسم الصلاحية العملية، حيث تستند صلاحية المعيار على فرضية أن العمليات والأدوات المستخدمة في الدراسة هي صالحة إذا كانت موازية لشبيهاتها المستخدمة في الأبحاث السابقة والتي تم التحقق من صلاحيتها. من أجل إثبات الصلاحية المتعلقة بالمعيار يعتبر من الضروري إيجاد أوجه التشابه القوية بينها وبين أكثر قدر ممكن من تفاصيل الدراسة التي تم التحقق من صلاحيتها (مثل مجتمع الدراسة، الظروف والأدوات المستخدمة والطرق المتبعة).

 

صلاحية المركب. صلاحية المركب تعتبر “قضية تشغيلية في جوهرها، حيث بما إذا كانت المقاييس المختارة هي مركبات حقيقية تصف الحدث أو مجرد نتاج مصطنع (artifacts) للمنهجية نفسها” (Straub, 1989, p. 150). وفقا لستراوب، يجب أن يحاول الباحثون الإجابة على السؤال التالي عند محاولتهم معالجة صلاحية المركب. “هل تظهر المقاييس الاستقرار عبر المنهجية؟ وهذا يعني، هل البيانات هي انعكاس لدرجات حقيقية أو نتاج مصطنع من نوع الأداة المختارة؟” (Straub, 1989, p. 150).

 

صلاحية المحتوى. في البحوث القائمة على المسوح، يشير مصطلح صلاحية المحتوى إلى “الدرجة التي تعكس بها عناصر الأداة كون المحتوى الذي سيتم تعميم الأداة عليه” (Boudreau, Gefen, & Straub, 2001, p. 5). ووفقا لستراوب (Straub, 1989: 150) ينبغي أن يحاول الباحثين الإجابة على السؤال التالي عند محاولتهم معالجة صلاحية المحتوى: “هل الأداة مستوحاه من كل المقاييس الممكنة للخصائص قيد التحقيق؟”.

 

صلاحية الاستنتاج الإحصائي. تشير صلاحية الاستنتاج الإحصائية إلى “تقييم العلاقات الرياضية بين المتغيرات، واحتمال أن هذا التقييم الرياضي يقدم الصورة الصحيحة للتباين المترابط … (النوع الأول والنوع الثاني من الخطأ) “( Straub, 1989, p.

152). ووفقا لستراوب، يجب أن يسعى الباحثون إلى الإجابة على السؤال التالي عند محاولتهم معالجة صلاحية الاستنتاج الإحصائية: “هل تظهر المتغيرات علاقات لا يمكن تفسيرها بالصدفة أو بعض المعايير الأخرى للمقارنة؟ “( Straub, 1501989, p.).

 

الصلاحية الخارجية. تشير الصلاحية الخارجية إلى “مدى تطبيق نتائج الدراسة على ما وراء الدراسة نفسها … وإلى أي مدى يمكن تعميم الاستنتاجات المستخلصة على سياقات أخرى” (Leedy & Ormrod, 2005, p. 105). بالإضافة إلى ذلك، فإن الصلاحية الخارجية تتعامل مع “تعميم نتائج العينة مجتمع الدراسة المعني، عبر مقاييس، وأشخاص، وأماكن، أو عدد مرات مختلفين. تعتبر الصلاحية الخارجية مهمة لإثبات أن نتائج البحوث قابلة للتطبيق في الأماكن الطبيعية، مقارنة بالفصول الدراسية، والمختبرات، أو بيئة الاستجابة للمسوح” (King & He, 2005, p. 882).

 

 

الخلاصة

أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الباحث المبتدئ هي مطابقة البحث الذي يقترحه مع منهج البحث الذي يتناسب مع، ويكون مقبولًا من قبل المجتمع العلمي. بالتأكيد لا نقصد أن تكون المواد المقدمة في هذه الورقة نقطة النهاية في عملية إنشاء طرق البحث لدراسة معينة. ولكن نشجع الباحث المبتدئ ونتوقع منه زيادة هذه المواد من خلال الإشارة إلى واحد أو أكثر من النصوص المشار إليها وأمثلة البحوث المذكورة.

تقدم هذه الورقة الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه مثل هذا القرار وفقا لما يلي:

  1. تطوير نموذج لاختيار منهج البحث على أساس المشكلة التي تقود الدراسة، وهيئة المعرفة الموثقة في الأدبيات التي تمت مراجعتها من قبل الأقران، والبيانات المتاحة للباحث.
  2. تحديد وباختصار العديد من مناهج البحث المستخدمة عادة في الدراسات اللغوية.
  3. استكشاف العديد من المصطلحات والتراكيب الهامة التي تنطبق على البحث العلمي، بغض النظر عن النهج المحدد الذي تم اختياره.

 

 

المراجع

 

Berg, B. L. (1998). Qualitative research methods for the social sciences (3rd ed.). Boston, MA: Allyn & Bacon.

Beynon-Davies, P. (1997). Ethnography and information systems development: Ethnography of, for and within is development. Information and Software Technology, 39(8), 531-540.

Boudreau, M.-C., Gefen, D., & Straub, D. W. (2001). Validation in information systems research: A state of-the-art assessment. MIS Quarterly, 25(1), 1-16.

Cohen, M. S., & Ellis, T. J. (2003). Predictors of success: A longitudinal study of threaded discussion forums. Proceeding of the Frontiers in Education Conference, Boulder, Colorado, pp. T3F-14–T13F-18.

Cook, T. D., & Campbell, D. T. (1979). Quasi-experimentation: Design & analysis issues from field settings. Boston, MA: Houghton Mifflin Company.

Creswell, J. W. (2005). Educational research: Planning, conducting, and evaluating quantitative and qualitative research (2nd ed.). Upper Saddle River, NJ: Pearson.

DeLuca, D., Gallivan, M. J., & Kock, N. (2008). Furthering information systems action research: A post-positivist synthesis of four dialectics. Journal of the Association for Information Systems, 9(2), 48-72.

Ellis, T. J., & Hafner, W. (2006). A communicat ion environment for asynchronous collaborative learning. Proceeding of the 37th Hawaii International Conference on System Sciences, Big Island, Hawaii, pp. 3a-3a.

Ellis, T. J., & Levy, Y. (2008). A framework of problem-based research: A guide for novice researchers on the development of a research-worthy problem. Informing Science: The International Journal of an Emerging Transdiscipline, 11, 17-33. Retrieved from http://inform.nu/Articles/Vol11/ISJv11p017-033Ellis486.pdf

Ellis, Timothy J. and Yair Levy (2009). Towards a Guide for Novice Researchers on Research Methodology: Review and Proposed Methods. Issues in Informing Science and Information Technology Volume 6, 2009.

Gay, L. R., Mills, G. E., & Airasian, P. (2006). Educational research: Competencies for analysis and applications (8th ed.). Upper Saddle River, NJ: Pearson.

Isaac, S., & Michael, W. B. (1981). Handbook in research and evaluation. San Diego, CA: EdITS publishers.

King, W. R., & He, J. (2005). External validity in IS survey research. Communications of the Association for Information Systems, 16, 880-894.

Leedy, P. D., & Ormrod, J. E. (2005). Practical research: Planning and design (8th ed.). Upper Saddle

River, NJ: Prentice Hall.

Leopold, Werner F. 1978. A child’s learning of two languages, In E. M. Hatch, ed. Second language acquisition: A book of readings. Rowley, Mass.: Newbury House.

Levy, Y., & Ellis, T. J. (2006). A systems approach to conduct an effective literature review in support of informat ion systems research. Informing Science: The International Journal of an Emerging Transdiscipline, 9, 181-212. Retrieved from http://inform.nu/Articles/Vol9/V9p181-212Levy99.pdf

Maxwell, J. A. (2005). Qualitative research design: An interactive approach (2nd ed.). Thousand Okas, CA: Sage Publication.

Mertler, C. A., & Vannatta, R. A. (2001). Advanced and multivariate statistical methods: Practical application and interpretation. Los Angeles, CA: Pyrczak Publishing.

Noor, K. (2008). Case study: A strategic research methodology. American Journal of Applied Sciences, 5(11), 1602-1604.

Nunamaker, J. F., Chen, M., & Purdin, T. D. M. (1991). Systems development in information systems research. Journal of Management Information Systems, 7(3), 89-106.

Sekaran, U. (2003). Research methods for business (4th ed.). Hoboken, NJ: John Wiley & Sons.

Straub, D. W. (1989). Validating instruments in MIS research. MIS Quarterly, 13(2), 147-170.

van den Akker, J., Branch, R. M., Gustafson, K., Nieveen, N., & Plomp, T. (2000). Design approaches and tools in education. Norwell, MA: Kluwer Academic Publishers.

Yin, R. K. (1984). Case study research: Design and methods. Newbury Park, CA: Sage Publicat ion.

[1] Leopold, Werner F. 1978. A child’s learning of two languages, In E. M. Hatch, ed. Second language acquisition: A book of readings. Rowley, Mass.: Newbury House.

أعلم حبيبك
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Reddit
Share On Stumbleupon
Share On Youtube
Contact us

البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي

البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي

إن حقل علم اللغة التطبيقي مجال بحثي واسع متعدد التخصصات يركز على اللغات وهي قيد الاستخدام، ويربط معرفتنا باللغات بفهم الكيفية التي تُستخدم بها في العالم الواقعي. يعمل علماء علم اللغة التطبيقي في مجالات بحثية مختلفة بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، اكتساب اللغة الثانية (Second Language  Acquisition)، تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية أو أخرى ، الاتصالات في أماكن العمل، التخطيط اللغوي والسياسة، وهوية اللغة والجنس. كما يعمل كثير من علماء  اللغة التطبيقيين أيضا في المجالات ذات الصلة مثل التربية وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا.

 

أحد المجالات الهامة للبحوث في علم اللغة التطبيقي هو تحليل اللغة. ينظر الباحثون في مجال اكتساب اللغة الثانية مثلا، في ماهية الأخطاء اللغوية التي يقع فيها المتعلمين عادة في مراحل مختلفة من تطور لغتهم، وينظر الباحثون في مجال تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية في الكيفية التي يساعد بها كتاب في فن الكتابة الطلاب على تطوير مهاراتهم في التعبير والانشاء. يتمثل المجال الهام الثاني في علم اللغة التطبيقي في دراسة سياقات وخبرات استخدام اللغة. فعلى سبيل المثال، يمكن للباحثين المتخصصين في مجال الاتصالات في أماكن العمل دراسة الكيفية التي تستخدم بها النساء المهاجرات الذين يتقنون اللغة بدرجات مختلفة اللغة الهدف  للتواصل مع زملاء العمل، و قد يدرس الباحثين في مجال تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية كيف تؤثر بيئة الفصول الدراسية على مواقف واتجاهات الطلبة نحو تعلم اللغة. وبالمثل، قد ينظر الباحثين في مجال الهوية اللغوية كيف تقوم الأقليات الجنسية بتشكيل هويتهم من خلال اللغة.

 

كيف يتعامل الباحثين مع هذه القضايا؟ جوهريا، لديهم ثلاثة خيارات: استخدام البحث الكمي، البحث النوعي، أو استخدام كلاهما باستخدام ما يسمى طرق البحث المختلطة. وبينما ينطوي البحث الكمي على جمع البيانات الرقمية في المقام الأول ثم تحليلها باستخدام الأساليب الإحصائية، نجد أن البحث النوعي يستلزم جمع البيانات النصية في المقام الأول ودراستها باستخدام التحليل التفسيري. أما طرق البحث المختلطة فتُوظف كلا النوعين، الكمي والنوعي، وفقا لأهداف وسياق المشروع الواحد وطبيعة الأسئلة البحثية التي يحاول الإجابة عليها.

 

سنركز في الأقسام التالية بشكل رئيسي على البحث النوعي، حيث سنستكشف أولا ما هو، ثم نوضح كيفية استخدامه لدراسة السياقات والخبرات المتعددة للغة وهي قيد الاستخدام.

 

 

ما هو البحث النوعي؟

يُستخدم مصطلح “البحث النوعي” للإشارة إلى منهجية بحثية معقدة قيد التطور. ترجع جذور البحث النوعي إلى عدد من التخصصات المختلفة، وبصورة رئيسية الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع، والفلسفة، ويستخدم الآن في جميع المجالات بحوث العلوم الاجتماعية تقريبا، بما في ذلك علم اللغة التطبيقي. وقد تم تطوير عدد كبير من الطرق البحثية في البحوث النوعية تشمل البحث السردي (narrative inquiry)، دراسة الحالة (case study)، الاثنوغرافيا (ethnography)، والبحث العملي (action research)، دراسة الظواهر (phenomenology)، والنظرية المتجذرة (grounded theory). تستخدم هذه الطرق مجموعة واسعة من وسائل جمع البيانات، مثل الملاحظة والمقابلات وعناصر الاستبيانات التي تتطلب الاستجابات المفتوحة والتقارير اللفظية، واليوميات، وتحليل الخطاب. سيتم مناقشة هذه الطرق والأساليب في هذا الفصل. وقد تم تطوير عدد من التقنيات والاستراتيجيات البحثية في كل من هذه المناهج والطرق البحثية لمساعدة الباحث النوعي على القيام بعمله اليومي (تصور المشروع البحثي، وجمع وتحليل البيانات، وكتابة أو عرض النتائج في التقرير البحثي. لقد زاد عدد المصطلحات والمفاهيم المستخدمة لتعريف هذه المناهج والطرق والاستراتيجيات والتقنيات المرتبطة بها إلى درجة أنه أصبح هناك الآن حتى قاموس للبحث النوعي (Schwandt, 2007).

 

سؤالين مهمين

بما أن البحث النوعي يعتبر ميدان واسع، فسنبدأ استكشافنا من خلال النظر في سؤالين، بسيطين ولكنهما أساسيين، يواجهان جميع الباحثين، وهما “ما هي الحقيقة؟” (انظر الأنطولوجيا ontology) و “ما هي المعرفة؟” (انظر نظرية المعرفة epistemology). تتشكل اجابة الباحثون على هذه الأسئلة بالكيفية التي ينظرون بها للعالم، وبالكيفية التي يصور بها الأكاديميين الآخرين البحث. لقد وضع عددا من النماذج المقبولة عموما في مجال العلوم الاجتماعية التي تصوغ هذه الأطر المفاهيمية، ويطلق عليها اسم النماذج (paradigms). لقد أثرت النماذج تأثيرا عميقا في تطوير البحث في مجال البحوث عموما وفي البحث النوعي على وجه الخصوص. يمكننا توضيح ذلك من خلال المقارنة بين اثنين منها والتي غالبا ما تُعطى كأمثلة لوجهات النظر المتضادة، ألا وهي الوضعية (positivism) والبنائية (constructivism).

 

يعتقد الوضعيين (Positivists) أن هناك حقيقة واحدة فقط ثابتة ومتفق عليها، ولذلك يجب أن يسعى البحث لإيجاد حقيقة عالمية واحدة. ينظر الوضعيون للعالم بأنه حقيقي، كشيء موجود بشكل مستقل عن أنفسهم. كما يعتقدون أنه يمكن جعل هذه الحقيقة كمية، وأن الغرض من البحث هو قياسها بدقة قدر الإمكان. ولأن الوضعيين يعتقدون أن هناك حقيقة عالمية واحدة، فهم يفترضون أيضا أن أي حقائق يكتشفونها حول هذه الحقيقة يمكن تنطبيقها أيضا على مجموعات أو حالات أخرى، بغض النظر عن السياق. للباحثين  إن أحد الأهداف الرئيسية للتحقيق العلمي بالنسبة للباجتين الذي يسلكون نهجا وضعيا، هو صياغة الفرضيات التي من شأنها أن تسمح لهم ببناء توقعات حول ما سيحدث في المستقبل، أو استنتاجات حول سياقات أخرى. ووفقا لمدرسة الفكر الوضعية، فإن دور الباحث هو أن يكون منفصلا وموضوعيا أثناء جمع البيانات وتفسير النتائج.

 

قد يتذكر بعض القراء أنهم فد درسوا العديد من هذه النقاط في دروس العلوم في المدرسة الثانوية. في الواقع، إن للوضعية جذورها في طبيعة التحقيق التي تم تطويرها للعلوم الطبيعية، حيث تنتظر الحقائق، والقوانين، والبديهيات أن يتم اكتشافها. لقد تم قبول هذه الاعتقاد بدون تشكيك خلال المراحل الأولى من تطوير البحث في مجال العلوم الاجتماعية بشكل عام، وذلك بسبب الاحترام الذي نالته تاريخيا. ولكن بعدما تعددت جوانب طبيعة البحوث في مجال العلوم الاجتماعية، وازداد مدى تعقيد الأسئلة التي تسعى للإجابة عنها، فقد أصبحت أوجه القصور في النظرة الفلسفية الوضعية أكثر وضوحا. الآن لا يلتزم الكثير من الباحثين بفكرة صارمة من الوضعية، ولكنها توفر نقيض مفيد لرؤية أخرى مهمة تم تطويرها في العلوم الاجتماعية، وهي البنائية، التي أثرت عميقا في تطوير البحث النوعي.

 

وعلى النقيض من الوضعيين، يعتقد البنائيين (constructivists) أنه لا توجد حقيقة عالمية متفق عليها أو ما يسمى بالحقيقة العالمية. بدلا من ذلك، فهم يؤمنون بأن “المعنى  يتم بنائه اجتماعيا من قبل الأفراد المتفاعلين مع عالمهم” (Merriam, 2002، ص 3). أي أن كل فرد يخلق فهمه الفريد للعالم، ولذلك هناك بناءات متعددة وتفسيرات متعددة للحقيقة. كما أن هذه البناءات والتفسيرات تتغير، وهذا يتوقف على الوقت والظروف، وبالتالي فإن الحقيقة ليست عالمية بل تعتمد على الشخص، والسياق، والزمن.

 

لتوضيح الأفكار البنائية، دعنا نفكر في الطلبة الذين كانوا يجلسون في الفصل عند دخولك إليه في يومك الدراسي الأول. بعد مرور جزء من الحصة الأولى، إذا كنت قد سألت كل واحد منهم سؤال بسيط: “ما الذي يحدث الآن؟”، فمن المرجح أنك ستحصل على مجموعة من الأجوبة المختلفة تماما. ربما تكون قد اكتشفت أن كل شخص كان مهتما بجوانب مختلفة من الدرس، وأنهم يفسرون ما يجري من حيث توقعاتهم الخاصة وخبرات تعلمهم السابقة. كما أن سياق الفصل الدراسي سيؤثر أيضا على كل شخص بشكل مختلف، لأن تجربتهم ستختلف وفقا للمكان الذي يجلسون فيه ومع من كانوا يتفاعلون. إذا كررت هذه العملية في نهاية الحصة بسؤال زملائك، “ما حدث في الفصل اليوم؟”، فعلى الأرجح أنك ستتحصل على مجموعة جديدة تماما من الاستجابات التي قد لا تكون مشابهة كثيرا لتلك التي حصلت عليه سابقا. ربما قد تكون وجدت أن كل طالب قد قام ببناء فهمه الخاص للدرس، وكان في واقع الأمر (يعيد) بناء الدرس لنفسه أثناء التحدث عنه معك. هذه هي النقطة الرئيسية للبنائية، وهي أن واقع هذا الحصة بالنسبة للطلاب الحاضرين لم يكن بالتأكيد تقييما بحجم واحد يناسب الجميع، بل تجربة مرتبطة بالشخص، والسياق، والزمن. مهمة الباحث البنائي، إذن، هي فهم هذه الطرق المتعددة للنظر إلى العالم، وهذا يعتبر تحديا رائعا، ومثيرا للاهتمام.

 

وبعدما أصبحت الأفكار البنائية أكثر شيوعا في العلوم الاجتماعية في النصف الأخير من القرن العشرين، سعى الباحثون لإيجاد أفضل الطرق لفهم هذه الخبرات المرتبطة بالشخص، والسياق، والزمن. على الرغم من استمرار العديد من الباحثين في استخدام البحث الكمي، فقد بدأ البحث النوعي المبني على وجهة النظر البنائية عن العالم في الظهور كمنهجية صارمة منتظمة لمساعدة الباحثين على استكشاف عوالم الناس. الآن، معظم الباحثين (ولكن ليس كلهم) الذين يستخدمون مناهج وطرق البحث النوعية يقولون أن وجهات نظرهم عن العالم هي أقرب إلى البنائية منها إلى الوضعية. وجوهريا أصبحت مبادئها داعمة للكثير من البحوث النوعية.

 

ولكن ما الذي يعنيه بالضبط فهم طرق متعددة للنظر إلى العالم، وكيف يقوم الباحثين النوعيين البنائيين بإنجاز ذلك؟ سنقوم في الصفحات القليلة القادمة، بإعطاء لمحة خاطفة عن الخصائص الأساسية للوصف البنائي للبحث النوعي، ثم سنراجع ثلاثة من وجهات النظر الأخرى التي حفزت المزيد من التطوير في منهجية البحث النوعي، أي النظرية النقدية، وما بعد الحداثة، والبراغماتية.

 

التركيز على العالم الاجتماعي

بما أن الباحثين النوعيين يعتقدون أن المعنى  يبنى اجتماعيا، فإن تركيز أبحاثهم يكون على المشاركين (كيف يواجه المشاركين ويتفاعل مع الظاهرة عند نقطة معينة من الزمن وفي سياق معين، والمعاني المتعددة التي تعنيها بالنسبة لهم. كما يهتمون بالعالم اليومي العادي للمشاركين (أين يعيشون، ويعملون، ويدرسون). وتشمل هذه البيئات الطبيعية أماكن مثل المنازل وأماكن العمل، غرف العاملين، والفصول الدراسية ومراكز التعلم الذاتي، وغرف الدردشة على شبكة الإنترنت. إن الباحث النوعي يذهب إلى الناس، ولا يقوم  يفصلون الناس عمن عوالم حياتهم اليومية (Rossman & Rallis, 2003، ص 9)، وهم يدركون أن هذه البيئات معقدة وديناميكية، ومتعددة الأوجه.

 

على عكس الباحثين الكميين الذين يؤكدون على أهمية قياس النتائج، يركز الباحثين النوعيين على فهم عملية ما يحدث في بيئة ما، وقيما يلي توضيح بسيط:

 

 

يلخص المربع الأيمن نتيجة مباراة لكرة القدم بإيجاز، ولكنه لا يوفر الشعور بما حدث هناك بالفعل في ذلك اليوم، وهو ما يجسده المربع الأيسر بطريقة أفضل بكثير. لإعطاء مثال آخر، وهذه المرة من علم اللغة التطبيقي، غالبا ما يقوم الباحثين الكميين بقياس التحصيل في الكفاءة على مدى فترة من الزمن (أي نتائج التعلم). ولكن الباحثون النوعيون يركزون على العملية من خلال محاولة فهم الكيفية التي تمت بها هذا التحصيل، وماذا يعتقد المشاركين حول تحسين كفاءتهم، وكيفية أثرت البيئة (وغيرهم من الناس الموجودين هناك) عليهم. غالبا ما يكون هذا النوع من البحوث طوليا، لأن الكثير من التحقيق النوعي يتطلب من الباحثين قضاء فترة زمنية طويلة نسبيا في بيئة البحث بهدف التوصل إلى فهم عميق وشامل لما يجري فيها. بالتركيز المفصل والمكثف أكثر على كل مشارك، فإن العمل حتى في بيئة واحدة يستهلك وقت طويل جدا وعمل مكثف، وبالتالي فإن عدد المشاركين عادة ما يكون صغيرا ويحتاج إلى الاختيار بعناية.

 

يسأل الباحثين النوعيين أنواع معينة من الأسئلة حول البيئة (Patton, 2002)، مثل: ما الذي يحدث هنا؟ ما الذي يبدو عليه العالم بالنسبة للمشاركين؟ ما هي المعاني التي يشكلونها هنا؟ كيف تؤثر هذه البيئة على تصورات المشاركين وسلوكهم؟ يقوم الباحثون بطرح هذا النوع من الأسئلة لأنهم يريدون فهم المعاني والمفاهيم الذاتية التي يكوّنها المشاركين حول عالمهم الاجتماعي والشخصي الخاص بهم. للقيام بذلك، يضع الباحثين أنفسهم قريبا من المشاركين في محاولة لرؤية العالم كما يراه المشاركين (من زاوية المشاركين)، أو  وجهة نظر المشارك أو المنظور  الداخلي ( insider or EMIC) ، أما وجهة نظر الباحث فتسمى بمنظور الغريب  (ETIC). إن تطوير المنظور الداخلي عادة ما يعني التفاعل مباشرة مع المشاركين في البحث ضمن سياق البحث، وفي الميدان، ووجها لوجه مع أناس حقيقيين (Rossman & Rallis, 2003, p. 9، ص 9). وهذا يعني أيضا استخدام المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالمشاركين لوصف عوالمهم عند تحليل البيانات وعرض النتائج.

 

 

عملية البحث

غالبا ما يستخدم الباحثين في الدراسة النوعية عدة طرق لجمع البيانات، بما في ذلك الملاحظات والمقابلات والاستبيانات التي تتطلب استجابات مفتوحة، واليوميات. تجعل كلا من هذه الطرق “العالم مرئيا بطريقة مختلفة” (Denzin & Lincoln, 2005، ص 4)، حتى يمكن استكشاف وتمثيل صورة أكمل، وأكثر ثراءا لوجهة نظر المشاركين. كل هذه الطرق لجمع البيانات تخلق بيانات نصية أساسا وليست رقمية، فالباحثون الذين يقومون بالملاحظات بتدوين ملاحظات مكتوبة تسمى الملاحظات الميدانية، ويقوم الباحثون الذين يستخدمون المقابلات بتوليد نصوص مكتوبة أو ملخصات لها، أما طرق جمع البيانات الأخرى مثل الاستبيانات واليوميات فتستخدم النصوص التي قام المشاركين أنفسهم بكتابتها. هذا لا يعني أنه لا يتم استخدام البيانات العددية، ولكن الغرض منها  يعتبر تكميلي وليس مركزي. يتم إنشاء كم هائل من البيانات النصية في الدراسات البحثية النوعية، وغالبا ما تكون إدارتها تحديا صعبا.

 

يجب أن تكون البيانات النصية التي يخلقها الباحثين في الملاحظات الميدانية وملخصات المقابلات غنية بالتفاصيل وتصف بيئة البحث والمشاركين، بحيث تلتقط ما شاهده، وسمعه، وشمه ، ولمسه الباحثين. عند خلقهم لهذه البيانات، وبعدما يفكرون فيها لاحقا، يقوم الباحثون بإضافة أفكارهم وتأملاتهم الخاصة. وككل واحد فإن هذا يخلق وصف مكتف للبيئة والمشاركين. يقوم الباحثين النوعي بعدئذ باستخدام التحليل التفسيري للتدقيق في بياناتهم، ولتصنيف الأفكار المتشابهة معا، حتى يتمكنوا من اكتشاف أنماط التفكير والسلوك.

 

البيانات التي يجمعها الباحثون تسمح لهم برسم صورة وصفية غنية حول عالم المشاركين، وهم أنفسهم، والبيئة، والأحداث الرئيسية والثانوية التي تحدث هناك. إن الدراسة البحثية النوعية المكتوبة جيدا وتستخدم كلمات المشاركين الخاصة بعناية لزيادة لدعم وصف الباحث وتفسير واضح. يجب أن تعطي القراء إحساسا بدخول عالم المشاركين وتبادل خبرات تواجدهم هناك معهم. هذه العملية، هي بمعنى ما، مثل صناعة الأفلام، حيث يقوم الباحث بتجميع البيانات في المونتاج بمزج الصور، والأصوات، والتفاهمات معا لإنتاج  خلق مركب مقنع (انظر Denzin & Lincoln, 2005، للحصول على شرح أوفى).

 

 

طبيعة البحث النوعي

عندما لا تكون المعرفة المتوفرة حول ظاهرة ما أو موضوع بحثي معين محدودة، فإن البحث النوعي يمثل منهجية بحثية مفيدة جدا لأنه استكشافي، والغرض منه هو اكتشاف الأفكار والرؤى الجديدة، أو حتى توليد نظريات جديدة. لا يتم القيام بهذا النوع من البحوث للتنبؤ بالضرورة بما يمكن أن يحدث في المستقبل أو في بيئة آخري، لأن ما يمكن تعلمه عن الظاهرة، المشاركين، أو الأحداث في البيئة أن يكون هدفا في حد ذاته. أي أن البحث النوعي يركز في معظمه على فهم الخاص والمميز، ولا يدعي أو يسعى بالضرورة إلى تعميم النتائج على سياقات أخرى.

 

لا ينظر بعض الباحثين النوعيين في المدى الذي يمكن به تعميم نتائجهم، ولكن العديد منهم يتركون الأمر للقراء حتى يحددوا الدرجة التي تكون بها ملامح بيئة البحوث ملائمة لسياقهم. كلما كان الوصف الذي يقدمه الباحث في تقرير الدراسة غنيا، كلما كان من الأسهل على القراء تخيل بيئة البحث، وبالتالي إصدار حكم حول أهمية وملائمة البحث بالنسبة لهم. وبما أن البحث النوعي غالبا ما يكون استكشافي، فإن معظم الباحثين لا يحددون أسئلة بحثية معينة في بداية الدراسة، لأن ذلك قد سيفرض إطارهم الخاص على سياق البحث. وبدلا من ذلك، نجدهم عادة ما يستهلون دراساتهم البحثية فقط بوجود الغرض من البحث والإطار المفاهيمي، مع الحس بالتركيز الأولي للاهتمام. إذن فهم يفضلون الدخول في بيئة البحث ليصبحوا معتادين على السياق والمشاركين، ويتأكدوا مما يعتقد المشاركون بأنه يمثل القضايا والمشاكل الرئيسية قبل أن يقوموا بتحديد أسئلتهم البحثية. يتم تعديل هذه الأسئلة وصقلها، ويتم تطوير تصميم البحث، كلما نضج فهمهم لبيئة البحث، والمشاركين، وتركيز البحث. وهذا يعكس ما يسمى الطبيعة الناشئة لعملية البحث النوعي (ينبثق الفهم كلما تقدم البحث).

 

عادة ما تتميز دورة البحث الكمي بأنها خطية، حيث يجري تنفيذ كل مرحلة واحدة تلو الآخر: تصاغ الأسئلة البحثية، ويتم جمع البيانات ثم تحليلها إحصائيا، وفي النهاية يتم تدوين وكتابة النتائج. وعلى النقيض من ذلك، البحث النوعي تكراري متزامن، وليس خطي. وهذا يعني أن جمع وتحليل وتفسير البيانات يتم إلى حد كبير في نفس الوقت، حيث يتحرك الباحثين باستمرار ذهابا وإيابا بين الخطوات الثلاثة حتى الوصول إلى النقطة التي لا تضيف فيها المعلومات الجديدة إلى فهمهم للموضوع، وتسمى هذه النقطة بتشبع البيانات (data saturation). وفي الواقع، غالبا ما يوجه تحليل البيانات جمع البيانات، لأن التحليل المستمر يبين ماهية السبل التي سيتبعها لبحث (من التالي الذي ستتم ملاحظته أو مقابلته، ما هس الأسئلة التي يجب طرحها، وما هي الوثائق التي ينبغي طلبها)، وبالتالي فإن الطبيعة الناشئة للبحث النوعي تعتبر واضحة أيضا طوال الدورة البحثية.

 

على الرغم من أن البحث النوعي ناشئ، فهو منهجي ودقيق، حيث يجب أن يكون للبحث إطار مفاهيمي قوي لتوجيه الدراسة، وتطابق بين منهج البحث الذي يشكل هيكل الدراسة وطرق جمع البيانات التي يتم استخدامها. وعلاوة على ذلك، يحتاج الباحث إلى إثبات أن ممارساته البحثية سليمة وأن يستخدم منطق واضح، ويوفر أدلة قوية لإثبات المزاعم التي يدعيها، ويقوم بالتوثيق الكامل لعملية جمع وتحليل وتفسير البيانات.

 

وبينما يكون البحث النوعي منهجي، فإنه ليس مرسوما، لذلك ليس هناك شرط لاتباع الباحثين مجموعة من الخطوات البحثية المقررة. يشدد راليس وروسمان (Rallis and Rossman, 2003، ص 11 ) على هذه النقطة بالقول أن:

… البحث يتقدم من خلال عملية غير خطية معقدة من الاستقراء، والاستدلال والتأمل والإلهام، والتفكير الجاد والمجرد القديم. يمكن وصف ذلك بأنه التطبيق العملي للباحث (Jones, 2002)، وهذا يعني، التكرار بين الأفكار النظرية والبيانات وانعكاس الباحث على كلاهما. … ميزة البحث النوعي … هي الاعتماد على منطق معقد تكراري متعدد الأوجه، يتحرك ذهابا وإيابا بين الأجزاء والكل. (ص 11).

 

يتطلب البحث النوعي أيضا أن يكون الباحث حدسيا، لرؤية الروابط والأنماط في البيانات، ولبنائها في مواضيع تلبي في الوقت نفسه أغراض البحث وتعبر أيضا عن كلا من الطبيعة الخاصة والأساسية للبيئة والمشاركين فيها. البحث النوعي هو فرع معرفي يدعو إلى تحقيق التوازن بين النظام والبصيرة.

 

ذاتية للباحث

الباحث في البحث النوعي هو أداة البحث الرئيسية. وهذا له جانبين. أولا، الباحثين أنفسهم هم من يقومون بجمع البيانات من خلال، مثلا، الملاحظة المباشرة أو إجراء مقابلات مع المشاركين. إن الميزة لقيام الباحثين بذلك هي أنه يمكنهم أن يكونوا مستجيبين ومتكيفين مع بيئة البحث والمشاركين، ويمكنهم أن يبدأ بسرعة في استكشاف السبل غير المتوقعة للبحث. كما أنه يمكنهم جمع مجموعة واسعة من البيانات والبدء في التفكير فيها مباشرة، مما يسمح لهم بتوضيح الأفكار على الفور للتأكد من دقة التفسير (Merriam, 2002). البعد الثاني هو أن الملاحظات الميدانية وأجزاء المقابلة لا تتحدثان عن نفسيهما (Rossman & Rallis, 2003)، كما إن إجابات الاستبيان ومدخلات المفكرات اليومية لا تقترح على الباحث بشكل سحري أنماط الحقيقة الكامنة. وبدلا من ذلك، يجب على الباحث تفسيرها، ولذلك فإن التحليل في البحث النوعي غالبا ما يسمى بالتحليل التفسيري.

 

ولكن عندما يدخل الباحثون إلى بيئة البحث، فهم يأخذون معهم أيضا أمتعتهم الفكرية وتجارب حياتهم. وحتما، فإن جنسهم أو عمرهم أو عرقهم أو خلفياتهم الثقافية، وتوجههم الجنسي، ومعتقداتهم الدينية والسياسة، وتجاربهم في الحياة (نظرتهم للعالم) هي العدسة التي يرون من خلالها أبحاثهم. إن هذا قد يلوّن تصوراتهم عن بيئة البحث، وكذلك مركبات الحقيقة التي يطورونها مع المشاركين. هذا يشكل مصدر قلق كبير في البحث النوعي، ولذلك من المهم للباحثين أن يتأملوا بشكل منهجي ويكونوا مدركين باستمرار لهويتهم الشخصية وتأثيرها على بيئة البحث والمشاركين، بالإضافة لبيان ذلك في التقرير النهائي للدراسة. يمكن للباحث النوعي أيضا أن يتعامل مع ذلك من خلال عملية تسمى التثليث (الحصول على وجهات نظر مختلفة حول الظاهرة عن طريق جمع البيانات من مشاركين مختلفين، وباستخدام مجموعة متنوعة من طرق جمع البيانات مثل الملاحظات والمقابلات والاستبيانات). من ناحية أخرى، ينظر بعض الباحثين النوعين إلى الذاتية كفضيلة، و “أساس لمساهمة الباحثين المتميزة، مساهمة تنتج عن التكوين الفريد لصفاتهم الشخصية مجتمعة مع البيانات التي جمعوها “( Peshkin, 1988, ، ص 18، استشهد به في Merriam, 2002، ص 5). إن كل تصور للباحث هو مثل الضوء الساقط على بلورة كريستال فيعكس وجهة نظر مختلفة (Denzin & Lincoln, 2005، ص 6، من Richardson, 2000).

 

 

طرق مختلفة للنظر إلى العالم

هذا التنوع في البحث النوعي يوضح نقطة مهمة، وهي أن النهج البنائي للبحث النوعي هو الآن ليس مقبولا عالميا بأي حال. لقد تم نقده لافتراضه بأن اعادة التفسير للواقع هو غير إشكالي في الأساس، أي أن الباحثين يمكنهم الحفاظ على منظور محايد تماما وغير منحاز، وأن البحث النوعي نفسه يعتبر نشاط سياسي واجتماعي محايد.

 

يتفق العديد من الباحثين النوعيين بقوة مع هذا النقد، حيث يقولون أن الحقيقة ليست خالية من القيمة. وبدلا من ذلك، فهم يؤكدون أن كل البحث سياسي بالضرورة وله قيمة أساسا، وينطوي على قضايا السلطة في المجتمع. وهم يعتقدون أيضا أن بحوث العلوم الاجتماعية، بما في ذلك البحث النوعي البنائي، قد ساهمت كثيرا في إسكات الفئات المهمشة والمضطهدة في المجتمع، عن طريق جعلهم ببساطة كائنات سلبية للبحث (Marshall & Rossman, 2006).

 

تطورت من هذه المخاوف النظرية النقدية التي تنظر إلى المجتمع بأنه في جوهره تنازعي وقمعي. تسعى النظرية النقدية “ليس لمجرد الفهم ولكن للتغيير” (Richards, 2003، ص 40)؛ فهي أيديولوجية، وتحررية، وتحويلية علنا. لأن المنظرين النقديين مهتمين بتفاوت القوى التي الكامنة في المجتمع، فهم يريدون صراحة تمكين الفئات المهمشة، وغالبا ما يقومون بذلك عن طريق إجراء البحوث مع أفراد هذه الجماعات. لقد قامت النظرية النقدية بمساهمات كبيرة في البحث النوعي، حيث انها أجبرت الباحثين على التساؤل حول معاني المفاهيم التي كانت تعتبر من المسلمات، وجعلتهم يقومون أيضا بدراسة الافتراضات الكامنة وراء أعمالهم. تشمل النظرية النقدية مجموعة من النظريات ووجهات النظر، مثل النظرية العرقية النقدية (critical race theory) والنظرية النسوية (feminist theory). يمكننا في البحث النوعي تطبيق العدسة النقدية على عدد من المناهج البحثية (كما موضح أدناه) لخلق تحليل نقدي للخطاب (critical discourse analysis)، والأثنوجرافيا النقدية (critical ethnography)، أو البحث العملي النقدي (critical action research).

 

على الرغم من ملاحظة لازاراتون (Lazaraton, 2003، ص 3) أن البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي ليس لديه حتى الآن ” جدول أعمال اجتماعي سياسي واضح “، فإن الفئات المهمشة التي يمكن دراستها من قبل العلماء النقديين في علم اللغة التطبيقي تشمل المهاجرين الجدد من الدول غير الناطقة بالإنجليزية، والطلاب الذين يعانون من سوء السمع، أو معلمي اللغة الذين يقومون بتدريس لغة غير لغتهم الأم. في الواقع، لقد أصبح النهج النقدي أكثر شيوعا في علم اللغة التطبيقي، وكذلك في مجال العلوم الاجتماعية الأوسع،. “نحن نريد علم اجتماع يلتزم بمواجهة قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة، و اللا عنف، والسلام، وحقوق الإنسان العالمية. نحن لا نريد علوم اجتماعية التي تقول أنه يمكنها معالجة هذه القضايا إذا أرادت ذلك، لأنه بالنسبة لنا، هذا لم يعد خيارا “( Denzin & Lincoln, 2005، ص. 13).

وجهة النظر الأخرى هي ما بعد الحداثة (Postmodernism) التي تدخل أفكارها تحت مظلة البحث النوعي، ولكن افتراضاتها الأساسية تختلف اختلافا كبيرا عن النموذج البنائي. فهي وجهة نظر أيديولوجية تشكك في التركيز في أوائل القرن العشرين على العلم والتكنولوجيا، والعقلانية، والمنطق، والوضعية. يعتبر هذا المنظور تحديا للبحث النوعي البنائي التفسيري، ولذلك من المهم أن يفه الباحثين بعض مفاهيمه الأساسية. تقدم ميريام وزملائها (Merriam and Associates, 2002) ملخصا مفيدا بذلك حيث يبينون أن عالم ما بعد الحداثة هو الذي لم تعد فيه عقلانية، وطريقة العالم الحديث العلمية وحقائقه أمر مسلم به. في عالم ما بعد الحداثة، يمكن الطعن في كل شيء، حيث يمكن التشكيك فيما كان يعتبر، حقيقيا، واقعا أو صحيحا. هناك تفسيرات متعددة لنفس الظاهرة وفقا للموقف اذي يتخذه المرء. لا توجد مطلقات، ولا إطار نظري واحد لدراسة القضايا الاجتماعية والسياسية. إن مفكرين ما بعد الحداثة (Postmodernists) يمجدون التنوع بين الناس والأفكار والمؤسسات، لأنه من خلال قبول التنوع والتعددية في العالم، فلن يكون هناك عنصر واحد متميز أو أقوى من الآخر.

 

“معظم مفكرين ما بعد الحداثة لا يتحدثون عن منهجية” (Alvsesson & Skoldberg, 2000، ص 184)، و “الأدبيات لا توفر سوى مؤشرات مبهمة على ما تعنيه مُثل الأصوات المتعددة في الدراسات التجريبية بشكل ملموس” (المرجع السابق، ص 185). في الواقع، قد يكون عدم التوصل لنهج واحد لإجراء البحوث متلائما مع هذه النظرة. بدلا من ذلك، يعتبر بحث ما بعد الحداثة تجريبي للغاية، ولعوب، وخلاق، حيث لا توجد دراستين لما بعد الحداثة تشبهان بعضهما (المرجع السابق، ص 375).

 

يلاحظ ريتشاردز (Richards, 2003)  أن الموضوع الواسع لهيمنة اللغة الإنجليزية كلغة العالم يوفر بيئة غنية لباحثي ما بعد الحداثة في علم اللغة التطبيقي.

 

هناك وجهة نظر أخرى في البحوث الاجتماعية تسمى البراغماتية (pragmatism)، وهي تشمل كل من البحث النوعي والكمي. وكما حددها كريسويل (Creswell, 2009)، فإن البراغماتية موقف وجودي أو معرفي معين، وليس لها نظرة محددة سلفا نظرا لما هي الحقيقة أو العلم. قد يبدأ الباحثون بجمع وتحليل البيانات بدون إعطاء أي فكرة عن القضايا الفلسفية مثل طبيعة الحقيقة والواقع، ولكنهم يركزون بدلا من ذلك على تأثير أو عواقب أبحاثهم، واختيار مناهج البحث النوعي والكمي والطرق والتقنيات التي تلبي أغراضهم البحثية. إن اتباع النهج البراجماتي يفتح الباب لطرق متعددة، ووجهات نظر عالمية مختلفة، وافتراضات مختلفة، فضلا عن أشكال مختلفة من جمع البيانات وتحليلها ( Creswell, 2009، ص 11). إن البراجماتية تمثل الأسس الفلسفية لبحوث الطرق المختلطة.

 

النموذج البنائي، والنظرية النقدية، وما بعد الحداثة، والبراغماتية، هي الخرائط التي توضح تضاريس مجال واسع ومتباين من البحوث النوعية. كما أن فهمها سيساعد الباحث على تقييم مدى ملاءمة وأهمية البحوث المنشورة التي سيقرأها في سياق دراساته. وعلاوة على ذلك، فإن فهم الباحث لوجهة نظره الخاصة عن العالم ستساعده على وضع بحوثه الخاصة ضمن أو عبر النماذج بشكل مناسب، وسيمكنه من خلق تصميم بحثي أكثر تماسكا.

 

 

مناهج وطرق البحث النوعي

الآن بعدما أصبح لدينا فهم عام للملامح الأساسية للبحث النوعي، دعونا نلقي نظرة فاحصة على ما يقدمه هذا الفصل. الجزء الأول، يستكشف طبيعة دورة البحث النوعي، لمساعدتك على فهم ما يميزه كبحث نوعي. الجزء الثاني يقدم خمسة مناهج للبحث النوعي التي يشيع استخدامها في اللغويات التطبيقية – التحقيق السرد، دراسة الحالة، الاثنوغرافيا، والبحث العملي، والطرق المختلطة، الجزء الثالث يستعرض العديد من طرق جمع البيانات النوعية الأكثر شيوعا – الملاحظة والمقابلات والاستبيانات، والتقارير اللفظية ودراسات اليوميات، وتحليل الخطاب. وأخيرا، تعتبر الأخلاق والجدارة بالثقة، وكتابة التقرير البحثي في الجزء الرابع.

 

مناهج البحث النوعي

سنقوم في هذا القسم بإعطاء لمحة عن مناهج البحوث النوعية الخمسة، وفيما يلي وصف موجز لكل منها:

 

  • البحث السردي: يقدم هذا النوع تحليلا قصصيا لحياة الشخص، ويفترض أن الناس يستخدمون السرد لفهم أنفسهم والكيفية التي تتغير بها حياتهم (Bruner, 1990). كما إن هذا المنهج يأخذ وجهة نظر المشاركين ويستخدم أوصافهم لتجارب الحياة كبيانات يتم جمع غالبيتها من خلال المقابلات.

 

  • دراسة الحالة: يخلق هذا المنهج وصف متعمق وتحليل لنظام محدد، وعادة ما يمثل هذا شخص أو مؤسسة أو سياق تعليمي واحد. من خلال التركيز على حالة واحدة (أو القليل من الحالات)، يمكن لهذا النهج أن يصف عملية تعلم أو تدريس أو بيئة بحثية معينة بقدر كبير من التفاصيل. يستخدم منهج دراسة حالة مصادر بيانات وطرق جمع البيانات متعددة، وغالبا ما يتم دمجها مع طرق البحث النوعية والكمية الأخرى، كما سنشرح ذلك في القسم الخاص بذلك.

 

  • الاثنوغرافيا: يشير هذا المصطلح إلى عملية بحثية ومخرجاتها أيضا، حيث يصف هذا المنهج ويفسر الأنماط المشتركة لمجموعة تتشارك في ثقافة ما من خلال الملاحظة لفترة طويلة. لم يتم تعريف الاثنوغرافيا من الكيفية التي يتم بها جمع البيانات، وإنما من خلال العدسة التي يتم من خلالها تفسير البيانات، حيث يكون الهدف من ذلك هو إعادة خلق تلك المعتقدات المشتركة، والممارسات، والأعمال الفنية، والمعرفة، وسلوك مجموعة من الناس وتقديمها للقارئ (Merriam, 2002). وبينما تقوم الدراسات السردية ودراسات الحالة غالبا بدراسة الفرد، نجد أن الاثنوغرافيا، بتركيزها على الثقافة، تستخدم لدراسة المجموعات.

 

  • البحوث العملية: هذا يعتبر منهج انعكاسي منتظم لجمع وتحليل المعلومات لمساعدة المدرسين على استكشاف القضايا التي يواجهونها في تدريسهم من أجل تغيير أو تحسين ممارساتهم الحالية. يوظف البحث العملي مجموعة من طرق جمع البيانات التي تتسم بالمرونة والأسئلة المفتوحة. غالبا ما تكون نتائج البحث العملي تغيير في الفهم والسلوك أكثر مما تكون شكل من أشكال التقارير المنشورة، لأن ذلك غالبا ما يكون هو غرضها الأساسي.

 

  • الطرق المختلطة: يعبر هذا المصطلح عن الجمع بين طرق البحث النوعي والكمي في دراسة واحدة. على سبيل المثال، يتم استخدام درجات اختبار إجادة اللغة مع مقابلات الطلاب لخلق وجهة نظر متعددة الأبعاد لعملية تعلم اللغة، أو أن يتم الجمع بين استبيان للمعلم مع ملاحظات الفصل ويوميات المدرس لتوليد فهم أفضل لأحد جوانب تعليم اللغة. سنقوم في القسم الخاص بهذا النوع بتوضيح إجراءات المستخدمة لجمع وتحليل، وخلط البيانات الكمية والنوعية في مراحل مختلفة من عملية البحث. يمكن في دراسة بالطرق المختلطة تأكيد البيانات الكمية والنوعية على حد سواء، أو أن يكون التركيز الأكبر على نوع واحد. يعتبر هذا المجال البحثي ناشئ ولكن استخدامه أصبح أكثر شيوعا في مجال البحوث في علم اللغة التطبيقي. ولمساعدة القارئ في الحصول على فهم أفضل لهذه المناهج، سنقوم بتلخيص الخصائص الرئيسية لكل منها في الجدول[1] رقم (1)، وبطبيعة الحال، سنثوم بشرحها بالتفصيل في الأقسام التالية لهذا القصل.

 

هناك عدد من المناهج البحثية النوعية الأخرى التي تطبق في مجال علم اللغة التطبيقي، ولكنها أقل استخداما من قبل الباحثين المبتدئين، ولذلك فهي خارج مجال هذا الفصل. أهم هذه المناهج هي علم الظواهر والنظرية المتجذرة، ولأن القارئ سيجد هذه المصطلحات في الأدبيات، فإننا سنقوم باستعراض ما تعنيه هنا:

 

  • علم الظواهر: بينما يستكشف البحث السردي حياة فرد واحد، فإن دراسة الظواهر تصف المعاني التي يكونها العديد من الأفراد من تجربة ظاهرة واحدة. في مجالنا، يمكن أن يشمل ذلك فهم تجربة تعليم الكبار عند محاولتهم خلق ومفاوضة المعني في لغة أجنبية جديدة، أو تجربة المهاجرين لفترة طويلة الذين بدأوا في تعلم اللغة المعتمدة لوطنهم الجديد. الغرض من دراسة الظواهر هو خفض التجارب الفردية لهذه الظاهرة في وصف للجوهر الأساسي لتلك التجربة، حيث يتم ذلك من خلال خلق وصف مركب لتلك التجربة لجميع المشاركين. يمكن أن يساعد وجود فهم عميق لمثل هذه الظاهرة المدرسين على أن يكونوا أكثر وعيا بتجارب طلابهم في تعلم اللغة، أو مساعدة المسؤولين على برنامج اللغة أعلى هيكلة دوراتهم اللغوية بطريقة أفضل. بمعنى أوسع، إن علم الظواهر كمدرسة للفكر الفلسفي يدعم جميع البحوث النوعية، لأنه يهتم بفهم وتمثيل التجربة الشخصية للمشاركين.

 

  • النظرية المتجذرة: بينما تصف دراسات الظواهر معنى تجربة، فإن دراسة النظرية المتجذرة تتعدى الوصف لكي تولد أو تكتشف نظرية. هذه النظرية متجذرة في البيانات التي تم جمعها بصورة منتظمة من المشاركين الذين لديهم خبرة بالعملية التي يتم دراستها، ومن ثم تحليلها بشكل منهجي من قبل الباحث. عادة ما تكون هذه النظرية أساسية (نظرية محدودة وضيقة نسبيا، حول جانب واحد فقط من التعلم أو التعليم)، ولكن يمكن أن تكون رسمية (نظرية أكثر شمولا تجمع بين عدد من النظريات الأساسية معا لتكوين نظرية أوسع). ومثل كل مناهج البحث النوعي الأخرى المبينة أعلاه، فإن الباحث هو الأداة الرئيسية لجمع البيانات وتحليلها، حيث يستخدم تقنيات جمع البيانات النوعية مثل المقابلات والمراقبة. إن أول من قام بتحديد معالم النظرية المتجذرة هما بارني جلاسر وأنسلم شتراوس في عام 1967 في كتابه الرائد، اكتشاف النظرية المتجذرة (The Discovery of Grounded Theory)، والذي كان حاسما في الواقع، في التطوير الأوسع لمنهجية البحث النوعي. لم يقدم جلاسر وشتراوس مجموعة من التعليمات حول إجراءات البحث في عملهم الأصلي، ولكن قد تم تطوير هذه الإجراءات تدريجيا مع مرور الوقت، وبصورة رئيسية من قبل شتراوس وزميلته الجديدة التي شاركنه في التأليف، جولييت كوربن (Juliet Corbin, 1990, 2008). لقد انتقد جلاسر نهج شتراوس وكوربن للنظرية المتجذرة بأنه إجرائي وهيكلي للغاية (Glaser, 1992)، ولكن نهجهما قد شاع استخدامه في العلوم الاجتماعية والصحية. أما في علم اللغة التطبيقي، فإن النظرية المتجذرة نادرا ما تُستخدم من قبل الباحثين المبتدئين نظرا لتعقيدها، ولكن إجراءات البحث مثل أخذ العينات النظرية والمنهج المقارن المستمر لتحليل البيانات فغالبا ما تستخدم من قبل الباحثين النوعيين الذين يستخدمون المناهج الأخرى.

 

 

 

 

طرق جمع البيانات النوعية

يمكن تقسيم التحقيق الكمي إلى مرحلتين متميزتين بسهولة (جمع البيانات وتحليل البيانات) لأنهما عادة ما يتبعان بعضهما البعض بطريقة خطية. هذا ليس هو الحال في البحث النوعي، لأنه وفقا للطبيعة المرنة والناشئة لعملية البحث النوعي، فإن جمع البيانات النوعية وتحليلها غالبا ما تكون دائرية ومتداخلة. وعلاوة على ذلك، يكون من الصعب أحيانا تقرير ما إذا كانت طريقة نوعية معينة تشير في المقام الأول إلى جمع البيانات، تحليل البيانات أو تصميم مركب فريد (النظرية المتجذرة ودراسة الحالة تعتبر أمثلة جيدة لهذا الغموض). والواقع أنه من الانصاف القول إن نصوص مناهج البحث بشكل عام كانت غير متناسقة في الكيفية التي قسمت بها مصطلح “البحث النوعي” الواسع إلى طرق محددة لجمع البيانات وطرق تحليلية وتقنيات وتصاميم معينة.

 

سنتجاهل في الأقسام التالية إلى حد كبير مختلف التناقضات المصطلحية المتعلقة بالفروق بين الطريقة والتصميم، وبين جمع البيانات وتحليل البيانات، وسنغطي كافة الإجراءات النوعية الهامة التي تؤدي إلى توليد مجموعة البيانات، بما في ذلك الاثنوغرافيا، والمقابلات الفردية ومقابلات جماعات التركيز، والتأمل، ودراسات الحالة، ودراسات المذكرات اليومية، والسجلات البحثية. أما النظرية المتجذرة فسوف نناقشها عند تناولنا لتحليل البيانات النوعية، لأن الجانب الأبرز في البحوث المعاصرة التي تستخدمها هي المراحل الثلاثة الخاصة بنظام الترميز الذي توفره. قبل النظر في إجراءات محددة لجمع البيانات، دعونا ننظر أولا في مسألتين أساسيتين، وهما خصائص البيانات النوعية بشكل عام، ووصف العينات النوعية.

 

 

البيانات النوعية

يمكن أن تأتي البيانات النوعية من مصادر عدة يتم تحويلها عادة إلى شكل نصي، مما يسفر عن مئات (إن لم نقل الآلاف) من صفحات النصوص والملاحظات الميدانية. من المهم تسليط الضوء في البداية على الخصائص الرئيسية لمجموعة البيانات النوعية النموذجية: ميلها لأن تصبح طويلة على نحو متزايد وطبيعته غير الواضحة وغير المتجانسة نوعا ما. وبشكل عام، فإن البيانات النوعية تميل إلى أن تكون ضخمة وفوضوية. لا توجد في البحث النوعي قيود واضحة على ما يمكن اعتباره “بيانات” وكما يستنتج ريتشاردز (Richards, 2005)، فإن الباحث في المشروع النوعي غالبا ما يبدأ بالتعامل مع كل شيء حول الموضوع كبيانات محتملة. وهكذا، فإن البيانات النوعية تتوسع بسرعة، و غالبا ما يجد الباحثين المبتدئين أن التحدي الحقيقي ليس توليد بيانات كافية بل توليد بيانات مفيدة. في الواقع، يمكن أن تكون المشكلة الحقيقية في البحث النوعي هي وجود الكثير من البيانات، بالاضافة إلى أن “البيانات النوعية هي سجلات فوضوية (Richards, 2005، ص 34)،  تتكون عادة من خليط من الملاحظات الميدانية، ونصوص تسجيلات مختلفة فضلا عن الوثائق ذات الطبيعة والطول المتنوع. هذا لا يعني أن البيانات النوعية لا يمكنها أن تسفر عن نتائج قيمة، لكنه يعني أن معالجة مثل هذه المجموعات الكبيرة وغير المتجانسة من البيانات قد يتطلب الكثير من العمل. وكما يبين سيلفرمان (Silverman, 2005: 79) فإن الاستكشاف غير المركز للعالم الاجتماعي يمكن أن يكون “وصفة لكارثة”، لأنه في الحالات التي يبدو فيها كل شيء هام، فسيكون من الإفراط في التفاؤل توقع أن الحقيقة سوف تظهر بأعجوبة من كمية البيانات الهائبة التي تم جمعها.

 

على الرغم من أننا بحاجة إلى أن نكون حريصين في انتقائنا  للبيانات التي نجمعها، يجب علينا أيضا أن لا ننسى أن البحث النوعية في الأساس أقل انتظاما وتوحيدا في طرق جمع بياناته من البحث الكمي وأن فوضى البيانات الغنية التي نهدف لجمعها غالبا ما تكون انعكاس للتعقيدات مواقف الحياة الواقعية التي تتعلق بها البيانات. من أجل الاستفادة من معاني المشارك الأساسية، نحن غالبا ما تحتاج إلى اتباع استراتيجيات متعددة في اتجاهات متعددة وعلى مستويات متعددة. ووفقا لذلك، فإن معظم تصميم جمع البيانات النوعية  مرن ومفتوح، كما أن الباحثين ليس مطلوبا منهم التخطيط لكل عناصر المشروع منذ البداية. في حين أن هذا يتماشى مع المنحى الاكتشافي للتحقيق النوعي، تؤكد ريتشاردز (Richards, 2005، ص 20) أن أكثر سبب شائع ممكن للمشاكل في جمع البيانات النوعية هو عدم وجود أي خطط لاختزال البيانات، حيث تجادل بأنه يمكن للباحثين المبتدئين تأطير حجم المشروع بسهولة من حيث مدى الاتساع الذي قد يحتاجون إلى نشر شبكتهم فيه، وليس مدى الاتساع الذ يمكنهم نشرها فيه واقعيا.

 

 

أخذ العينات في البحث النوعي

وكما رأينا في الفصل الأول فإن البحث الكمي والنوعي يختلفان اختلافا كبيرا في الكيفية  التي يتعاملان بها مع أخذ عينات المشاركين في الأبحاث. القاعدة في الدراسات الكمية بسيطة، وهي أننا بحاجة إلى عينة كبيرة حتى نتمكن من تحديد الفروقات الفردية. أما البحث النوعي فيركز، من ناحية أخرى، على وصف، وفهم، وتوضيح خبرة (تجربة) بشرية، وبالتالي فإن الدراسات النوعية موجهة لوصف الجوانب التي تشكل تجربة مميزة وليس تحديد أكثر تجربة نموذجية محتملة ضمن مجموعة (Polkinghorne, 2005). وفقا لذلك، على الأقل نظريا، فإن التحقيق النوعي ليس معنيا بكيفية تمثيل عينة المشاركين أو بكيفية توزيع الخبرة في مجتمع الدراسة. ولكن الهدف الرئيسي من أخذ العينات هو العثور على الأفراد الذين يمكن أن يوفروا رؤى غنية ومتنوعة حول الظاهرة قيد الدراسة حتى نزيد من مما يمكننا تعلمه. بالتالي فإن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هي استخدام توع معين من أخذ العينات الهادفة.

 

 

أخذ العينات الهادفة والنظرية

لأن هناك دائما حد لعدد المشاركين الذيم يمكننا الاتصال بهم أو عدد المواقع التي يمكننا زيارتها، فلابد من اتخاذ بعض القرارات المبدئية حول كيفية اختيار المشاركين في البحث، ومتى يمكننا إضافة مشاركين آخرين للعينة، ومتى تتوقف عن جمع المزيد من البيانات. حتى عندما تتكون عينتنا من حالة واحدة فقط، قنحن بحاجة لتحديد الجوانب التي سنركز عليها في تلك الحالة. بالتالي يجب أن يكون للدراسة النوعية خطة لأخذ العينات تصف معالم أخذ العينة (المشاركين، البيئة، والأحداث، والعمليات)، كما أن هذه الخطة يجب أن تنسجم مع أغراض الدراسة. يقترح بنش (Punch, 2005) إلى أنه إذا كنا غير متأكدين من الحالات، والجوانب، أو المسائل التي سنقوم بدراستها، فسيكون علينا بذل المزيد من العمل لتطوير أسئلة البحث الأولية.

 

يتحدث جلاسر وشتراوس (Glaser and Strauss, 1967) في عملهم عن النظرية المتجذرة حول أخذ العينات النظرية، حيث يسلطون الضوء على حقيقة أن أخذ العينات يجب أن يكون عملية نشوئية مرنة ومستمرة لاختيار المشاركين أو المواقع المتعاقبة، بحيث تكون موجهة باكتشافاتنا السابقة حتى يتسنى لنا اختبار وصقل الأفكار والمفاهيم النظرية المنبثقة. ويوضح سيلفرمان (Silverman, 2005) أن مصطلح “أخذ العينات النظرية” تم نقله من النظرية المتجذرة إلى البحث النوعي بشكل عام، وهو يستخدم حاليا كمرادف “لأخذ العينات الهادفة “.

 

 

التكرار والتشبع، وحجم العينة

يتفق الباحثين على ابقاء عملية اختيار المشاركين مفتوحة في الدراسة النوعية لأطول فترة ممكنة، حتى يتسنى للباحث، بعد جمع الأوصاف والروايات الأولية وتحليلها، من إضافة مشاركين إضافيين ليتمكن من ملء الفجوات في الوصف الأولي أو توسيعه أو حتى دحضه. تتحرك هذه العملية الدورية ذهابا وإيابا بين جمع البيانات وتحليلها وغالبا ما يشار إليها بمصطلح “التكرار” (‘iteration).

 

على الرغم من أن التكرار عملية رئيسية في أخذ العينات النوعية، فإنه لا يمكن ان يستمر إلى الأبد. متى نتوقف عن ذلك؟ لا توجد مبادئ توجيهية صارمة، ولكن العلماء يتفقون على أنه من الناحية المثالية يجب أن تستمر عملية التكرار حتى الوصول إلى درجة التشبع (saturation). يعرف جلاسر وشتراوس (Glaser and Strauss, I967) التشبع بالنقطة التي لا يمكن عندها للبيانات الإضافية أن تطور المفاهيم أكثر مما كشف عنه المشاركين السابقين بالفعل. وبعبارة أخرى، فإن التشبع هو النقطة التي يصبح عندها الباحث مقتنعا تجريبيا “( Glaser and Strauss, I967، ص 61) بأنه أصبح لديه جميع البيانات اللازمة للإجابة على سؤال البحث. ولكن عمليا، مع ذلك، عادة ما يقرر الباحثون متى يتوقفون عن إضافة الحالات إلى البحث بناءا على مزيج من التشبع النظري واعتبارات براغماتية أخرى مثل الوقت والمال المتاحين (Eisenhardt 1989).

 

وأخيرا دعونا نعالج السؤال الأساسي: كم كبيرا ينبغي أن يكون حجم العينة في الدراسة النوعية؟ يمكننا أن نتحدث عن مرونة عملية التكرار، ولكن، واقعيا، يحتاج معظم الباحثين لوضع خطة أولية حول حجم العينة حتى يتمكنوا من تخطيط الجدول الزمني لدراستهم البحثية. الجواب البراجماتي (الواقعي)، وفقا لخبرتي، هو أن دراسة المقابلة بحجم عينة أولي من 6 إلى 10 قد تكون جيدة. أما عندما يقوم الباحث باستخدام الحاسوب لمساعدته في تحليل البيانات فيمكنه زيادة حجم العينة ليصل إلى ما يقارب الثلاثين (30) حالة، برغم أن ذلك قد يكون اجتيازا للحدود وستكون إدارته بالكاد ممكنة خصوصا للباحث المنفرد مثل طالب الدراسات العليا. هذا يعني أن الدراسة النوعية المصممة تصميما جيدا تتطلب عادة عدد قليل نسبيا من المشاركين لكي تسفر عن البيانات المشبعة والغنية اللازمة لفهم حتى المعاني الدقيقة في الظاهرة قيد البحث.

 

 

استراتيجيات محددة لأخذ العينات

هناك عدد من الاستراتيجيات المختلفة لأخذ العينات الهادفة التي يمكن للباحث اتباعها وفقا لموضوعه دراسته والبيئة البحثية. فعند تصميم خطة أخذ العينات، علينا أيضا أخذ مسألة الجدوى في الحسبان (الزمن والمال، وتوافر المشاركين) والاعتبارات المتعلقة بالتشبع التي يتم تجاهلها في أغلب الأوقات. كلما كانت العينة ماسكة ومتجانسة، كلما كان التشبع أسرع، ولكن مع تضييق نطاق المشروع بالطبع. تقدم القائمة التالية لاستراتيجيات أخذ العينات النوعية الشائعة حسا بمدى اتساع رمي شبكتنا حتى نتمكن من الوصول إلى التشبع في مواضيع بحثية مختلفة. وكخطوة أولية، لابد من التأكيد على أن تكون استراتيجية أخذ العينات واضحة من البداية وذلك حتى نتمكن من توصيل منطق أخذها لقراء التقرير البحث النهائي.

 

يمكن تحقيق التشبع سريعا باتباع احدى استراتيجيات أخذ العينات الثلاثة التالية لأنها تهدف جميعها إلى اختيار مشاركين متشابهين:

 

  • أخذ العينات المتجانس الذي يختار فيه الباحث مشاركين من مجموعة فرعية معينة يتشاركون في خبرة مهمة تتعلق بالدراسة التي يقوم بها (على سبيل المثال، كونهم قد انخرطوا في برنامج دراسي في الخارج). وهكذا فإن هذه الاستراتيجية تمكننا من إجراء تحليل متعمق لتحديد الأنماط المشتركة لمجموعة تحمل خصائص مشتركة متشابهة.

 

  • أخذ العينات النموذجية الذي يختار فيه الباحث مشاركين اتكون خبراتهم نموذجية بالنسبة لتركيز البحث (على سبيل المثال، جميعهم يدرسون لغة أجنبية كمادة دراسية في مستوى متوسط بدرجة معقولة من التوفيق). تفترض هذه الاستراتيجية أن لدينا لمحة عن الخصائص المستهدفة التي يمتلكها المتعلم العادي. على الرغم من أننا لا نستطيع التعميم من النتائج، بسبب عدم استطاعتنا الادعاء بأن جميعهم لديهم نفسه الخبرة، فسيكون بإمكاننا سرد الخصائص التقليدية أو المعتادة لتلك الخبرة.

 

  • أخذ العينات المعيارية الذي يختار فيه الباحث مشاركين تتوفر فيهم بعض المعايير المحددة مسبقا (على سبيل المثال، المدراء التنفيذيين للشركات الذين فشلوا في اجتياز امتحان اللغة مهم).

 

يمكننا أيضا الحصول على معلومات قيمة حول أي مسألة معينة إذا ما نظرنا لمجموعة الاستجابات المحتملة كلها، وليس الاختيار النموذجي للمشاركين، وخصوصا ذلك الحالات المميزة جدا.  وبينما تزيد هذه الطريقة من نطاق التحليل، يذكرنا داف (Duff, 2006: 71) بأنها تحمل معها امكانية الإفراط في التركيز على الحالات الشاذة، والحرجة، والمتطرفة، والمُثل العليا، والفريدة أو الحالات المرضية، مع تناسي الحالات النموذجية أو التمثيلية. الاستراتيجيات الثلاثة التالية تتداخل إلى حد ما:

 

  • أخذ العينات ذات التباين الأقصى الذي يختار فيه الباحث حالات تختلف أشكال خبرتها بوضوح (على سبيل المثال، متعلمي لغة ثانية من جميع المستويات). تسمح هذه العملية باستكشاف التباين ما بين الحالات، وتُظهر أيضا أي قواسم مشتركة التي نجدها: إذا كان هناك نمط بين تنوع العينة، فسيمكننا افتراض أنها مستقرة بشكل معقول.

 

  • أخذ العينات من الحالات المتطرفة أو المنحرفة الذي يتبع فيه الباحث نفس منطق أخذ العينات ذات التباين الأقصى عن طريق تحديد الحالات المتطرفة القصوى (مثل المتعلمين الأكثر تحفيزا والمتعلمين الذين يفتقدون للحوافز). هذا يسمح لنا من ناحية بالعثور على حدود الخبرة؛ ومن ناحية أخرى، حتى لو اشتركت مثل هذه الحالات في عناصر عامة، فمن المرجح أن تكون مكونات جوهرية حقيقية للخبرة.

 

  • أخذ العينات من الحالات الحرجة الذي يستهدف فيه الباحث عمدا الحالات التي تقدم التمثيل الدرامي أو الكامل للظاهرة، إما بشدتها أو طابعها الفريد (على سبيل المثال، في دراسة لفقدان اللغة تدرس أناس كانوا يتحدثون لغة ثانية ولكنهم نسوها تماما). يمكن اعتبار قضيتهم تجليا بارز أو شامل للظاهرة قيد البحث. لا يهتم الباحثين في مثل هذه الحالات بما يجدوه فقط، ولكن أيضا بما لم يكتشفوه، لأن الشيء الذي لا يحدث في مثل هذه الحالات البارزة، من غير المرجح أن يحدث في حالات أخرى.

 

وكما يحدث غالبا، فإن استراتيجيات أخذ العينات الأكثر عملية والقابلة للتنفيذ (وبالطبع الأكثر شيوعا) هي الأقل منطقية من الناحية النظرية. ثلاثة من هذه الاستراتيجيات “الأقل موضوعية” المعروفة تتمثل في:

 

  • استراتيجية أخذ العينات المتزايدة أو المتسلسلة التي تكون فيها نقطة الانطلاق قائمة مبدئية من المشاركين الرئيسيين، الذين يطلب منهم بعدها تجنيد المزيد من المشاركين المشابهين لهم في بعض الأوصاف أو النقاط الأساسية في الدراسة البحثية. يمكن أن تصل هذه السلسلة من ردود الفعل إلى حد بعيد، وهو ما يعتبر مثاليا في الحالات التي يكون فيها الخبرة قيد الدراسة نادرة.

 

  • استراتيجية أخذ العينات الانتهازية التي تعتبر إجراء غير مخطط له ويحتمل أن تكون عشوائية، بمعنى أنها ارتجالية. ففي أثناء العمل الميداني يصادف الباحث أحيانا مستطلعين جيدين لا يمكنه تفويتهم ومن ثم يقرر شملهم على الفور. المشكلة هي أنهم لا يكونوا دائما نفس المطلوبين بالضبط، ولكن اختيارهم يتماشى إلى حد كبير مع الطبيعة الناشئة للبحث النوعي.

 

  • أخذ العينات الملائمة وهو الأقل قبولا ولكنه أكثر استراتيجية لأخذ العينات شيوعا، على الأقل على مستوى أبحاث الدراسات العليا. لا تعتبر هذه العينات هادفة ولكنها عملية إلى حد كبير، حيث يستخدم الباحث المشاركين الذين يتم توافرهم. بالطبع، لا أحد في العالم المثالي سيستخدم عينة ملائمة، ولكن الأبحاث (وخصوصا بحوث الدراسات العليا) غالبا ما تحدث في ظروف أقل من مثالية، وفي ظل وقت معين أو قيود مالية. أحد ميزات هذه الاستراتيجية لأخذ العينات هو أنها عادة ما تؤدي إلى مشاركين راضين ومستعدين للمشاركة في البحث، وهو شرط أساسي للوصول إلى مجموعة بيانات غنية. من ناحية أخرى، قد لا يحدث التشبع على الإطلاق. وبالتالي، فإن هذه الاستراتيجية قد توفر الوقت والمال، والجهد، ولكن على حساب المصداقية (Miles and Huberman 1994).

 

أخذ العينات من ضمن الحالات

على الرغم من أن الباحثين النوعيين أصبحوا مدركين لأهمية أخذ العينات الهادفة الملائمة، إلا أن تطبيق العملية عادة ما يتم فقط لاختيار المشاركين، أي “أخذ العينات من بين الحالات”. نحتاج في بعض الطرق النوعية (على سبيل المثال، الاثنوغرافيا أو دراسة الحالة) إلى أن نوسع خطة أخذ العينات لتشمل أيضا ” أخذ العينات من ضمن الحالات” (أي اختيار البيانات من مجموع البيانات المتاحة التي تتعلق بالمشارك)، لأنه يجب علينا اتخاذ القرارات المعتادة حول زمن وكيفية جمع البيانات من مشترك معين، وحول سمات الحالة التي ينبغي علينا الانتباه لها والأنشطة، والمواقع، أو الأحداث التي تستدعي منا التركيز عليها. يجب علينا عند أخذ هذه القرارات أن نكون هادفين في خياراتنا كما نفعل عند اختيارنا للمشتركين.

 

الاثنوغرافيا

إن الاثنوغرافيا نقطة جيدة لانطلاقنا في استكشاف طرق البحث النوعية، لأن هذا النهج يجسد جوهر التحقيق النوعي بطرق عديدة. في الواقع، لقد استخدمت “الاثنوغرافيا” في كثير من الأحيان كمرادف للبحث النوعي حيث استهل، على سبيل المثال، هامرسلي واتكينسون (Hammersley and Atkinson, 1995: I)،  دراستهما المؤثرة حول الاثنوغرافيا بالقول: ” يجب علينا، لأغراض هذا الكتاب، تفسير مصطلح “الاثنوغرافيا” بطريقة ليبرالية، وألا نقلق كثيرا عما يعتبر ولا يعتبر كأمثلة لها”. ويضيفان بأن “الحدود المحيطة بالاثنوغرافيا هي غير واضحة بالضرورة، ونحن لا تريد أن نقوم بأي تمييز صارم وسريع بين الاثنوغرافيا وأنواع أخرى من التحقيق النوعي” (ص 2). ولكن ينبغي علينا، مع ذلك، تذكر أن مساواة الاثنوغرافيا مع البحث النوعي عموما يشوش الصورة، لأن بعض الطرق النوعية، مثل دراسة الحالة، غالبا ما تظهر خصائص مختلفة عن تلك التي تتميز بها الاثنوغرافيا.

 

يهدف  البحث الإثنوغرافي، الذي نشأ في الأنثروبولوجيا الثقافية، إلى وصف وتحليل ممارسات ومعتقدات الثقافات. الثقافة ليست محددة بالجماعات العرقية ولكن يمكنها أن تكون مرتبطة بأي “وحدات مقيدة” (Harklau, 2005) مثل المنظمات والبرامج، وحتى المجتمعات المتميزة. وهكذا، يمكننا التحدث عن اثنوغرافيا لغة الفصول الدراسية، أو التحليل الإثنوغرافي لمدارس محددة، أو غيرها من سياقات تعلم اللغة. تتمثل الصورة الكلاسيكية للاثنوجرافي في الباحث الذي يدخل في المجتمع ويصبح منغمسا في ثقافته، من خلال العيش بين “السكان الأصليين” على جزيرة نائية لعدة سنوات مثلا. لهذا السبب، تم توجيه انتقادات للاثنوغرافيا في الماضي لتمثيلها الموقف استعماري، ولكن بما أننا نبحث في التطبيقات التربوية لهذه الطريقة، فليس لنا حاجة لمراجعة هذا النقاش هنا، كما أننا لن ندرس الفجوة الحالية في المدارس والأساليب المختلفة للنظرية الإثنوغرافية التي خلقتها جزئيا ما بعد الحداثة (انظر Harklau, 2005).

 

الهدف الرئيسي لمعظم البحوث الإثنوغرافية هو توفير وصف مفصل للثقافة الهدف، أي سرد غني يصف بالتفصيل الحياة اليومية للمجتمع ومعتقدات المشاركين والمعاني الثقافية التي يربطونها بأنشطتهم وسلوكياتهم والأحداث التي يعيشونها. توظف الاثنوغرافيا لهذا الغرض مجموعة منتقاة من تقنيات جمع البيانات، بما في ذلك ملاحظة المشاركين وغير المشاركين، وإجراء المقابلات، ومذكرات الباحث الإثنوغرافي الخاصة مع الملاحظات الميدانية ومدخلات دفتر اليوميات. كما يتم دعم هذه المصادر ببيانات التسجيلات المرئية أو الصوتية، فضلا عن الوثائق الأصلية والقطع الأثرية المادية، بل وربما يستخدم الإنثوغرافيون حتى الاستبيانات المنظمة التي تم تطويرها أثناء العمل الميداني.

 

علم اللغة التطبيقي كحقل له اهتمام متأصل بالتواصل بين الثقافات ، ولذلك تم احتضان البحث الإثنوغرافي من قبل العلماء الذين ينظرون إلى تعلم اللغة كممارسة اجتماعية عميقة، ويرون تعلم اللغة الثانية وتعلم الثقافة الثانية، والتنشئة اللغوية الاجتماعية كشيء مرتبط لا يمكن فصله (Roberts et al. 2001;

Schieffelin and Ochs 1986). وبالإضافة إلى ذلك، بسبب الطبيعة القائمة للكثير من البحوث الحديثة في اكتساب اللغة الثانية، فقد تم استخدام الاثنوغرافيا في التحليل السياقي لأحاديث الفصول الدراسية والتعلم المدرسي (على سبيل المثال، Duff 2002; Rampton 1995; van Lier 1988; Watson-Gegeo 1997؛ Harklau, 2005 ). وهكذا، فإن الاثنوغرافيا كما يقول داف (Duff, 2002)، قد اصبحت تكتسب مكانة بارزة في علم اللغة التطبيقي منذ ظهور مقال واتسون جيجو (Watson-Gegeo, 1988) المؤثر حول هذا الموضوع، وقد انعكست هذه الأهمية جيدا بحقيقة أن دورية تدريس اللغة الانجليزية للمتحدثين باللغات الأخرى (TESOL) قد نشرت لكتّابها المبادئ التوجيهية للأثنوجرافيا بشكل منقصل (Chapelle and Duff, 2003). كما أن عدد دراسات تعليم اللغة الإثنوغرافية قد زاد بشكل كبير خلال السنوات االأخيرة، حيث ركز الكثير من الأعمال على دراسة علاقات محددة بين مفاوضة الهويات والممارسات، وتعلم اللغة في كلا من السياقات المحلية وعلى نطاق مجتمعي أوسع. (لمزيد من التفاصيل، انظر القسم الذي يناقش دراسات الحالة، لأن بحوث دراسة الحالة غالبا ما تستخدم منهجية اثنوجرافية.)

 

 

الملامح الرئيسية للدراسات الإثنوغرافية

وفقا لهاركلاو (Harklau, 2005)، السمة المميزة للبحث الإثنوغرافي الكلاسيكي هو أنه ينطوي على “ملاحظة المشاركين” المباشرة في بيئة طبيعية، حيث تشمل معظم الدراسات التي تؤطر نفسها اثنوغرافيا مدى معين من هذه الطريقة. ومع ذلك، رأينا أن الإنثوغرافيون يستخدمون أيضا العديد من تقنيات جمع البيانات، وفي الواقع، يشير هاركلاو إلى أنه عادة ما تعتبر مصادر البيانات المتعددة أمر مرغوب فيه. إذن، إذا كانت طريقة جمع البيانات ليست هي المحدد الرئيسي للنهج الإثنوغرافي، فما هي الملامح التي تحدده؟ غالبا ما يتم التأكيد على النقاط الثلاث التالية في الأدبيات؛ وهي ستحتاج للقليل من الشرح هنا لأنها قد وصفت أعلاه عند مناقشة النهج النوعي بشكل عام.

 

  • التركيز على معاني المشاركين، مما يعني في الدراسات الإثنوغرافية النظر إلى تفسيرات المشاركين الشخصية لتصرفاتهم الخاصة وعاداتهم كشيء أساسي لفهم الثقافة المقصودة. ولذلك، فإن السمة الرئيسية للإثنوجرافيا هي ايجاد سبل لرؤية الأحداث من خلال عيون شخص من الداخل.

 

  • المشاركة لفترات طويلة في البيئة الطبيعية. لا يمكن للباحث كشف خفايا معنى المشاركين (وغالبا، معاني متعددة) ما لم ينغمس في الثقافة ويعايشها فترة طويلة مع مراقبة المشاركين وجمع البيانات. وبالتالي، فإن الحد الأدنى الموصي به للإقامة هو من 6 إلى I2 شهر عادة حتى تحقق ضرورة المشاركة لفترة طويلة.

 

  • الطبيعة الناشئة. لأن الإثنوغرافي داخل لثقافة جديدة، فإن التركيز الدقيق للبحث سيتطور سياقيا وسينبثق في الموقع فقط بعد أن يتم إجراء بعض العمل الميداني.

 

 

المراحل الرئيسية للدراسات الإثنوغرافية

تتضمن الدراسة الإثنوغرافية عملية معقدة للدخول والخروج يمكن وصفها بأنها سلسلة من أربع مراحل متميزة نسبيا (Morse and Richards, 2002؛ أنظر أيضا Richards, 2003):

 

  • تنطوي المرحلة الأولى على دخول للباحث لما يعتبر بيئة غريبة، حيث يحتاج الإثنوغرافي للتفاوض حول الدخول مع الحراس ومن ثم ايجاد وسيلة، سبب، أو دور ملائم يتماشى معه. من المرجح أن يكون الحراس في بحوث اللغة الثانية هم المدرسين الرئيسيين ومديري المدارس ومسؤولي التعليم الآخرين، الذين لديهم جميعا، كما يشير ريتشاردز (Richards, 2003: 121)، “محاور خاصة يدرسونها ومواقع يحمونها”. لذلك، تعتبر هذه المرحلة دقيقة إلى حد ما؛ ومن الواضح أن الباحث تائه نوعا ما ولا يفهم البيئة أو المشاركين، ونتيجة لذلك، فإن جمع البيانات في هذه المرحلة ينطوي إلى حد كبير على فهم البيئة، والبت في معرفة من يمثل من، وبشكل عام، فإنه يقوم بتسجيل يومياته مع ملاحظاته الميدانية.

 

  • المرحلة الثانية أسهل من الأولى من نواح كثيرة، لأنه سيكون فيها الثلج قد ذاب وأصبح الباحث يعرف المشاركين والإجراءات الروتينية في بيئة البحث. تجري الملاحظة الآن على قدم وساق حيث تبدأ المهمة الصعبة لإيجاد المخبرين الرئيسيين بإجراء المقابلات الأولية معهم. يحتاج الأثنوغرافي في هذه المرحلة أيضا للبدء في تحليل البيانات الأولية حتى يطوّر بعض الأفكار والمفاهيم الأولية.

 

  • المرحلة الثالثة هي مرحلة البحث الأكثر إنتاجية. سيكون التثاقف أو الانغماس في الثقافة (Acculturation) قد انتهى وتم قبول الباحث وهو يشعر الآن أنه في بيته داخل بيئة البحث. وهذا يسمح له بتوظيف مجموعة متنوعة من التقنيات لجمع بيانات مركزة أكثر، والتي تستخدم للتحقق من الفرضيات الأولية والأفكار وتطوير المفاهيم النظرية الأوسع. يتميز تحليل البيانات في هذه المرحلة بالتركيز التقدمي الذي ينطوي على غربلة، وفرز، ومراجعة البيانات (Cohen et al., 2000).

 

  • المرحلة النهائية هي الانسحاب الضروري. قد تكون مرحلة الإغلاق هذه متعبة نفسيا مما قد يؤدي إلى الشعور بالخسران، حيث يحتاج الأثنوغرافي للتأكد من أنه يخرج من الحقل بطريقة تسبب أقل ما يمكن من الازعاج والاضطراب للمجموعة أو الموقف، حيث يكون تركيزه على تحليل البيانات ويقوم فقط بجمع بيانات إضافية لملء الفجوات، ولحل الغموض، وللتحقق من صحة النتائج السابقة.

 

نقاط القوة والضعف في البحوث الإثنوغرافية

يعتبر النهج الإثنوغرافي مفيد خصوصا لاستكشاف بيئات مجهولة وفهم العمليات الاجتماعية من وجهة نظر المشاركين. يعتبر هذا النهج وسيلة ممتازة لعبور الثقافات واكتساب نظرة ثاقبة في حياة المنظمات والمؤسسات والمجتمعات. باختصار، الاثنوغرافيا مثالية لتوليد الفرضيات الأولية حول شيء غير معروف تماما. تسلط هورنبيرجر (Hornberger, I994: 688) الضوء على قدرة الاثنوغرافيا على اتخاذ نظرة شمولية والتركيز على الصورة الكاملة التي لا “تترك شيئا مفقودا، وتكشف عن الترابط بين جميع المكونات الجزئية، حيث تذهب إلى القول:

 

القيمة هنا هي أن النهج يسمح، وفي الواقع، إن جوهر النهج هو ضمان المقارنة والتباين بين ما يقوله الناس وما يفعلونه في سياق معين وعبر السياقات للتوصل إلى تمثيل أوسع لما يجري. لا يكفي الإنثوغرافيون سؤال المدرس عن النهج التواصلي لتدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، بل يجب أن يلاحظوه فعليا أيضا. كما أنه ليس كافيا أن نفترض أن أنماط مشاركة الطلاب في الفصل تختلف عن أنماط تجربة تنشئة الأطفال الاجتماعية في البيت، بل إن الإنثوغرافيون يسعون لملاحظة السياقين بأنفسهم، حيث يمكن من خلال مقارنة ومقابلة هذه الأبعاد أن ينشأ وصف واقعي متعدد الطبقات (ص 688-689).

 

العيب الرئيسي لهذا النهج هو أن الحاجة إلى الانخراط المطول مع المشاركين في محيطهم الطبيعي تتطلب استثمار وقت موسع لا تستطيع تحمله إلا قلة من الباحثين الأكاديميين. تذكر هورنبنجر (Hornberger, I994) وجود قيد آخر أيضا، وهو “معضلة الداخلي / الخارجي”، الذي يتناول صعوبة تحقيق التوازن بين المنظور الداخلي والخارجي. كما تجادل بأن هذا التوتر يبرز في عدة مظاهر (على سبيل المثال، في مدى مشاركة الباحث مقابل ملاحظة غير المشارك، والتقارب مقابل الفصل)، وأنه أمر خطير خاصة في مجال البحوث الإثنوغرافية بالنسبة للمعلمين داخل فصولهم وبالنسبة لباحثين الأقليات في مجتمعاتهم . كما أن معضلة الداخلي / الخارجي قد تبرز عند توصيل نتائج الأبحاث للجمهور الخارجي، لأن هذه العملية تنطوي بطبيعتها على عرض وجهات نظر الداخلي بمصطلحات الخارجي، حيث يكون  من المرجح أن تشمل هذه الترجمة التعديلات.

وأخيرا، يلفت هاركلاو (Harklau, 2005) الانتباه إلى خاصية تتعلق بالاثنوغرافيا في علم اللغة التطبيقي، وهي أن العمل الإثنوغرافي لا يزال محدودا إلى حد كبير بالباحثين البيض الناطقين بالإنجليزية في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، بينما نجد أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الهدف في الغالبية العظمى من الدراسات. بينما قد يكون هذا صحيحا واقعيا في الممارسة الحالية، فمن المرجح أن يتغير في المستقبل لأن الأبحاث الإثنوغرافية في عملية اكتساب لأساسات أكثر في علم اللغة التطبيقي، سواءا من حيث النطاق أوالكمية. وعلاوة على ذلك، فإن الاثنوغرافيا تلعب أيضا دورا هاما في التأثير على جوانب عديدة من البحث النوعي بشكل عام، مما ينتج مناهج شبه اثنوجرافية متنوعة مثمرة.

 

 

المقابلات

الطريقة البحث النوعية الثانية التي سنتناولها بالوصف في هذا الفصل هي إجراء المقابلات. يعتبر إجراء المقابلات شيء متكرر في الحياة الاجتماعية المحيطة بمعظمنا، حيث يمكننا سماع المقابلات على الراديو ومشاهدة الناس وهم في مقابلات على شاشات التلفزيون، بالاضافة إلى أننا نحن أنفسنا غالبا ما نشارك في أنواع مختلفة من المقابلات إما كأشخاص تتم مقابلتهم أو كمسيرين للمقابلات. وكما يبين ميلر وكرابتري (Miller and Crabtree, 1999)، فإن نوع المقابلة بأعرافه لتبادل الأدوار وتوقعاته لأدوار المشاركين، وآدابه، وحتى العبارات اللغوية، يعتبر عادة معرفة ثقافية مشتركة. لأن المقابلات هي بالضبط روتين اتصال معروف، فإن الاسلوب يعمل بشكل جيد كأداة بحث متنوعة، فالحقيقة، على الرغم من أن هناك مجموعة متنوعة من تقنيات البحث النوعية المتاحة للباحثين، نجد أن المقابلة هي التقنية الأكثر استخداما في الدراسات النوعية، وعادة ما يتم استخدامها بانتظام في مجموعة متنوعة من السياقات اللغوية التطبيقية لأغراض متنوعة (انظر على سبيل المثال، Block, 2000; Richards, 2003; Rubio, 1997).

 

هناك أنواع مختلفة من المقابلات مثل المنظمة للغاية التي تشبه كثيرا الاستبيانات التحريرية الكمية ولذلك سيتم مناقشتها بإيجاز هنا فقط. أما المقابلة النوعية النموذجية فهي محادثة مهنية  بين شخص وآخر(Kvale, 1996: 5)، تتميز ببنية منظمة وتهدف “للحصول على أوصاف لحياة عالم الشخص الذي تتم مقابلته فيما يتعلق بتفسير ووصف الظواهر” (ص، 5 – 6)، حيث سينصب اهتمامنا في هذا القسم بهذا النوع من المقابلات، كما سنتناول في الأقسام التي تليه لاحقا بنوعين من المقابلات المتخصصة، وهي: مقابلات مجموعة التركيز التي تكون في هيئة مجموعة، و مقابلات الاستعادة الرجعية (retrospective interviews) التي تنطوي تحت مصطلح الطرق الاستبطانية (introspective methods).

 

بعد استعراض أنواع المقابلات الرئيسية، سوف يركز هذا القسم  على جانبن عمليين لإجراء بحوث المقابلات: (أ) كيفية إعداد دليل المقابلة (أي، قائمة الأسئلة التي ستستخدم أثناء المقابلة)، و (ب) كيفية إجراء المقابلة    الفعلية (لمزيد من النقاش، انظر Kvale, 1996; Patton, 2002; Richards, 2003).

 

 

أنواع المقابلات الرئيسية

يمكن تقسيم المقابلات الأحادية إلى أنواع مختلفة وفقا لدرجة الهيكلة في هذه العملية، ووفقا لما إذا كانت هناك جلسة واحدة أو جلسات متعددة للمقابلة. سنبدأ بالسمة الأخيرة التي لا يتم تناولها في الغالب إلا قليلا.

 

جلسة واحدة أو جلسات متعددة

المقابلة النوعية النموذجية تحدث لمرة واحدة و تدوم حوالي 30 – 60 دقيقة. لكن، وكما يقول بولكنجهورن (Polkinghorne, 2005)، فإن المقابلات لمرة واحدة نادرا ما اكون لها القدرة على انتاج الأوصاف الكاملة والغنية اللازمة للحصول على نتائج جديرة بالاهتمام. وببنائه على عمل سيدمان فهو يوصي الباحثين بإجراء سلسلة من ثلاث مقابلات مع نفس المشارك للحصول على العمق والاتساع الكافِ. تزيل المقابلة الأولى الحواجز وتطور العلاقة، كما توفر أيضا لمحة سريعة عن المناطق التي سيتم التحقيق فيها لاحقا. يسمح الفاصل الزمني بين المقابلتين الأولى والثانية للشخص الذي يجري المقابلة بإعداد دليل قياس للمقابلة للجلسة الثانية ويقدم للضيف أيضا فرصة للتفكير بعمق أكثر حول التجربة. ولذلك، نجد أن المقابلة الثانية مركزة أكثر من الأولى. وأخيرا، بعد تحليل نصوص الجلستين الأوليين، يمكن للباحث في المقابلة الثالثة أن يطرح أي أسئلة متابعة لسد الفراغ وتوضيح الوصف.

 

وتجدر الإشارة إلى أن شكل الجلسات المتعددة المذكور هنا ليس هو نفسه المستخدم في دراسات المقابلة الطولية، لأن الغرض من الدورات الثلاث ليس توثيق التغيرات الزمنية ولكن للوصول إلى وصف كامل. أما دراسات المقابلة الطولية فتحتاج لجلسات متعددة يتم تنظيمها بشكل مختلف، حيث تخلق جلسات المقابلة الأولى والثانية المعرفة الأساسية، أما الجلسات اللاحقة التي تتم بانتظام فتركز على سبب وكيفية تغير الظاهرة قيد الدراسة.

 

 

المقابلات المهيكلة

مبدأ التصنيف الرئيسي الثاني للمقابلات هو مدى هيكلتها، حيث يكون أحد طرفيها المقابلة المهيكلة. يتبع الباحث في هذا النوع من المقابلات جدول أو دليل مفصل معد مسبقا يحتوي على قائمة الأسئلة التي سيتم طرحها بشكل دقيق على كل الذين ستتم مقابلتهم، وتتشارك المعلومات المستخرجة مع بيانات الاستبيان في العديد من المزايا (على سبيل المثال، المقارنة عبر المشاركين) والعيوب (على سبيل المثال، الثراء المحدود). تضمن مثل هذه المقابلات المتحكم فيها  تركيز الشخص الذي تتم مقابلته على نطاق الموضوع الهدف وأن تغطي المقابلة مجال معرفة محدد بدقة، مما يجعل الإجابات قابلة للمقارنة بين مختلف المشاركين. الجانب الآخر لهذا النوع، مع ذلك، هو أنه ليس هناك مجال كبير في المقابلة المهيكلة للتنوع أو العفوية في الردود لأن الشخص الذي يجري المقابلة يقوم بتسجيل الاستجابات وفقا لنظام ترميز معين. كما أن هناك أيضا القليل من المرونة في طريقة طرح الأسئلة، لأن الباحث يأمل باعتماده صيغة موحدة عدم ترك شيء للصدفة. يكون هذا النوع من المقابلات مناسب عندما يكون الباحث على علم بما لا يعرفه، حيث يمكنه صياغة الأسئلة التي ستوفر له الأجوبة المطلوبة. تستخدم المقابلات المنظمة في الحالات التي يكون فيها الاستبيان المكتوب ملائم نظريا، ولكن لسبب ما تكون الصيغة التحريرية غير ممكنة (على سبيل المثال، بسبب انخفاض مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة بين المشاركين أو الحاجة إلى تشديد الرقابة كما هو الحال في بعض دراسات وبحوث السوق أو استطلاعات الرأي).

 

 

المقابلات غير المهيكلة

في الطرف الآخر هناك المقابلة غير المهيكلة (يشار إليها أحيانا باسم المقابلة الإثنوغرافية أيضا) التي تسمح بأقصى قدر من المرونة لمتابعة الشخص الذي تتم مقابلته في اتجاهات غير متوقعة، مع الحد الأدنى من تدخل جدول أعمال البحث. القصد من ذلك هو خلق جو مريح يبوح فيه المشارك أكثر مما يكشف عنه في السياقات الرسمية، ويأخذ فيه الشخص الذي يجري المقابلة دور المستمع. لا يتم إعداد أي دليل مفصل مسبق للمقابلة، ولكن الباحث عادة ما يفكر في بعض الأسئلة الافتتاحية (من 1 إلى 6 أسئلة تسمى أحيانا أسئلة الجولة الرئيسية) للاستخلاص رواية المشارك الذي تتم مقابلته. قد يسأل الباحث أثناء المقابلة سؤال عرضي للتوضيح وربما يعطي ردود معززة كما يفعل أي شريك تواصلي جيد للحفاظ على سير المقابلة، ولكن يجب ابقاء المقاطعات في أدنى حد ممكن .

 

يجب على القائم بالمقابلة انشاء علاقة جيدة مع الضيف حتى تكون المقابلة غير المهيكلة ناجحة. يكون هذا النوع من المقابلات مناسب عندما يكون تركيز البحث على المعنى العميق للظاهرة قيد الدراسة أو عندما يتطلب البحث بعض السرد التاريخي الشخصي لكيفية تطور ظاهرة معينة. يمكن أيضا استخدام المقابلات المعمقة عندما يكون العمل الاستكشافي مطلوبا قبل إجراء دراسة مركزة أكثر (دراسة كمية مثلا).

 

 

المقابلات شبه المهيكلة

تنتمي معظم المقابلات التي أجريت في بحوث علم اللغة التطبيقي إلى نوع المقابلات شبه المهيكلة الذي يقدم حلا وسطا بين الطرفين. على الرغم من أن هناك مجموعة من الأسئلة التوجيهية المعدة مسبقا، فإن صيغتها مفتوحة ويتم فيها تشجيع الضيف للتوسع في التفاصيل حول القضايا المطروحة بطريقة استكشافية. وبعبارة أخرى، فإن القائم بالمقابلة يوفر الإرشاد والتوجيه، ولكنه حريص أيضا على متابعة التطورات المثيرة للاهتمام والسماح للضيف بإعطاء التفاصيل حول قضايا معينة. وبسبب الشعبية الكبيرة لصيغة هذا النوع من المقابلات، فإن معظم التوصيات التالية حول صياغة الأسئلة واجراء المقابلة سيتم توجيهها خصيصا نحو المقابلات شبه المهيكلة.

 

تعتبر المقابلة شبه المهيكلة مناسبة في الحالات التي يكون الباحث فيها ملم بما فيه الكفاية حول الظاهرة أو المجال قيد البحث وتكون لديه القدرة على تطوير أسئلة واسعة حول الموضوع مسبقا، لكنه لا يريد استخدام فئات إجابة جاهزة التي من شأنها أن تحد من عمق واتساع رواية المشارك. يحتاج هذا النوع إلى دليل مقابلة ينبغي تجريبه مسبقا. عادة ما يطرح القائم بالمقابلة نفس الأسئلة على جميع المشاركين، وإن لم يكن بالضرورة بنفس الترتيب أو الصياغة، وسيكون عليه تكملة الأسئلة الرئيسية بتحقيقات متنوعة – انظر أدناه.

 

التحضير للمقابلة وتصميم دليل المقابلة

تنطوي العملية الكاملة للمقابلة على سلسلة من الخطوات المصممة بدقة، حيث يبدأ الإعداد قبل جلسة المقابلة الأولى. بعد وضع اللمسات الأخيرة على الخطة الأولية لأخذ العينات والنظر في القضايا الأخلاقية مثل إعلام الموافقة، يحتاج الباحث إلى إعداد دليل مفصل للمقابلة، الذي سيكون بمثابة أداة البحث الرئيسية. على الرغم من أننا قد نعتقد أن هذه المهمة واضحة وسريعة (لأن كل ما على الباحث القيام به هو تدوين بعض الأسئلة ذات الصلة)، فإن دليل المقابلة الجيد يتطلب التخطيط الدقيق الذي يتبعه نوع من التجريب. يمكن لعدد من المقابلات التجريبية أن تؤكد أن الأسئلة تستنبط بيانات غنية بما فيه الكفاية وأنها لا تهيمن على سير المحادثة.

 

تتمثل المهمة الرئيسية لدليل المقابلة (أو جدول بروتوكول المقابلة ) هو مساعدة القائم بالمقابلة في عدد من المجالات الآتية:

(أ) ضمان تغطية المجال بشكل صحيح وعدم ترك أي شيء مهم بالخطأ.

(ب) اقتراح صيغ أسئلة مناسبة.

(ج) تقديم قائمة مفيدة بأسئلة التحقيق لاستخدامها عند الحاجة.

(د) تقديم نموذج لبيان الافتتاح.

(ه) سرد بعض التعليقات التي يجب أخذها في الاعتبار.

 

قد يكون من المستحسن أن نجمع بين هذا الدليل و سجل المقابلة، وبالتالي ترك مساحة فيه لتسجيل تفاصيل المقابلة (على سبيل المثال، المشارك، البيئة، الطول)، وكذلك لتعليقات وملاحظات القائم بالمقابلة. وكما يشير مكراكين (McCracken, I988)، فإن استخدام دليل المقابلة يعتبر أحيانا كمسألة تقديرية في المقابلات النوعية. هذا خطأ، كما يجادل، لأنه وفقا للأهداف التي نريد تحقيقها والعوامل المتعددة التي يجب علينا الانتباه لها أثناء المقابلة، فإن دليل المقابلة لا غنى عنه. في الواقع، وكما سيؤكد أي شخص أجرى مقابلات، فإن القائم بالمقابلة سينفعه أي نوع من المساعدة أثناء عملية إجراء المقابلات، ودليل المقابلة يقدم لنا أفضل مساعدة ممكنة في هذا الصدد.

 

 

أنواع الأسئلة ومسائل الصياغة

هناك مجموعة متنوعة من الأسئلة التي يمكن أن ندرجها في دليل المقابلة، ولكننا نحتاج إلى أن نضع في اعتبارنا أنها لا توفر سوى الإطار وأن المعنى الحقيقي غالبا ما يتم الكشف عنه من خلال الاستجابات الاستكشافية غير المهيكلة التي تحيد عن جدول المقابلة.

 

  • الأسئلة القليلة الأولى: هذه الأسئلة لها أهمية خاصة في المقابلة، ولكن ليس من ناحية محتواها، بل لأنها تمهد وتخلق علاقة الأولية. إذا شعر المشاركين الذين تتم مقابلتهم أنهم يستطيعون يعاملون بعدل عند الإجابة على هذه الأسئلة الأولية، فإن هذا سوف يجعلهم يشعرون بالأهلية، ويساعدهم على الاسترخاء مما يشجعهم على أن يكونوا منفتحين. ولذلك نجد الباحثين غالبا ما يبدؤون بالأسئلة الشخصية أو الواقعية السهلة (على سبيل المثال، حول عائلة المشارك أو وظيفته). تعتمد نوعية الردود اللاحقة كثيرا على مناخ الثقة الذي يخلقه الباحث في فترة كسر الجليد الأولية.

 

  • أسئلة المحتوى: يشير باتون (Patton, 2002) إلى أنه يمكن طرح ستة أنواع رئيسية حول أي موضوع معين يكون تركيزها على: (أ) الخبرات والسلوكيات، (ب) الآراء والقيم، (ج) المشاعر، (د) المعرفة، (هـ) المعلومات الحسية (أي ما رآه الشخص، سمعه، تذوقه، شمه، الخ، وحتى الذي رآه أو سمعه الشخص الذي يجري المقابلة إذا كان في مكان معين)، و (و) الخلفية أو المعلومات الديموغرافية. تتعلق هذه الفئات الستة بجوانب مختلفة من نظرة وخبرة المشاركين الشاملة حول الظاهرة. بالتالي يمكننا الحصول على صورة تقريبية عن الظاهرة من خلال تضمين بعض الأسئلة التي تتناول أبعاد الموضوع قيد الدراسة في دليل المقابلة.

 

  • التحقيقات: يمكن تعزيز الطبيعة الناشئة لبيانات المقابلة النوعية من خلال اجراء تحقيقات متنوعة من خلال استخدام ما يقوله الضيف كنقطة انطلاق إلى أبعد من ذلك، لزيادة ثراء وعمق الردود. ويمكن أن تشمل هذه التحقيقات الأسئلة التفصيلية والتوضيحية، ولكن الأسلوب الذي غالبا ما يُستخدم في العلاج النفسي الذي يركز على الشخص هو ببساطة ذكر كلمة المحتوى البارزة التي يستخدمها المشارك وسؤاله بأن يشرحها ( ‘لقد استخدمت كلمة “الحرية” مرتين، ما الذي تعنيه لك بالضبط / هل تعني بذلك …؟). كما يذكر باتون (Patton, 2002) تحقيقا مثير للاهتمام، “التحقيق المضاد” الذي يسأل عن كيف يمكن مقارنة تجربة معينة، شعور، أو مصطلح ما مع فكرة أو مفهوم آخر مشابه.

 

  • السؤال النهائي: يسمح هذا السؤال للضيف بأن يقول كلمته النهائية. لقد لاحظ العديد من الباحثين في الأدبيات ثراء البيانات التي يمكن أن تسفر عنها أسئلة الإغلاق النهائية البسيطة مثل: ‘هل هناك أي شيء آخر تود اضافته؟ أو “ماذا كان يجب أن أسئلك ولكنّي لم أفكر في سؤاله؟’

 

وفيما يتعلق بصياغة الأسئلة في المقابلة النوعية، فالأدبيات تحتوي على الكثير من النصائح. بعض هذه النصيحة بديهية (على سبيل المثال، ‘لا تستخدم الكلمات التي لا يفهمها الضيف’)، ولكن بعض الاقتراحات الأخرى هي عملية حقا، باتون (Patton, 2002)، على سبيل المثال، يقدم مبادئ توجيهية مفصلة مميزة. على غرار صياغة بنود الاستبيان المكتوب، هناك بعض القواعد العامة حول كيفية صياغة أسئلة المقابلات. هناك قاعدتين لهما أهمية خاصة تقضي بتجنب (أ) الأسئلة الموجهة ( مثل، ‘لقد كان محبطا، أليس كذلك …؟’) و (ب) المصطلحات والكلمات المُحمّلة أو الغامضة. عموما، الأسئلة القصيرة والبسيطة نسبيا التي تحتوي على فكرة واحدة فقط تؤدي الغرض أفضل. استخدام الكلمات التي تعني شيئا للشخص الذي تتم مقابلته وتعكس وجهة نظره عن العالم تساعد على التوصل بالمشارك وتحسّن نوعية بيانات المقابلة.

 

إجراء المقابلة

على الرغم من أن الممارسة عادة ما تجعلنا نجري المقابلات كخبراء ومسترخين أكثر، إلا أن معرفة الباحث لبعض القضايا الرئيسية حول اجراء المقابلات سيكون مفيدا بالفعل، لأن هناك تقنيات عدة لها تأثير جيد يمكننا تطبيقها من البداية. ولذلك سنقوم بفحص المكونات الرئيسية لعملية إجراء المقابلات. {انظر أيضا ريتشاردز، 2003، الفصل الثاني، حول الوصف العملي الموجه لعلماء علم اللغة التطبيقي يشمل اقتراحات حول كيفية تطوير مهارات إجراء المقابلات).

 

تسجيل المقابلة

هناك اتفاق عام في الأدبيات بأنه إذا أردنا استخدام محتوى المقابلة شبه المهيكلة أو غير المهيكلة كبيانات بحثية، فإننا نحتاج إلى تسجيلها، لأن أخذ الملاحظات فقط لا يكفي حيث من غير المحتمل أن تكون قادرين على التقاط كل تفاصيل الدقيقة للمعاني الشخصية، كما أن تدوين الملاحظات  يقطع أيضا عملية إجراء المقابلات. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن الكثير من الناس لا يحبون أن يتم تسجيل المقابلات معهم، وبالتالي يجب علينا مناقشة هذا الجانب مع الضيف مقدما.

 

هناك جانبين لتسجيل المقابلات هما التقني والنظري. الجانب التقني واضح حيث يجب علينا التأكد من أن التقنية المستخدمة صالحة وتعمل حتى نحصل في نهاية المطاف على تسجيلات ذات جودة جيدة. على الرغم من أن هذا قد يبدو بديهيا، من المثير للدهشة أن الباحثين غالبا لا يحصلون على تسجيلات جيدة. تبرز أهمية الجانب الفني في ملحق دراسة ديورانتي (Duranti, 1997) في دورية الأنثروبولوجيا اللغوية التي خصص فيها سبع صفحات لمناقشة مسائل التسجيل، بدءا من كيفية وضع الميكروفون إلى كيفية تسمية أشرطة.

 

أفضل الاحتياطات هي أخذ قانون مورفي على محمل الجد: ‘إذا كان الخطأ ممكن، فسوف يحصل’. لذلك، يجب أن يكون معنا جهاز تسجيل احتياطي، وأن نستخدم دائما بطاريات وأشرطة جديدة (إن وجدت)، وأن نقوم باختبار هذه المعدات في بداية المقابلة بإجراء تسجيل تجريبي. احد المشاكلة المشهورة في التسجيل هي أنه ما لم نقوم بتسمية الأشرطة، أو الأقراص، أو الملفات الرقمية المسجلة فورا وبدقة، فسوف تختلط فيما بينها. وبسبب احتمال وجود الكثير من هذه التسجيلات، فسيكون من المهم الحفاظ على سجل دقيق لمحتواها من البداية. يوصي ديورانتي (Duranti, 1997) أيضا بأنه يجب علينا بعد الانتهاء من التسجيل أن ننسخ الأشرطة الأصلية للاستماع والاختزال (رقميا يعني هذا انشاء نسخ احتياطية للملفات.

 

القضية النظرية حول التسجيل تتعلق بحقيقة أنه عند القيام بالتسجيل الصوتي سنفقد حتما بعض المعلومات مثل الاشارات غير اللفظية كحركة العين، وتعبيرات الوجه أو الإيماءات. هذا يوحي بأن التسجيل المرئي (الفيديو) هو دائما الأفضل، ولكن العديد من الباحثين لا يقبلون هذا الادعاء. على الرغم من وضوح أن بيانات الفيديو تعتبر أكثر ثراء من التسجيلات الصوتية، فإن عملية التسجيل المرئي أصعب بكثير وفضولية أكثر من فتح جهاز تسجيل صغير، بالاضافة إلى أن تحليل بيانات الفيديو ليست مهمة سهلة أيضا. لذلك لا نوصي باستخدام بيانات الفيديو في أبحاثنا إلا إذا كنا حقا في حاجة إليها.

 

 

 

بدء المقابلة

الدقائق القليلة الأولى من جلسة المقابلة مهمة لأنها تمثل مرحلة بناء أسلوب ومناخ المقابلة واقناع الضيف بأنفسنا، وهذا يعني انشاء ائتماننا وجعل أنفسنا مقبولين. يجب علينا أن نظهر أننا مهتمون حقا في ما سيقوله الضيف وأننا أيضا لطفاء إلى حد معقول ومسالمين. وكما يبين مكراكين (McCracken, 1988: 38)، من الأفضل أن نكون بمظهر “الغامض قليلا، ونوافق كثيرا وأن لا نعطي أي علامة على وجود موقف حاسم أو تهكمي”. كما يجادل بأن الطريقة الفعالة لتقديم أنفسنا هي تحقيق التوازن بين الرسمية وغير الرسمية، لأن الشكل الرسمي في اللباس والأسلوب مفيد لأنه يخلق صورة “جدية” و “مهنية” (في النهاية، العلماء الحقيقيين يرتدون معاطف بيضاء ويستخدمون الكلمات اللاتينية التي لا يفهمها إلا قلة من الناس)، ويشير أيضا إلى أن الباحث يمكن الوثوق به للحفاظ على السرية التي وعد المشارك بها. ومن ناحية أخرى، فإن شيئا من غير الرسمية مفيد أيضا لأنه يطمئن المشارك بأننا بشر لا نرقى للكمال، وأن حياتنا غير مختلفة عن تعقيدات وصعوبات حياة المشارك.

 

نحتاج قبل بدء التسجيل إلى شرح سبب المقابلة مرة أخرى، لأن فهم الغرض من الأسئلة يزيد من دوافع الضيف للإجابة بانفتاح ​​وبالتفصيل. يجب علينا أيضا تلخيص ما سيحدث لبيانات المقابلة بإيجاز، وقد يكون من المفيد

طمأنة المشارك مرة أخرى حول مسألة السرية. نحتاج في هذا مرحلة إلى خلق أجواء مريحة غير مهددة يشعر فيها المشارك الذي تتم مقابلته بالراحة في التعبير عن نفسه، كما أن تبادل محادثة قصيرة ستكون مفيدة أيضا لبناء علاقة مع الضيف. عندما نرى أن الضيف مرتاح، ينبغي أن نسأله إذا كان من الممكن تشغيل جهاز التسجيل واختبار أنه يعمل. بعد ذلك نقوم بطرح الأسئلة الأولى كما وضحنا أعلاه، التي يجب أن تكون سهلة الإجابة كما وضحنا أعلاه.

 

 

إجراء المقابلة

تتميز المقابلة النوعية الجيدة بسمتين رئيسيتين هما:

(أ) تتدفق المقابلة بشكل طبيعي بحيث ترتبط الأجزاء المختلفة بسلاسة. يجب على الباحث أن يتذكر أنه موجود لكي يستمع بالدرجة الأولى، وليس ليتحدث! هذه النقطة هي في الواقع من أول التوصيات عامة التي يقترحها روبسون (Robson, 2002) حول المقابلات (أنظر الجدول 2). يجب أن نترك الضيف يسترسل دون استعجاله أو مقاطعته، وحتى إذا كانت هناك لحظات صمت، فيجب علينا التحلي بالصبر ومقاومة التدخل بسرعة مع سؤال جديد.

 

(ب) المقابلات غنية بالتفاصيل. ووفقا لذلك، يشير ريتشاردز (Richards, 2003: 53) إلى أن القاعدة الذهبية لجميع المقابلات هي “السعي دائما وراء المهم”. ومن الواضح أن تحقيق هذا المطلب ربما يكون على حساب الأول، لأننا قد نحتاج في بعض الأحيان لمقاطعة التدفق الطبيعي للوصف (خاصة إذا انجرفت المقابلة من موضوع لآخر) والتركيز على تفاصيل محددة. هذا هو أحد المجالات التي يمكن أن يُحدث فيها الاستخدام الماهر  لتحقيقات متنوعة فرقا حقيقيا. سوف نعود إلى هذا السؤال أدناه، ولكننا بحاجة أولا إلى معالجة قضية أساسية لسلوك الشخص الذي يجري المقابلة، وهي حياد الباحث.

 

 

أحد المبادئ الأساسية في منهجية المقابلة هو أنه ينبغي على الشخص الذي يجري المقابلة محاولة أن يكون محايدا وأن لا يبدي أي تحيز شخصي. ولكن ما الذي يعنيه هذا الحياد من الناحية العملية؟ أعتقد أن ذلك ينطوي على خلق الفضاء المناسب للضيف الذي تتم مقابلته لتبادل خبراته معنا بحرية، وبغض النظر عن أي مضمون اجتماعي، أخلاقي، أو سياسي. النقطة التي يجب التأكيد عليها هنا هي ببساطة أن عدم إعرابنا عن أي تحيز شخصي قد لا يكون كافيا لخلق الفضاء المحايد، لأن المشاركين سوف يتأثرون حتما بما يسمى عادة مرغوبية التحيز الاجتماعي (رغبة المشارك في تقديم ما يعتقد أنه متوقع منه). وهذا يعني أن المشارك قد يشعر بأن بعض الاستجابات ستُقابل بالرفض، ليس بالضرورة لأننا قدمنا ​​ما يشير إلى أنها قد تكون كذلك، ولكن بسبب أن الاستجابة تتعارض مع بعض العادات أو الأعراف الاجتماعية. ومن المؤكد أن المشاركين يدخلون جلسة المقابلة ببعض الأفكار عما قد يشكل ردود مفضلة وردود غير مرغوب فيها، وإذا لم نتعامل مع هذه المسألة منذ البداية، فربما كل ما سنحصل عليه في النهاية هو سرد أنيق، وخاضع للرقابة الذاتية، بل وعقيم. ففي النهاية، كما يحذرنا أوبنهايم (Oppenheim, I992)، حتى الأسئلة الواقعية يمكن أن تكون محملة بمسائل الرغبة، فقد يدعي الناس مثلا، أنهم يقرأون أكثر مما يفعلون، أو أنهم يستحمون كثيرا عكس ما يفعلون، أو أنهم يقضون وقتا كثيرا مع أطفالهم على عكس ما يحدث في الواقع. إن فضاء المقابلة المحايد يشجع على تقاسم حتى الأشياء التي لا يكون مرغوب فيها اجتماعيا.

 

كيف يمكن تحقيق مثل هذا الحياد؟ الألفة لا غنى عنها، كما أن عدم تقديم أنفسنا كمثاليين هو أيضا مفيد. هناك أيضا بعض التقنيات العملية للتخفيف من الأشياء غير المرغوب فيها (انظر أيضا Dὅrnyei, 2003)، مثل

صياغة السؤال بطريقة توحي بأن السلوك هو بالأحرى شائع (على سبيل المثال، ‘حتى المعلمين القائمين بواجبهم على أكمل وجه يقومون أحيانا بـ … ‘)؛ أو استخدام السلطة لجعل سلوك أو قضية حساسة تبدو مبرره (على سبيل المثال، ‘كثير من الباحثين يعتقدون الآن أن … ‘)؛ أو تضمين الأسباب التي تفسر السلوك (على سبيل المثال، ‘هل جدولك المزدحم يمنعك أحيانا من … ‘)؛؟ أو الاعتماد ببساطة على نهج عرضي (على سبيل المثال، “هل حدث لك وأن …؟).

 

وتجدر الإشارة إلى أن هناك جدل في أدبيات البحث النوعي يتعلق بقضية الحياد (لمزيد من التحليل، أنظر Kvale, 2006)، وعلى سبيل المثال يؤيد فونتانا وفراي (Fontana and Frey, 2005: 696) اجراء “المقابلات الودية” التي يأخذ فيها الشخص الذي يجري المقابلة موقفا ما. ويرى المؤلفان أن هدف الحياد العلمي في جلسة المقابلة هو “خيالي إلى حد كبير” لأن إجراء المقابلات ليس مجرد تبادل حيادي لطرح الأسئلة والحصول على إجابات، وإنما هو تبادل اجتماعي مشترك يكون فيه اتخاذ موقف معين أمرا لا مفر منه. وبدون شك فإن هذا الموقف المتعاطف مفيد في التعامل مع القضايا الحساسة، ويُظهر المزيد من النزاهة لأنه يجعل القائم بالمقابلة يظهر بهيأة الحليف، ولكنّي لست متأكدا تماما كيف يمكن للمرء التصرف في المقابلة إذا كان موقفه الشخصي يتوافق تماما (أو حتى يتعارض) مع الضيف. من الواضح أن هناك حاجة إلى بعض التوازن الدقيق هنا بين الحياد الغير حكمي والفهم الحساس والموافقة.

 

حالما ننجح في إنشاء دفق المقابلة، سنحتاج إلى الحفاظ عليه بطريقة غير مزعجة. هناك عدد من التقنيات المفيدة للحفاظ على مسار المقابلة:

 

  • الردود الدافعة للاستمرار. يقوم أي مستمع متعاطف بتقديم الإشارات التعبيرية (مثل الإيماءات، والأصوات مثل “آه”، وكلمات مثل “نعم”) كجزء من التواصل العادي، كما يجب على الذي يجري المقابلة أن يبدو مستمعا متعاطفا بشكل واضح. يسلط ميلر وكرابتري (Miller and Crabtree, 1999) أيضا الضوء على الدور المهم للإيماءات الصغيرة مثل انحناءة الانتباه/ و رفع حواجب العين، والابتسامة المتعاطفة.

 

  • ردود الفعل المعززة. كما هو الحال في المحادثات العادية، فنحن بحاجة لتوفير الدعم من حين لآخر، بحيث نشير إلى أننا سعداء بطريقة سير المقابلة ونؤكد أن جهود الضيف جديرة بالاهتمام. ففي النهاية الجميع يحب الإطراء!

 

  • التعزيز السلبي. ماذا نفعل عندما لا تسير المقابلة بشكل جيد كما نعتقد؟ غالبا ما يحب الناس التحدث والانحراف بشكل مفاجئ عن الموضوع بطريقة لا تُظهر المعنى الشخصي تلقائيا، ولكنها مجرد مراوغة. اذا اعطينا ردود فعل معززة قصيرة منتظمة (على سبيل المثال، ايماءة هز الرأس، آه)، ثم الامتناع عنها ببساطة واستبدالها بسؤال اعتراضي أو تحول في موقفنا، قد يكون كافيا كإشارة تنبيه للعودة إلى المسار الصحيح. بدلا من ذلك، كما يوضح باتون (Patton, 2002)، يمكن أن نستخدم بعض العبارات الذكية غير العدائية للمقاطعة وإعادة التركيز (على سبيل المثال، ‘اسمح لي أن استوقفك هنا للحظة والعودة لما قلته سابقا للتأكد من أنني فهمتك جيدا’).

 

  • تشجيع التوسع. في الحالات التي يكون فيها الضيف غير مستعد لتقديم المعلومات حول موضوع معين، يمكننا استخدام التحقيقات المختلفة (التي ناقشناها في قسم أنواع الأسئلة ومسائل الصياغة)، بما في ذلك “التحقيقات الصامتة” التي تنطوي على البقاء صامتا للإشارة إلى أننا ننتظر أكثر من ذلك. تتضمن الدعوات المباشرة للتوسع الصدى الفوري (تكرار الكلمة الأخيرة التي قالها الضيف)، إعادة الصياغة الاستدلالية أو التلخيص التأملي وأسئلة التوضيح. كما ذكرنا أعلاه، التقنية الشائعة هي اتخاذ كلمة محتوى بارزة مستخدمة من قبل الضيف المشارك وتكرارها بلهجة استفهامية أو سؤال الشخص الضيف لتوضيح ذلك.

 

  • أجهزة تركيز الانتباه. نحتاج في المقابلة الطويلة لتجديد اهتمام المشارك، وإعادة تركيز الردود. يمكن لتعليق يلفت الانتباه قبل السؤال أن يحقق ذلك؛ قد يكون هذا التعليق متعلق بأهمية وصعوبة السؤال أو أي خصائص أخرى (مثلا، ‘هل لي أن أسألك الآن حول مسألة هامة للغاية ولكن التحدث عنها ليس بالأمر السهل … ‘). من المفيد أيضا الابلاغ عن الانتقال و البيانات التمهيدية قبل تناول أي قضية جديدة لأن هذا الإشعار المسبق سيساعد على خلق الاعتقاد أو الصورة المناسبة.

 

إنهاء المقابلة

يمكننا الاشارة إلى اقتراب نهاية المقابلة تقترب باستخدام تحركات ما قبل الانتهاء مثل تلخيص أو إعادة سرد النقاط الرئيسية في المناقشة. لهذه الخطوة أيضا أهمية تتعلق بالمحتوى، لأنها تسمح للضيف بتصحيح أي شيء قد نكون أسأنا فهمه، واضافة أي نقاط أخرى. في الواقع، كما ناقشنا في دليل مقابلة، قد نرغب في إعطاء المشارك فرصة واضحة لإبداء أي ملاحظات مرتبطة مهمة لم يتم تغطيتها في بقية المقابلة ( ‘ليس لدي أي أسئلة أخرى، هل لديك أي شيء تريد مناقشته، أو السؤال عنه، قبل أن ننهي المقابلة؟’ (Kvale, I996: 128). سواء فعلنا ذلك أم لا، يجب أن نكون حريصين على عدم إنهاء المقابلة بموضوع صعب، مثلما هو الحال في امتحانات اللغة الشفوية، وسنكون بحاجة لتضمين مرحلة الخمود النهائية عن طريق توجيه الضيف نحو التجارب الإيجابية. يسمي كفال (Kvale) هذه الوظيفة بالاستجواب ويعتبرها أساسية نظرا لأن الضيف عبر عن نفسه بانفتاح وربما يكون قد كشف معلومات شخصية حساسة. لذلك، سنحتاج في هذه المرحلة النهائية إلى إعادة التعبير عن امتناننا واحترامنا، ومناقشة الطرق التي سنستخدم بها المادة وكيفية البقاء على اتصال في المستقبل.

 

نقاط القوة والضعف في المقابلات

المقابلة هي وسيلة جمع معلومات طبيعية ومقبولة اجتماعيا يرتاح إليها معظم الناس ويمكن استخدامها في مجموعة متنوعة من الحالات، بحيث يمكنها التركيز على موضوعات متنوعة لإنتاج بيانات متعمقة. يسمح حضور الذي يجري المقابلة بطرق مرنة، والتحقيق في أي قضية جديدة ناشئة، بينما يساعد دليل المقابلة على الحفاظ على تغطية شاملة للمجال. بسبب المظهر الاجتماعي لإجراء المقابلات، فسيكون لدى معظمنا عدة نماذج جيدة للذي يجري المقابلة في أذهاننا، وبالتالي من المرجح أن يتمكن الباحث المبتدي من الحصول على بيانات غنية في مقابلاتهم الأولى.

 

نقطة الضعف الرئيسية في المقابلات هي أن إعدادها وإجرائها يحتاج يستهلك الوقت، وأنها تتطلب مهارات التواصل الجيد من طرف الذي يجري المقابلة،  وهذا الشيء لا يتمتع به الجميع بشكل طبيعيا. وبما أن شكل المقابلة لا يسمح بعدم الكشف عن الهوية، فإن هناك فرصة بأن يحاول المشارك عرض نفسه بطريقة أفضل مما هو عليه في الواقع. كما يمكن أيضا أن يكون الضيف المشارك خجول جدا ويعجز عن توفير بيانات كافية، أو يمكن أن يكون مطنب جدا، ويقوم بتوليد الكثير من البيانات قليلة الفائدة.

 

 

مقابلات جماعات التركيز

أحيانا يتم التعامل مع مقابلات جماعات التركيز على انه فرع من المقابلات، ولكن لأن شكل ودور القائم بالمقابلة يختلف إلى حد كبير في عملية إجراء المقابلة، فإننا نرى أنه من الأنسب الفصل بين هذين الطريقتين. مقابلات مجموعات التركيز، كما يوحي اسمها، تكون على هيئة مجموعة يقوم فيها من يجري المقابلة بتسجيل ردود مجموعة صغيرة (تتكون عادة من 6 إلى 12 عضو). من الواضح أن هذه الطريقة تعتبر وسيلة اقتصادية لجمع كمية كبيرة نسبيا من البيانات النوعية، ولذلك نجد أن مجموعات التركيز تُستخدم لأغراض متنوعة في مجالات مختلفة كثيرة. يأتي الاسم أصلا من أبحاث السوق ولكن الآن يتم استخدام المصطلحات “مقابلة مجموعة التركيز”، و “مقابلة المجموعة” بالتبادل. أصبحت هذه الطريقة مألوفة لجمهور العامة بعدما بدأت الأحزاب السياسية في استخدامها لقياس ردود فعل الناخبين حول بعض سياسات التخطيط، بالاضافة إلى أنها (مقابلات المجموعة) غالبا ما تعرض على القنوات التلفزيونية.

 

ويستند تصميم مجموعة التركيز على الخبرة الجماعية بإثارة أفكار مجموعة، حيث يقوم المشاركين بالتفكير معا، ويلهمون ويتحدون بعضهم البعض، ويتفاعلون مع القضايا والنقاط الناشئة من المناقشة. يسفر هذا التفاعل داخل المجموعة عن بيانات ذات جودة عالية لأنه يخلق بيئة تعاونية تؤدي إلى نقاشات عميقة وثاقبة. تسمح هذه الطريقة أيضا بالحصول على درجات مختلفة من التنظيم وفقا لمدى اعتماد الباحث على دليل المقابلة بدلا من إعطاء المشاركين الحرية لمناقشة بعض الموضوعات الواسعة. كما هو الحال في المقابلات الفردية، فإن مقابلة مجموعة التركيز شبه المنظمة هي الشكل الأكثر شيوعا لأن الباحث يطرح فيها كلا من الأسئلة المفتوحة والمغلقة.

 

خصائص مجموعات التركيز

حجم مجموعة التركيز يتراوح من 6 إلى 10 أشخاص (وأحيانا 12). إذا كان العدد أقل من ستة أشخاص، فإن ذلك سيحد من إمكانات الحكمة الجماعية، بينما يتسبب العدد الكبير في صعوبة مشاركة الجميع. ولذلك هناك سؤالين تقنيين رئيسيين يجب الإجابة عليهما عند تصميم دراسات مجموعة التركيز. هذين السؤالين هما: (أ) هل ستتضمن المجموعة أناس متجانسين أو غير متجانسين؟ و(ب) كم سيكون هناك مجموعة؟

 

  • التكوين: على الرغم من أن العينات غير المتجانسة التي تتكون من أناس مختلفين يمكن أن تكون مفيدة نظريا في توفير البيانات المتنوعة والغنية التي تغطي جميع الزوايا، فقد وجد أن ديناميات مجموعة التركيز تعمل بشكل أفضل مع العينات المتجانسة. ولذلك، من أجل الحصول على مجموعة واسعة من المعلومات، فإن الاستراتيجية المعتادة هي أخذ العديد من المجموعات التي تختلف فيما بينها، ولكن كل منها يتكون من أُناس متشابهين. هذا عادة ما يشار إليها باسم التجزئة (segmentation)، وهي تنطوي على التجانس داخل المجموعة، والتباين بين المجموعات في العينة.

 

  • عدد مجموعات التركيز: الممارسة القياسية هي وجود عدة مجموعات تركيز في أي مشروع بحثي. يمكننا بهذه الطريقة تخفيف أي نتائج خاصة قد تظهر بسبب بعض العوامل الداخلية أو الخارجية غير المتوقعة التي تؤثر على ديناميات المجموعة. وبالتالي، من أجل تحقيق اتساع وعمق كاف للمعلومات، يكون من المستحسن عادة أن يشمل المشروع من 4 إلى 5 مجموعات كحد أدنى، مع إضافة مجموعات قليلة أخرى إذا أمكن.

 

إجراء مقابلات مجموعات التركيز

عادة ما يُشار إلى الشخص الذي يُجري مقابلات مجموعات التركيز باسم ‘المشرف’، وهذا الاسم الخاص يعكس حقيقة أن دور الباحث يختلف عن دوره في المقابلات الفردية. على الرغم من أنهم لا يزالون بحاجة لطرح الأسئلة، فإنهم أثناء جلسة المقابلة يحتاجون أكثر للعمل كميسرين للمناقشة وليس كأشخاص يجرون المقابلات بالمعنى التقليدي للكلمة. ولما أن ديناميكية مجموعات التركيز هي أحد الميزات الفريدة لهذه الطريقة، فإن دور الباحث سينطوي حتما على بعض وظائف القيادة الجماعية، بما فيها التأكد من أنّ لا أحد يسيطر على الموقف، حتى يمكننا التأكد من أن حتى أكثر المشاركين خجلا لديه فرصة في التعبير عن وجهة نظره. وبالإضافة إلى ذلك، يحتاج المشرفين لمنع أي رأي جماعي مهيمن أو مثبط (أو تفكير جماعي) من النشوء عن طريق تشجيع التفكير الناقد والنشط لأعضاء المجموعة (Dὅrnyei and Murphey, 2003). وبسبب هذه المسؤوليات المتعددة، فإن منهجيي البحث عادة ما يتفقون على أن مجموعة التركيز ستكون جيدة بقدر ما يكون مشرفها.

 

إذن، الإشراف على مجموعة التركيز قد يكون مهمة صعبة، لا سيما في ضوء حقيقة أن لقاء مجموعة التركيز يمكن أن يدوم لأكثر من ثلاث ساعات (على الرغم من أن الزمن المعتاد هو بين ساعة أو اثنتين). تبدأ العملية بالمرحلة التمهيدية، التي يرحب فيها المشرف بالمشاركين، ويحدد الغرض من المناقشة ومعالم المقابلة من حيث الطول والسرية. يجب على الباحثين في هذه المرحلة أيضا قضاء بعض الوقت في شرح لماذا يتم تسجيل المقابلة وأي نوع من القضايا الفنية قد تثيرها في المناقشة الجماعية (لا سيما الحديث في وقت واحد). وأخيرا، من المهم التأكيد على أن المناقشة حول وجهات النظر الشخصية، وبالتالي ليس هناك إجابات صحيحة أو خاطئة.

 

تتبع المناقشة الفعلية دليل المقابلة بتوسع، ولكن حتى الدليل شبه المهيكلة لا يحتوي عادة على أكثر من 5 إلى 10 أسئلة مفتوحة واسعة مرفقة ببضعة أسئلة مغلقة. فبعد كل شيء، قوة هذا النوع من المقابلات تكمن في النقاش الذي ينبثق عن موضوع واسع. يمكن للمشرف. يمكن لمشرف مقابلة مجموعة التركيز أن يوجه المناقشة باستخدام التحقيقات، كما أن لغة الجسد والإشارة تعتبر أجهزة فعالة للسيطرة على تدفق النقاش والمحافظة على تركيز المجموعة. كما يجب توخي الحذر أيضا للسماح بالتعبير عن الآراء الغير مرغوب فيها اجتماعيا لأن المشاركين في جلسة مجموعة تركيز قد يكونون مترددين أكثر في مشاركة الإجابات غير المفضلة مما يكون عليه الحال في المقابلات الفردية.

 

في المرحلة الختامية، يحتاج المشرف إلى التساؤل عما إذا كان هناك أي مشاكل أو مخاوف تتطلب مزيدا من المناقشة أو لم يتم معالجتها. ونظرا للطبيعة الجماعية لجلسة المقابلة، فإننا سنحتاج أيضا لمرحلة تلخيص قصيرة نهائية وبعض ردود الفعل الإيجابية بحيث لا يترك أي مشارك الجلسة وهو غير مقتنع بنفسه أو بالصورة الاجتماعية التي تبنّاها.

 

نقاط القوة والضعف في مقَابَلات مجموعات التركيز

كما ناقشنا أعلاه، مقَابَلات مجموعات التركيز لها استخدامات متعددة، ويمكن استخدامها في مجالات كثيرة تمتد من أبحاث السوق إلى استقصاء الآراء السياسيِة، كما تستخدم أيضا في المجال التربوي لتقييمِ البرامجِ ومدى فعالية مادة معينة لفهم الجوانب الجيدة وتلك التي لا تؤدي غرضها والسبب في ذلك. عادة لا يمانع الناس عادة في  المشاركة في مجموعات التركيز (وفي الحقيقة، فهم يميلون إلى إيجاد جلساتها ممتعِة ومحفزة)، كما أن المقابلات تسفر عن بيانات غنيةَ نموذجياً. هذه المميزات مقترنة بسرعة إكمالها جعل منها طريقةَ شعبيةَ.

 

بسبب ثراء المعلومات والطبيعة المرنة لهذه الطريقة فإنها غالبا ما تستخدم في طرق البحث المختلطة. على الرغم من أنها يمكن أن تُستخدم بمفردها كطريقة بحثية، فإن هذا ليس شائعا إلا في المجالات الثابتة فيها (كأبحاث السوق)، لأن الباحثين غالبا ما يشعرون أن لديهم تحكم أكثر في المحتوى وبإمكانهم استخلاص معاني شخصية متعمقة غير محررة في المقابلات الفردية. أما في علم اللغة التطبيقي فقد تم استخدام مقابلات جماعات التركيز كثيرا لتوليد الأفكار التي ترشد تطوير الاستبيانات والمقابلات المعمقة التي تليها.

 

عيب مقابلات مجموعات التركيز أنها تحتاج تجهيزا كثيرا نوعا ما لتهيئتها، كما أن إجرائها بشكل جيد يتطلب من مسيّرها القدرة على القيام بوظائف متعددة في وقت واحد. هناك أيضا حاجة للارتجال، لأن الأسئلة التي ستطرح وفقا لدليل المقابلة تعتبر قليلة نسبيا، وبسبب كثرة المحتوى الذي ينبثق عن المناقشة الجماعية المنسقة جيدا والمسهّلة بأسئلة التحقيق. يذكر سميثسون (Smithson, 2000) قيدين فيما يتعلق بمحتوى المادة المُستخلصة يتمثلان في نشوء بعض أنواع الآراء المرغوب فيها اجتماعيا، وسيطرة بعض أنواع المشاركين على عملية البحث. النقطة المهمة الأخيرة هي أن تدوين مثل هذه المقابلات قد يكون صعبا جدا بسبب كثرة عدد الأشخاص (أي الأصوات). لهذا السبب يجهز الباحثين أحيانا تسجيلا مرئيا للمقابلات (بالاضافة للتسجيل الصوتي) حتى يستطيعوا التعرف على من يتحدث في أي وقت.

 

 

طرق الاستبطان (Introspective methods)

حاول علماء النفس منذ بدايات البحث السيكولوجي (النفسي) في نهاية القرن التاسع عشر ايجاد الطرق للحصول على معلومات حول العمليات العقلية التي لا يمكن ملاحظتها مثل الأفكار، المشاعر، والدوافع. أحد المصادر الواضحة للمعلومات حول هذه العمليات هو الفرد نفسه، حيث يُشار عادة للطرق المختلفة لاستخلاص التأملات الشخصية من المشاركين باسم طرق الاستبطان. تشمل هذه الطرق سبل مختلفة تهدف لمساعدة المشاركين على التعبير عما يجري في عقولهم أثناء اصدار حكم معين، حل مشكلة، أو تأدية مهمة. تسمى البيانات المُنتجة بهذه المنهجية بالتقرير اللفظي أو البروتوكول اللفظي، ولذلك فإن طرق الاستبطان يُشار إليها أيضا بالتقرير اللفظي أو تحليل البروتوكول (protocol analysis).

 

يجب أن نلاحظ هنا أن هناك بعض التضارب في المصطلحات في هذا المجال، لأن “التأمل” يستخدم أحيانا كمصطلح أعلى يتضمن أي شكل من أشكال التقارير الشخصية مثل اليوميات، والمقابلات، وحتى

الدراسات الاستقصائية، وعندما يتم تطبيق هذا المصطلح بشكل موسع، فإن التقرير اللفظي يُنظر إليه كفرع فقط (انظر Gass and Mackey, 2000). ولكننا عندما نتحدث نموذجيا عن طرق الاستبطان، نحن نعني عادة تقنيتين محددتين، هما التفكير بصوت عال (think-aloud) و التقارير أو مقابلات الاستعادة (retrospective reports/interviews)، وتسمى الأخيرة أيضا بالتذكر المحفز (stimulated recall). يكمن الفرق الرئيسي بين هذين النوعين من التأمل في التوقيت، حيث يتم تطبيق تقنية التفكير بصوت عال في الوقت الحقيقي، في نفس الوقت الذي يتم فيه اختبار المهمة أو العملية، أما مقابلة الاستعادة، كما يوحي الاسم، فتحدث بعد الانتهاء من المهمة أو العملية.

 

كما يوضح غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000)، فإن الافتراض الكامن وراء التأمل هو أنه من الممكن ملاحظة العمليات الداخلية، أي ما يجري في وعي الشخص، بنفس الطريقة التي يمكن للمرء أن يلاحظ بها أحداث العالم الحقيقي الخارجية. بالطبع، فإن هذه ‘الملاحظة’ تتطلب التعاون النشط من الشخص الذي نقوم بدراسة عمليات تفكيره، وهذا يعني إذن أننا نفترض أيضا أن البشر لديهم إمكانية الوصول إلى عمليات تفكيرهم الداخلية بمستوى معين، وأن بإمكانهم التعبير عنها.

 

يلاحظ إريكسون (Ericsson, 2002، أنظر أيضا Ericsson and Simon, 1987 ) أن التأمل كان موجودا في الفكر الغربي لفترة طويلة، ولكنه ظهر كطريقة للبحث العلمي في نهاية القرن التاسع عشر عندما ظهر علم النفس لأول مرة كتخصص علمي. في الواقع، اعتمد علماء النفس الأوائل بشكل كبير على التحليل الذاتي للأفكار والذكريات ولكن سرعان ما فقدت الطريقة أفضليتها لأنها اعتبرت لا يمكن الاعتماد عليها وتفاعلية (أي أنها تتداخل مع عمليات التفكير الفعلية وليس مجرد الإبلاغ عنها فقط). ولكن بعدما حل علم النفس المعرفي تدريجيا محل هيمنة السلوكية في الستينات من القرن العشرين، بدأ استخدام التقارير اللفظية مرة أخرى في البحث العلمي، وخاصة تقنية التفكير بصوت عال، حيث تم صقل وتطوير هذه المنهجية بشكل منتظم.

 

ونظرا لأهمية مختلف العمليات العقلية في انتاج اللغة، فقد اُعتبرت طرق الاستبطان ذات أهمية كبيرة في علم اللغة التطبيقي لعدة عقود (انظر Frǽrch and Kasper, I987). يشير كورموس (Kormos, 1998) إلى أن هذه الطريقة مهمة جدا في مجال بحوث اللغة الثانية لأنها يمكن أن تساعدنا على كشف العمليات الإدراكية والعمليات اللغوية النفسية التي تمكن وراء الأداء اللغوي. لأن طرق الاستبطان يمكن استخدامها لدعم وتكملة أي طريقة أبحاث أخرى تقريبا، فأنني أعتقد أن هناك مجالا كبيرا لزيادة تطبيقها في أبحاث علم اللغة التطبيقي.

 

 

طريقة التفكير بصوت عال (Think-aloud technique)

يقول إريكسون (Ericsson, 2002) الذي يعتبر أحد المدافعين الرئيسيين عن طرق الاستبطان في علم النفس، أن أوثق صلة بين عمليات التفكير والتقارير اللفظية يمكن رؤيتها عندما يُطلب من المشاركين التعبير عن أفكارهم الجارية أثناء تركيزهم على تمرين أو مهمة ما. وقد أصبحت هذه الطريقة تُعرف باسم “التفكير بصوت عال”، لأنها تنطوي على النطق المتزامن بالكلام الداخلي للشخص بدون تقديم أي تحليل أو تفسير. بالتالي فإن ما يُطلب من المشاركين هو التلفظ بالأفكار التي تشغل اهتمامهم بينما لا تزال في ذاكرة المشارك قصيرة المدى. وبهذه الطريقة، فإن الإجراء لا يغير من تسلسل الافكار التي تتوسط إكمال تمرين أو مهمة معينة، ووفقا لإريكسون، فإنها بالتالي يمكن أن تُقبل كبيانات صالحة حول التفكير.

 

يتم تسجيل البروتوكول اللفظي الناتج وبعدها يتم تحليله. من الواضح أن توفير تعليق التفكير بصوت عال ليس عملية طبيعية، وبالتالي فهي تحتاج إلى إعطاء المشاركين تعليمات دقيقة وبعض التدريب قبل التوقع منهم أن يقدروا على انتاج بيانات مفيدة. يجب اخبار المشاركين أن يركزوا على أداء مهمتهم وليس التركيز على التفكير بصوت عال، كما يجب تذكيرهم بالاستمرار في التكلم أثناء قيامهم بنشاط ما (على سبيل المثال، ما الذي جعلك تفعل ذلك؟ أو ما الذي تفكر به الآن؟). أما من حيث التدريب، فإن الباحث بحاجة أولا لتمثيل الإجراءات بمهمة أو نشاط مماثل (أو عرض شريط فيديو بوضح السلوك المطلوب) وبعد ذلك يتم إعطاء المشاركين مهام تجريبية للإحماء حتى يفهموا مغزى التقارير بدون شرح أو تبرير (انظر Cohen, 1998). يبين غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000) أنه لا تزال هناك مشكلة لم تحل بعد تتعلق بكيفية تأثير هذا النوع من التدريب على صلاحية التقرير اللفظي، لأن العبارات اللفظية قد تتأثر بالمدخلات السابقة، أي المتغيرات الدخيلة (confounding variables).

 

 

مقابلة الاستعادة أو التذكر المُحفّز

يقوم المشاركين عند استعادة الأحداث الماضية بالتعبير عن أفكارهم بعد أدائهم لمهمة أو عملية ذهنية. في مثل هذه الحالات، يجب تذكر المعلومات ذات العلاقة من في الذاكرة طويلة المدى، وبالتالي فإن صلاحية بروتوكولات الأثر الرجعي تعتمد على الفاصل الزمني بين وقوع الفكرة وتقريرها اللفظي. ويخلص إريكسون (Ericsson, 2002) أن المهام التي تكون فيها الاستجابة بعد وقت قصير نسبيا (أقل من 5 – 10 ثوان)، يكون المشاركين قادرين على التذكر بدقة، أما عند استدعاء العمليات المعرفية التي تمر عليها مدة أطول، فإن التذكر الدقيق للأفكار السابقة يزداد صعوبة . على الرغم من ماكي وغاس (Mackey and Gass, 2005) يشيرون إلى بعض دراسات التذكر الفوري في بحوث علم اللغة التطبيقي، فهم يوضحون أن هذا النوع من استعادة الأحداث الماضية يصعب تنفيذه في مجالات مثل بحوث التفاعل اللغوي. بدلا من ذلك، نجدهم يوصون بنوع آخر من الاستعادة الذي غالبا ما يشار إليه باسم التذكر المحفز أو مقابلة الاستعادة.

 

يحدث التذكر المحفز بعد وقوع عمليات التفكير المستهدفة ببعض الوقت. ومن أجل مساعدة المشاركين لتذكر أفكارهم المتعلقة بالموضوع، يتم استخدام مثير أو حافز (stimulus) معين  كدعم للتذكر (ومن هنا جاء مصطلح ‘التذكر المحفز’)، مثل مشاهدة أداء المشارك في المهمة على الفيديو، أو الاستماع إلى تسجيل لما قاله الشخص، أو إعطاء الشخص عمل مكتوب قام بانتاجه. وهكذا، فإن الفكرة الأساسية هي أن نوعا من التذكير الملموس (بصري أو سمعي) لحدث ما سيحفز التذكر إلى درجة تمكن المشاركين من الاستعادة للأحداث، وبعدئذ يعبرون عما كان يدور في عقولهم أثناء الحدث (Gass and Mackey, 2000).

 

بينما ستعاني جودة التذكر حتما من مرور الوقت بغض النظر عن طبيعة مثير التذكير، يسلط إريكسون (Ericsson, 2002) الضوء أيضا على ميزة لهذه الطريقة، حيث يبين أنها الأقل تفاعلا من جميع طرق الاستبطان، لأن عمليات التفكير المستهدفة لا تتأثر بهذا الإجراء بأي شكل من الأشكال، لا سيما إذا لم نخبر المشاركين أثناء أداء المهمة أننا سنطلب منهم تقديم تعليق بعد ذلك.

 

ولكن كيف يمكننا تحسين نوعية بيانات استعادة الأحداث؟ بناء على غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000)، ماكي وغاس (Mackey and Gass, 2005)، والدراسات الموجودة في فارش وكاسبر (Fǽrch and Kasper, 1987)، بالاضافة لتجربتي الخاصة، فيمكننا أن نقدم التوصيات التالية:

 

  • يجب أن نحاول إبقاء الفترة الفاصلة بين المهمة ومقابلة الاستعادة قصيرة قدر الإمكان. غالبا ما يحتاج الباحث أولا (على سبيل المثال، في مجال بحوث استراتيجيات التعلم) إلى تدوين وتحليل كلام المشارك لجعل جلسة التذكر لها معنى حقا، لأن مثل هذه الارتباط الشامل مع النص هو الذي يمكنه فقط أن يكشف بعض المسائل الدقيقة التي تحتاج إلى توضيح. ولكن، حتى في مثل هذه الحالات يجب أن لا تتجاوز الفترة الزمنية الفاصلة مدة يومين (ويفضل أن تكون أقل من 24 ساعة).

 

  • كلما كانت المعلومات السياقية والمحفز حول الحدث الهدف غنية، كان ذلك أفضل. لذلك، فإن الاستماع إلى تسجيل أفضل من مجرد النظر إلى نص، ومشاهدة تسجيل الفيديو أفضل من الاستماع إلى تسجيل صوتي.

 

  • يجب أن نشجع فقط تذكر المعلومات التي يمكن استرجاعها مباشرة (على سبيل المثال، ‘بماذا كنت تفكر؟’) وليس التفسيرات أو التأويلات.

 

  • يجب أن لا يتم إبلاغ المشاركين عن مقابلة الاسترجاع اللاحقة (أو التفاصيل الدقيقة لما ستتضمنه) قبل الانتهاء من المهمة بحيث لا يؤثر العلم المسبق بها على أدائها.

 

  • يبين غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000) أن التذكر المحفز لا يتطلب تدريبا مكثفا للمشارك لأن بعض التعليمات البسيطة ونموذج مباشر تكون كافية في كثير من الأحيان. يجب أن يكون الباحث حريصا على عدم إعطاء المشاركين أي تلميح غير ضروري عن أي جانب من جوانب الدراسة، لأن ذلك قد يؤثر على ردودهم.

 

  • علينا أن نحاول خلال مقابلة الاستعادة إشراك المشاركين قدر الإمكان في التطوع بالبيانات (على سبيل المثال، نطلب منهم وقف جهاز التسجيل عندما يتذكرون شيئا قد يكون مفيدا)، وحتى عندما نسلط الضوء على أجزاء للتعليق عليها (على سبيل المثال، من خلال وقف الاستماع لشريط التسجيل في النقاط المهمة)، ينبغي علينا أن نتجنب الاسئلة الاستدراجية أو أي تدخل آخر للباحث.

 

  • ينبغي أن تكون مقابلة الاستعادة بلغة المشارك الأم إذا كان ذلك ممكنا (أو باللغة التي يختارها المشارك).

 

  • يجب على الباحث تجريب إجراء استعادة الأحداث كله. يوفر غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000) عينة بروتوكولات كاملة لإجراءات التذكر المحفز في بيئة التفاعل الشفوي.

 

 

تحليل بيانات الاستبطان

لأن تقارير الاستبطان تأتي “مباشرة من فم المشارك”، فذلك لا يعني أنها ينبغي أن تؤخذ كوحي نهائي حول عمليات التفكير. بدلا من ذلك، كما يؤكد كاسبر (Kasper, 1998)، فهي تمثل معلومات حول ما يجري في عقل شخص ما عند معالجته لمهمة أو قضية، لأن العمليات المعرفية الكامنة تحتاج إلى الاستدلال من هذه التقارير اللفظية كما هو الحال مع أنواع البيانات الأخرى. وبعبارة أخرى، يجب أن ينظر إلى التقارير الشفهية فقط كأحد المصادر القيّمة من البيانات التي تحتاج إلى أن تخضع لتحليل البيانات النوعية مثلها مثل باقي أنواع البيانات النوعية الأخرى. يجادل سوين (Swain, 2006) أيضا بأن البروتوكولات اللفظية لا تبلغنا عن العمليات المعرفية فحسب، ولكنها لديها القدرة على التأثير على الإدراك أيضا. فعلى الرغم من إشراك المشاركين المكثف المطلوب في معظم التقنيات النوعية، فإن طرق الاستبطان ليست فريدة ويمكن أن تنطوي على تهديد التفاعل بين بيانات المشارك ومعالم التصميم عموما (على سبيل المثال، تأثير الباحث، تأثير الخبرة، أو تكيّف المشاركين). يحتاج الباحث إلى  أن يأخذ بعين الاعتبار أن بيانات التذكر حساسة جدا لذلك، لأن التعبير عن الأفكار يمكن أن يتوسط التطور بسهولة. وهذا يضيف عبئا أكثر إلى حقيقة أننا بحاجة إلى توخي الحذر عند تفسير بيانات الاستبطان.

 

 

نقاط القوة والضعف في طرق الاستنباط

الميزة الرئيسية لاستخدام طرق الاستنباط واضحة وهي احتمال امكانية وصول الباحث من خلال استخدامها إلى العمليات العقلية التي تعتبر أساسية، على سبيل المثال، لمعالجة وإنتاج اللغة والتي لا يمكن الوصول إليها بأي وسيلة أخرى. التقارير الشفهية متعددة الأغراض أيضا لأنها يمكن أن تستخدم في مجموعة متنوعة من المجالات. يمكن لمقابلات الاستعادة الاستفادة من محفزات متنوعة تمتد من تسجيلات الفيديو إلى النصوص المكتوبة وحتى اجابات الاختبارات أو ردود الاستبيانات. يمكن دمج التذكر مع معظم الأساليب البحثية الأخرى، وأنه “وجد عموما أنه يعزز كثيرا ثراء البيانات التي تم الحصول عليها، كما يمكنه أيضا أن يزيد إلى حد كبير من موثوقية تحليل البيانات (Kormos, 1998). على الرغم من التشكيك في موثوقية وصلاحية مقاييس الاستنباط في علم النفس، يبدو أن دراسات الاستنباط التي يتم تصميمها وإجرائها بشكل صحيح تلبي متطلبات البحث العلمي (انظر Cohen, I998; Ericsson, 2002; Gass and Mackey, 2000). وكما يخلص إريكسون، فإن الأسئلة النظرية والمنهجية التي أثيرت حول التقارير الشفهية لم تشكك أبدا في قدرة الناس على تذكر جزء من تسلسل أفكارهم، وأن جميع الأطر النظرية الرئيسية المعنية بالتفكير توصي باستخدام تسلسل الأفكار المبلّغ عنها شفهيا.

 

على الجانب السلبي، كما يلخص كوهين (Cohen, 1998) فإن نقاد طرق الاستنباط لاحظوا أن الكثير من العمليات المعرفية لا يمكن الوصول إليها لأنه تكمن في اللاوعي، ويمكن الجدل أنه حتى بعض عمليات الوعي قد تكون معقدة جدا بحيث لا يمكن الوصول إليها بالبروتوكولات اللفظية. وعلاوة على ذلك، فإن التقارير الشفهية ليست بمنأى عن تحيز الرغبة الاجتماعي، وهناك خطر من أن المعرفة الخلفية أو ‘علم النفس الشعبي’ للمشارك قد يلوث البيانات. وبالإضافة إلى ذلك، يوجد في دراسات التذكر المحفز فقدان للمعلومات لا مفر منه نظرا للفاصل الزمني بين المهمة ومقابلة الاستعادة.

 

احد أكثر المخاوف الجدية حول بيانات الاستنباط هو الآثار التفاعلية لانتاج التقارير اللفظية. يمكن أن يتداخل الإجراء مع إنجاز المهام وعمليات الفكر. ففي دراسة أجريت على تفاعل التفكير بصوت عال في الكتابة، وجد الباحثون (Stratman and Hamp-Lyons, 1994) بعض الدلائل (ولكنها ليست قاطعة) على تأثير بروتوكولات التفكير بصوت عال على تصحيح الأخطاء على المستوى التنظيمي، فضلا عن كمية ونوع تغييرات المعنى البنائية الصغرى. هذا بالإضافة إلى قلق سوين (Swain, 2006) من أن التقارير اللفظية ليست مخزونات دماغ محايدة، ولكنها عمليات استيعاب وإعادة تشكيل للخبرة.

 

 

دراسات الحالة

دراسة الحالة كما يوحي المصطلح، هي دراسة “خصوصية وتعقيد حالة واحدة” ( Stake I995: xi). لكن ماذا نقصد بحالة؟ الحالات هي في المقام الأول أُناس، ولكن يمكن للباحثين أيضا استكشاف برنامج ما بتعمق، أو مؤسسة، أو منظمة، أو مجتمع. في الواقع، يمكن لأي شيء تقريبا أن يمثل حالة طالما أنها تشكل كيان واحد بحدود واضحة المعالم. أحيانا تصف الدراسات البحثية سلسلة من حالات متعددة، وهذا أمر مقبول طالما تعتبر كل حالة منفردة هدف لدراسة منفصلة. على سبيل المثال، يمكن أن تصف دراسة حالة التعليم ثنائي اللغة في بلد ما بوجود ثلاثة مستويات على الأقل، حيث يتضمن المستوى الأول حالة واحدة، وهو البلد نفسه. وفي المستوى الثاني يقوم الباحث بدراسة ثلاث حالات متمثلة في عينة من ثلاث مدارس، أما في المستوى الثالث فيمكنه أن يشمل عدد من الحالات تتمثل في المعلمين المشاركين.

 

كيف يتم دراسة الحالات المختارة؟ يجمع باحثين دراسة الحالة عادة بين مجموعة متنوعة من طرق جمع البيانات مثل المقابلات والملاحظة وأرشيفات الوثائق. على الرغم من أن دراسات الحالة عادة ما يتم مناقشتها تحت عنوان البحث النوعي (لأن حالة واحدة لا يمكن أن تكون ممثلة لمجتمع)، إلا أن دراسات الحالة الفعلية غالبا ما تتضمن أدوات جمع البيانات الكمية أيضا مثل الاستبيانات (Verschuren, 2003). وهكذا، فإن دراسة الحالة ليست تقنية محددة بل طريقة لجمع وتنظيم البيانات من أجل تحقيق أقصى قدر من الفهم لشخصية وحدة الوجود الاجتماعي أو الكائن الذي يتم دراسته. ومن نواح كثيرة، تعتبر دراسة الحالة أفضل طريقة نوعية تركز على الفرد بعينه.

 

الملامح الرئيسية لدراسة الحالة

يميز ستيك (Stake, 1995, 2005) يميز ثلاثة أنواع من دراسة الحالة:

 

(أ) دراسة الحالة النموذجية التي يتم إجرائها لفهم الطبيعة المثيرة لحالة معينة. وهذا يعني أن الحالة مهمة ليس لأنها توضح شيئا ما أو تمثل حالات أخرى، ولكن نظرا لقيمتها الخاصة أو خصوصيتها.

 

(ب) دراسة الحالة المساعدة التي يقصد منها توفير نظرة ثاقبة حول قضية أوسع، أما الحالة نفسها فهي ذات اهمية ثانوية، وهي فقط لتسهيل فهمنا لشيء آخر.

 

(ج) دراسة الحالة المتعددة أو الجماعية التي لا يكون فيها اهتماما بحالة واحدة بعينها، حيث يتم دراسة عدد من الحالات معا من أجل التحقيق في ظاهرة أو حالة عامة. وبالتالي، فإن دراسة الحالة المتعددة، هي في الواقع دراسة حالة مساعدة موسعة للعديد من الحالات. وكما تصف داف (Duff, 2006) أحد كبار باحثين دراسة الحالة في علم اللغة التطبيقي، فإن معظم طلابها يجرون دراسات الحالة على 4 – 6 مشاركين رئيسيين في موقع واحد أو أكثر. يمكن اعتبار هذا الشكل من دراسة الحالة المتعددة نموذجيا توعا ما. وتوضح داف أن اختيار ست حالات يعني في البداية أنه حتى إذا كان هناك إنقطاع بين المشاركين (وعادة ما يكون موجود)، فمن المرجح أن تبقى من 3 إلى 4 حالات.

 

بسبب المعلومات المفصلة التي نود جمعها حول الحالة، فإن الباحثون عادة ما يقضون فترة زمنية طويلة في دراسة الحالة في محيطها الطبيعي. لذلك، فإن دراسات الحالة غالبا ما تكون طولية في طبيعتها على الأقل جزئيا. يمكن خلال هذه الفترة استخدام أي نوع من طرق البحث التي يمكن أن تسفر عن بيانات محددة عن الحالة. إذا كانت الحالة ليست فردا، ولكنها مؤسسة مثلا، فإن هذا قد يؤدي إلى كم هائل من البيانات، ولكي نبقى على علم بكل التفاصيل، فقد يكون من المفيد أن يكون هناك خطة لجمع البيانات تُعرف الحالة، وأسئلة البحث، ومصادر البيانات، وتخصيص الوقت.

 

قضية التعميم

التحفظ الرئيسي حول دراسات الحالة، وخاصة إذا كانت تخص أفراد وليس كيانات اجتماعية، هو تعميمها. كيف يمكن لمعرفة قادمة من مصدر واحد منفرد أن تكون ذات أهمية أوسع؟ كما رأينا أعلاه فإن البحث النوعي لا يهتم بشكل واضح بالتعميم ما دام الباحث يعتقد أن المعنى الفردي تم الحصول عليه من عينة متسمة بالبصيرة وتنويرية. ومع ذلك، هناك فرق نفسي كبير بين الثقة في دراسة نوعية صغيرة الحجم (بغض النظر عن حجم العينة) ودراسة حالة منفردة. ونتيجة لذلك، فإن هذه المسألة هي موضوع نقاش ساخن في الأدبيات وتتطلب المزيد من الانتباه هنا أيضا.

 

كما رأينا أعلاه، في دراسات الحالة الجوهرية فإن الحالة تمثل ميزة فريدة لم تفهم بعد، مما قد يفسر ليس للباحث فقط ولكن لجمهور الأبحاث أيضا أهمية الحالة لفهمنا العام لمجال أوسع. على سبيل المثال، سيشكك القليل من الناس في فائدة دراسة حالة لفرد له قدرات لغوية خاصة جدا ولكن مهاراته العقلية أقل من المتوسط، ​​ أو أن دراسة حالة لمتعلم لغة موهوب ستكون مجدية وأنهما مطلوبتين على نطاق واسع في علم اللغة التطبيقي. دراسات الحالة المتعددة هي أيضا لها صلاحية مرضية بسبب إمكانية المقارنة التي تتميز بها. القضية الحقيقية، إذن، هي ما سماه ستيك (Stake, 1995, 2005) دراسة الحالة المساعدة التي نقوم فيها بدراسة حالة للحصول على نظرة ثاقبة حول مسألة أعم. هناك نقطتين يجب فهمهما هنا:

 

  • التعميم التحليلي: تشير داف إلى أنه بالرغم من أن مفهوم التعميم يقصد به عادة التعميم على المجتمعات، فإنه يمكن أيضا أن يشير إلى التعميم على النماذج النظرية، مما يؤدي إلى التعميم التحليلي. يندرج الكثير من الدراسات المبكرة في علم اللغة التطبيقي (انظر القسم التالي) تحت فئة دراسات الحالة المساعدة، وهي تمثل هذا النهج بشكل جيد لأنها أدت إلى صياغة العديد من المبادئ والنماذج النظرية التي لا تزال تعتبر ذات أهمية اليوم.

 

  • أخذ العينات الهادفة: عند إجراء دراسات الحالة المساعدة تعتبر القضية الرئيسية الكامنة وراء الأهمية الأوسع للبحث هي استراتيجية أخذ العينات التي تؤدي إلى اختيار حالة معينة. في الواقع، إن اختيار الحالات وأخذ العينات هي من بين أكثر الاعتبارات أهمية في مجال بحوث دراسة الحالة. وقد عرضنا أعلاه مختلف استراتيجيات أخذ العينات النوعية التي تندرج تحت الفئة الأوسع من أخذ العينات الهادفة؛ التي إذا ما أجريت بشكل جيد، فإن العديد من هذه الاستراتيجيات ستقود إلى اختيار حالات يمكن أن يكون لها الكثير لتقدمه لمجتمع البحوث الأوسع، وخاصة من حيث التصورات والمقترحات الأصلية. وهذا ينطبق بشكل خاص، كما يؤكد بنش (Punch, 2005) في المجالات التي تعتبر معرفتنا فيها ضحلة، متجزأة، غير مكتملة، أو غير موجودة.

 

وهكذا، فإن دراسات الحالة التي تتبع أخذ العينات الهادفة مع التعميم التحليلي يمكن أن تقدم نتائج صالحة مثل أي طريقة أبحاث أخرى. من ناحية أخرى، يؤكد بنش (2005) أيضا أن القيمة المحتملة لدراسات الحالة المتعمقة لا يعني أننا يجب أن لا نكون منتقدين لبعض الدراسات المستقلة التي تعتبر وصفية للغاية أو التي تم دمجها بدون كفاءة في الدراسة الأوسع للموضوع، أو التي تدعي من نتائجها أكثر مما يمكن أن تحتويه أو تتحمله البيانات.

 

 

دراسات الحالة في بحوث علم اللغة التطبيقي

تقدم المراجعات الأخيرة لدراسات الحالة (van Lier, 2005) أدلة مقنعة على أن نهج دراسة الحالة كان مثمرا ومؤثرا للغاية في علم اللغة التطبيقي. في الواقع، كما يشير فان لير فإن التخصص كله استند على نتائج الموجة الأولى من دراسات الحالة من متعلمي اللغة في السبعينات والثمانينات التي قام بها باحثين مثل هاتش، شميت، شومان، و ونغ-فيلمور (Hatch, Schmidt, Schumann, and Wong-Fillmore). لا زال يستشهد بهذه الدراسات على نطاق واسع في الأدبيات لأنها ساعدت على تشكيل تفكيرنا الجماعي بطرق ملموسة.

 

لم تفقد دراسات الحالة أهميتها بعد أن تم وضع أسسها ودخلت بحوث علم اللغة التطبيقي في مرحلة جديدة من صقل الملاحظات العامة التي قدمها علماء الجيل الأول. وكما وضحنا أعلاه، فإن البحث النوعي قادر بشكل فريد على توثيق وتحليل التأثيرات السياقية الواقعة على اكتساب اللغة واستخدامها، فضلا عن الاختلافات الطفيفة في هويات المتعلم والمعلم  التي تظهر أثناء عملية تعلم وتعليم اللغة. تبنى باحثين دراسة الحالة (على سبيل المثال، Duff, Han, Lam, McKay, Norton, Sarangi, Toohey and colleagues) مجموعة واسعة من المواضيع ذات الصلة، من العرق والجنس إلى عضوية المجتمع والوضع الاجتماعي، وذلك من خلال الاستفادة من الطبيعة الطولية لمنهجية دراسة الحالة ونجحوا في خلق فهم جديد للكيفية التي يختبر وينظر بها  المشاركين إلى اكتساب اللغة الثانية، والأثار التي تركتها نشاطاتهم على تطور لغتهم الخاصة. يشير فان لير (Van Lier, 2005) إلى أن المجال الذي يعتبر حاليا في أمس الحاجة لبحوث دراسة الحالة هو دور التكنولوجيا في اكتساب اللغة الثانية، على سبيل المثال، تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب.

 

لتوضيح أنواع بحوث دراسة الحالة، سنقوم بسرد بعض المشاركين النموذجيين لهذه الدراسات: الأطفال وصغار السن في المنازل والمدارس أحادية وثنائية اللغة، طلاب الأقليات والمراهقين والكبار من المهاجرين، الطلاب الدارسين في الخارج، والبالغين الذين يتعلمون لغة إضافية أو يفقدون لغة قائمة، والمتعلمين الاستثنائيين…الخ. أما المجالات التي تمت معالجتها شملت المواضيع التالية البارزة (Dὅrnyei, 2007:154-155) تغطي اكتساب الطفل للغة ، ثنائية اللغة، العائلات ثنائية اللغة، الازدواجية الثقافية ، فقدان اللغة، ترتيب التطور، الهوية، الاستثمار، الجنس، وقوف تعلم اللغة عند حد معين، عملية التنشئة، اجتماعية اللغة، ومجتمعات الخطاب عبر الحاسوب، ونشاط المعلمين، الخ. وهكذا، فمن الواضح أن منهجية دراسة الحالة كانت مناسبة للاستخدام في سياقات وموضوعات متنوعة منذ نشوء حقل علم اللغة التطبيقي إلى اهتمامات البحث الحالية.

 

 

 

نقاط القوة والضعف في دراسات الحالة

دراسة الحالة هي طريقة ممتازة للحصول على وصف مكثف لقضية اجتماعية معقدة داخل سياق ثقافي. إنها تقدم أفكارا غنية وعميقة لا يمكن لأي طريقة أخرى أن توفرها، مما يسمح للباحثين بدراسة كيف يمكن لمجموعة معقدة من الظروف أن تتجمع وتتفاعل لتشكيل العالم الاجتماعي من حولنا. عند إجرائها بشكل جيد، فإن دراسات الحالة تُظهر درجة عالية من الكمال، وعمق التحليل وسهولة القراءة، كما أنها فعالة في توليد الفرضيات الجديدة، والنماذج، وفهم الظواهر الهدف. وبالتالي، فهي طريقة يُنصح بها لاستكشاف المناطق المجهولة أو لفهم إشكاليات بحث معينة، بل ويمكنها أن توفر فهم ليس له مثيل للعمليات الطولية. وكما يُلخص فان لير (van Lier, 2005: 195)، فقد “أصبحت بحوث دراسة الحالة طريقة رئيسية لبحث التغيرات في الظواهر المعقدة مع مرور الوقت. العديد من العمليات التي تم البحث فيها في دراسات الحالة لا يمكن بحثها بشكل كاف بأي من الطرق البحثية المعروفة الأخرى”.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فالجدير بالملاحظة بشكل خاص من وجهة نظر هذا الكتاب، فإن دراسة الحالة مناسبة بشكل مثالي لدمجها مع طرق البحث الأخرى (دراسة مسحية مثلا) في دراسات البحوث المختلطة. في الواقع، لقد استخدمت دراسات الحالة بشكل متزايد في دراسات الطرق المختلطة مثل تقييم البرامج.

 

وفيما يتعلق بنقاط ضعفها، فإن منهجية دراسة الحالة غالبا ما يتم مقارنتها سلبيا مع الطرق التجريبية الكبيرة، حيث تكون نقاط القوة في أحدهما نقاط ضعف في الأخرى. هذا المقارنة غير مناسبة وغير عادلة لأن كلا المنهجيتين تُستخدم لتحقيق أهداف مختلفة. ومع ذلك، وجود حالة واحدة له بعض القيود، ولأن دراسة حالة هي النموذج الأولي للبحث النوعي، فإن العديد من أوجه القصور المحتملة للنهج النوعي المذكورة يمكن سردها هنا. لذلك بسبب التجريح الكبير لهذه الطريقة من حيث عدم القدرة على التنبؤ وانتقاد الجمهور، فننصح في معظم الحالات باستخدام (أ) تصاميم الحالات المتعددة أو (ب) دراسات الحالة مصحوبة بطرق أخرى.

 

 

دراسات اليوميات (Diary studies)

لقد استخدمت اليوميات منذ مئات السنين لتسجيل أحداث حياة الناس اليومية، ولكن دراسة المذكرات كطريقة لجمع البيانات اُستخدمها الباحثين الاجتماعيين منذ سبعينيات القرن الماضي فقط. تم توظيف طرق المذكرات اليومية أولا في مجال علم النفس لدراسة العواطف والمزاجية في تجارب المواقف المختلفة اليومية، كما أنها استخدمت أيضا في علم النفس الأسري للحصول على بيانات حول الجوانب الحميمة لحياة الأزواج (Laurenceau and Bolger, 2005). وبشكل عام، فإن اليوميات توفر الفرصة لدراسة العمليات الاجتماعية والنفسية والفسيولوجية في مواقف الحياة اليومية، و كما يُلخص بولجر وآخرون (Bolger et al., 2003)، فإن الطلب من المشاركين في البحث الاحتفاظ بسجلات منتظمة حول جوانب معينة من حياتهم اليومية يسمح للباحث بالحصول على تفاصيل التجربة بطريقة ليست ممكنة باستخدام الطرق الأخرى.

 

ومن المهم أن نلاحظ في هذه المرحلة أن مصطلح “دراسات اليوميات” يشير عادة إلى البيانات التي تم الحصول عليها من اليوميات التي تُطلب فقط، أي من المذكرات التي يتم كتابتها خصيصا بناء على طلب الباحث، من قبل المخبر أو المخبرين (Bell, 1999). وبالطبع، قد تحتوي المذكرات الشخصية أيضا على بيانات ملائمة لبعض أغراض البحث، ولكن استخدام هذه البيانات يثير أسئلة تتعلق بأخلاقيات وصلاحية البحث، وعلى أي حال، فإن العثور على مثل هذه اليوميات العفوية عادة ما يكون غير عملي بالنسبة لمعظم الدراسات البحثية. توفر اليوميات بالطلب إمكانية الحصول على جوانب السيرة الذاتية من اليوميات الخاصة بطريقة أكثر منهجية ومتحكم بها، وبالتالي فهي تسمح “للناس بأن يُسمعوا حسب تعبيرهم” (Bell, 1999: 266).

 

لقد استخدمت اليوميات في علم اللغة التطبيقي منذ بداية الثمانينات للحصول على أوصاف شخصية لتجربة تعلم اللغة سواء من قبل المتعلمين أنفسهم أو الآباء الذين يوثقون تطور اللغة الثانية لأطفالهم (أساسا ثنائيي اللغة). كما استخدمت دراسات المذكرات أيضا في برامج إعداد المعلمين. (انظر على سبيل المثال، Bailey I990; McDonough. and McDonough I997: Chapter 8).

 

 

تسجيل مدخلات اليوميات

غالبا ما تصنف دراسات اليوميات إلى ثلاث فئات وفقا للزمن الذي تُسجل فيه المفكرات: تصميم الفاصل، تصميم الإشارة، وتصميم الأحداث (Bolger et al., 2003). يتطلب تصميم الفاصل الزمني أن يُقدم المشاركين تقريرا عن تجاربهم في فترات منتظمة محددة مسبقا (على سبيل المثال، بعد ظهر كل يوم في الرابعة مساءا). أما تصميم الإشارة فيعتمد على نوع من الإشارة مثل متصفح، ساعة يد مبرمجة أو مكالمة هاتفية لمطالبة المشاركين بتقديم تقارير يومية. وكثيرا ما يستخدم هذا التصميم عند دراسة التجارب الآنية للناس مثل الحالات النفسية (على سبيل المثال، السعادة أو التوتر). يتطلب تصميم دراسات الأحدث من المشاركين أن يقدموا تقرير شخصي في كل مرة تقع فيها حادثة معينة (مثل الالتقاء بمتحدث لغة ثانية).

النهج الأكثر شيوعا في دراسات اليوميات هو إعطاء المشاركين ورقة وقلم لتسجيل اليوميات التقليدية. يمكن للمدخلات أن تنطوي على ملء استبيان قصير أو تعبئة وصف لفظي قصير. الأول هو، في الواقع، على دراسة كمية بمقاييس متكررة عبر الاستبيانات ولن يتم مناقشتها هنا. على مدى العقد الماضي، تم استبدال يوميات الورقة والقلم تدريجيا بطرق متنوعة من أشكال جمع البيانات الإلكترونية، وذلك باستخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة المزودة ببرامج خاصة. (للحصول على مقدمة تقنية مفصلة تتضمن أيضا وصفا للبرمجيات، انظر Bolger et al., 2003). تسمح هذه التقنيات بإشارات محددة، كما إنها توفر طوابع زمنية وتاريخية للردود.

 

 

نقاط القوة لدراسات اليوميات

تقدم اليوميات مجموعة من عشر ميزات خاصة يصعب أو يستحيل تكرارها باستخدام طرق جمع البيانات الأخرى، ويتمثل أهمها فيما يلي:

 

 

  • تسمح اليوميات للباحث بالدخول لمناطق من حياة الناس الخاصة طريقة غير مزعجة، والتي ربما لا يمكن الوصول إليها بطرق أخرى (Gibson, 1995). لقد رأينا أعلاه أن البحث النوعي يتضمن دراسة الناس في بيئتهم الطبيعية، وبأقل قدر من التطفل تستطيع دراسات اليوميات تلبية هذا المطلب إلى حد كبير.

 

  • إن أحد عناصر التحقيق النوعي هو محاولة استخلاص أوصاف وتفسيرات أحداث وسلوكيات المشاركين الخاصة، ولذلك فإن المشاركين في دراسات اليوميات يصبحون باحثين مساعدين، لأنهم يسجلون مشاعرهم الخاصة، وأفكارهم، أو أنشطتهم. بالتالي فإن بيانات اليوميات هي وصف داخلي بكل معنى الكلمة.

 

  • تمكن طرق اليوميات الباحث من دراسة التطور أو التذبذب المرتبط بالزمن في الأفراد من خلال جمع البيانات في العديد من المناسبات من نفس الأفراد. وهكذا، فإن دراسات اليوميات تعتبر مناسبة للنظر في التغير الزمني في العمليات الدينامية التي تبحث على سبيل المثال في كيفية يتغير أو يستجيب الناس لمثيرات معينة. تعتبر دراسات اليوميات حساسة لمثل هذه المسائل أكثر من العديد من التصاميم الطولية الأخرى لأنها تنطوي عادة على تسجيل للبيانات بتواتر أكثر يمكنه التقاط التغيرات بدقة أكثر.

 

  • يمكن لدراسات اليوميات توفير المعلومات الأساسية المستمرة التي يمكن أن تساعد في حل الغموضالمتعلق باتجاه السببية بين المتغيرات. وفي علم اللغة التطبيقي، يذكر شميت وفروتا (Schmidt and Frota, 1986) أن اليوميات ساعدتهم مثلا على تأكيد وجود بعض الترتيبات المتعلقة باكتساب اللغة.

 

  • توفر دراسات اليوميات صيغة التقرير الشخصي الذي يقلل من الأخطاء النابعة من عدم تذكر الأشياء بشكل صحيح، لأنه عندما يقوم المشاركين بكتابة المدخلات يتذكرون الأحداث الحديثة وليس البعيدة (van Eerde et al., 2005).

 

 

نقاط الضعف في دراسات اليوميات

إذا كانت دراسات اليوميات لها كل الإمكانات الموضحة في القسم السابق، فلماذا لا نستخدمها أكثر؟ هناك على الأقل سببين رئيسيين لاندثار دراسات اليوميات في علم اللغة التطبيقي. احدها ببساطة هو أن هذ الطريقة جديدة نوعا ما، وبالتالي فهي لم يتم تغطيتها حتى الان في دورات ونصوص طرق ومناهج البحث القياسية. لذلك، فإن الكثير من الباحثين ليسوا على دراية بها بشكل كاف ليعتبروها خيارا واقعيا عند إعداد تصاميم أبحاثهم. والسبب الآخر هو أن لدى الطريقة بعض نقاط الضعف الخطيرة التي تجعل الباحثين يفكرون مرتين قبل محاولة استخدامها. تتمثل نقاط ضعف هذه الطريقة في الآتي:

 

  • القيد الأول والأكثر وضوحا لدراسات اليوميات هو أن المشارك لا يحتاج فقط إلى أن يكون قادر على القراءة والكتابة، ولكنه يجب أن يكون أيضا مرتاح فعلا في كتابة اليوميات. وكما يشير جيبسون (Gibson, 1995)، فإن أحد الطرق للتغلب على مشكلة الأمية هي السماح للمشارك بتسجيل مذكرات صوتية أو مرئية.

 

  • أما المصدر الثاني للضعف هو أن دراسة اليوميات تتطلب كثيرا من المشارك. أولا وقبل كل شيء، فهي تتطلب دورة تدريبية مفصلة لضمان أن المشاركين يفهمون البروتوكول تماما. ثانيا، لإنتاج بيانات منتظمة ذات جودة عالية، يجب أن تحقق دراسات اليوميات مستوى التزام وتفاني من طرف المشاركين نادرا ما يكون مطلوب في أنواع البحوث الأخرى (Bolger et al., 2003). أحد الحلول لمعالجة المشكلة هو تقليل الوقت اللازم لاستخدام أداة اليوميات، ولكن من الواضح أن هذا سيكون على حساب ثراء مجموعة البيانات الناتجة عنها.

 

  • هناك قصور آخر يبدو تافها ولكنه في الممارسة الفعلية يعتبر خطير وهو أن المشاركين عرضة للسهو حيث يفشلون في تذكر أوقات الاستجابة المقررة أو يفشلون في جعل اليوميات في متناول اليد (Bolger et al., 2003). بدلا من ذلك، فإنهم قد يكونون متعبين للغاية أو ببساطة ليسوا في مزاج لكتابة المدخلات المقررة. وهذا، بطبيعة الحال، يمكن أن يفسد الفائدة الرئيسية من اليوميات، وقدرتها على تسجيل معلومات دقيقة في الوقت الحقيقي.

 

  • كما وجد أن طول وعمق المفكرات اليومية يُظهر تباينا كبيرا. جيبسون (Gibson, I995)، على سبيل المثال، يستعرض دراسات أظهرت تراجع مستمر في سرد ​​الأحداث مع مرور الوقت. كما أن هناك انخفاض أيضا، وذلك لأسباب واضحة، في مدخلات اليوميات خلال الأحداث المجهدة، على الرغم من أن هذه الأحداث قد تكون ذات أهمية خاصة من وجهة نظر الباحث.

 

 

اقتراحات عملية لتسهيل دراسات اليوميات

على الرغم من كل المشاكل التي قد تترافق مع دراسات اليوميات، إلا أنه يمكن استخدامها غالبا بنتائج جيدة في بحوث علم اللغة التطبيقي. لذلك، سنقدم للقارئ فيما يلي بعض النقاط العملية لتسهيل هذه الممارسة:

 

  • الفوائد المتعددة لدراسات اليوميات تبرر في كثير من الحالات على الأقل محاولة لتنفيذ دراسة اليوميات. لقد رأيت أمثلة مشجعة لدراسات يوميات ناجحة في سياقات تعليمية كان الباحثون فيها على اتصال منتظم مع المشاركين (على سبيل المثال، كانوا هم أو زملائهم ومساعديهم في البحوث يدرسون المشاركين).

 

  • جرب الباحثون طرق مختلفة لزيادة دوافع المشاركين لكي يستمروا في الدراسات ويدونوا مدخلات يومية ذات جودة عالية في الوقت المحدد. (انظر Bolger et al., 2003; Gibson, I995). أولا، يمكن جعل الإجراءات مريحة وسهلة قدر الامكان، وذلك من خلال توفير دفاتر يوميات محمولة في الجيب تُطبع فيها تواريخ وأوقات الردود المتوقعة مسبقا على أوراق المذكرات من أجل إبقاء المشاركين على المسار الصحيح. كما يمكن جعل بعض دراسات اليوميات منظمة أكثر عن طريق إضافة أسئلة رئيسية مثل، متى؟ أين؟ ماذا؟ من؟ على صفحات اليوميات. ثانيا، وجد أن الفحص المتكرر بلطف، وإذا لزم الأمر، “دفعة” من مساعد باحث لديه علاقة جيدة مع المشارك تكون مفيدة. ثالثا، استخدم الباحثون في بعض الحالات المكافآت كحافز لتعزيز الامتثال، بحيث يمكن أن يكون الحافز إما على هيئة نقود أو هدية رمزية.

 

  • وأخيرا، حتى لو كانت هناك ثغرات في مدخلات اليوميات، فيمكن أن تُملأ في مقابلات المتابعة. في هذه الحالة تكون مدخلات اليوميات لها وظيفة مماثلة لتحقيقات التذكر المكتوبة أو السمعية التي تُستخدم في منهجية التذكر المحفز.

 

 

مذكرات البحوث (Research journals)

 

المذكرات البحثية هي اليوميات التي يحتفظ بها الباحثون أنفسهم أثناء القيام بمشروع بحثي وليست تلك التي يدونها المشاركين في الدراسة حول موضوع البحث (التي نوقشت في القسم السابق). لجعل هذا التمييز واضح، سنشير إلى ملاحظات الباحث بالمذكرات على الرغم من استخدام مصطلحي “اليوميات” و “المذكرات” كمرادفات في الأدبيات. يوصى في البحوث الاجتماعية بأن يقوم الباحث بالاحتفاظ بمذكرة (أو سجل)، حيث نجد أحيانا ذكر لاستخدام مذكرات أبحاث المؤلفين في العديد من المنشورات البحثية (لإلقاء نظرة عامة حديثة حول استخدام المذكرات البحثية في البحوث التربوية، انظر Altrichter and Holly, 2005). ومع ذلك، وبصرف النظر عن الدراسات الإثنوغرافية حيث تعتبر الملاحظات الميدانية جزءا لا يتجزأ من البحث، فإن التحقيقات النوعية لا توفر عادة سوى القليل من التفاصيل عن طبيعة بيانات المذكرات البحثية، أي ما نوع المعلومات تم تسجيلها وكيف. في الحقيقة، كما يشير هامرسلي و أتكينسون (Hammersley and Atkinson, 1995: 176) فحتى الملاحظات الميدانية الإثنوغرافية تتميز بالخفاء النسبي، ولذلك فإن الباحثين المبتدئين الغير متخصصين في الاثنوغرافيا غالبا ما يجهلون حقيقة أنهم إذا احتفظوا بمذكرة بحثية منظمة باستخدام صيغة قياسية، فإنه سيمكن إدخالها كمصدر قيم للبيانات (Dὅrnyei, 2007: 160).

 

وكما قلنا أعلاه فإن أي شيء تقريبا في البحث النوعي يمكن أن ينظر إليه على أنه بيانات محتملة، ولذلك ليس هناك أي سبب لاستثناء ملاحظات الباحث الميدانية وتعليقاته في الوقت الحقيقي، ومذكراته، وشروحه. النشاط الشخصي جزء مهم من الابحاث النوعية، والبيانات الفوقية (metadata) التي يُنشئها الباحث توفر معلومات قيمة حول المشروع. كما يعلق هامرسلي واتكينسون (Hammersley and Atkinson, 1995: 191-2)، “فإن بناء الملاحظات التحليلية … يشكل بالضبط ذلك النوع من الحوار الداخلي، أو التفكير بصوت عال، وهذا هو جوهر الاثنوغرافيا الانعكاسية”. إن وسيلة تحويل المعرفة الخاصة، عن طريق التأمل والتحليل، إلى معرفة عامة محتملة هي مذكرة الباحث. يوصي سيلفرمان (Silverman, 2005: 252) أيضا بالاحتفاظ بمذكرة البحث، لأنه يمكن من خلالها “إطلاع القراء على تطور تفكيرك، مساعدتك في التأمل، تحسين إدارة وقتك، وتوفير الأفكار للاتجاه المستقبلي لعملك”.

 

تؤكد ريتشاردز (Richards, 2005) على أهمية أخرى للاحتفاظ بسجل منظم بشكل جيد. وتقول إنه من أجل جعل الادعاءات ذات مصداقية، يحتاج الباحثين النوعيين لوصف كل خطوة في المشروع وتوثيق من أين جاءت الأفكار والنظريات. وهكذا، فإن هذه المعلومات تعتبر مركزية في اجتياز تحديات الصلاحية والموثوقية في البحث النوعي.

 

وعلى الرغم من وضوح هذه المزايا، يقوم عدد قليل من الباحثين في الواقع بالاحتفاظ بمذكرات بحوث منظمة. يكمن أحد أسباب ذلك ببساطة في عدم ادراك أهمية المذكرة، ولكن السبب المحتمل الثاني هو أن الحفاظ على وصف منظم لأنشطة وانعكاسات الباحث يحتاج إلى انضباط كبير، خاصة عند التعامل مع أنواع كثيرة من المهام في آن واحد (بما في ذلك جمع البيانات وتحليلها). ومع ذلك، فإننا نوصي بالاحتفاظ بمذكرات البحوث لأنها لا تساعد فقط على تذكر تفاصيل المهمة لاحقا، ولكنها ربما تصبح أيضا جزءا من عملية التحليل والتفسير نفسها عندما يبدأ الباحثين في التفكير ببيانات وموضوعات جديدة. وكما فعل شميت وفروتا (Schmidt and Frota,1986) فقد تصبح مذكرة البحث منصة للتصور، والملاحظة، والتوضيح، أو اختبار الفرضيات أو الأفكار الجديدة.

 

 

كيفية الاحتفاظ بمذكرات البحوث

تحتاج البيانات العلمية لتلبية متطلبات الموثوقية والصلاحية، وبالتالي إذا قررنا استخدام مذكراتنا البحثية كمصدر بيانات، فسنكون بحاجة إلى إيلاء الاهتمام ببعض التفاصيل التقنية. إذا ما احتفظنا بمذكرة الورقة والقلم، فإن الحد الأدنى للشروط هو أن تكون في مجلد محكم يحتوي على أرقام الصفحات بحيث يكون كل المدخلات مؤرخة، ولكن بعض الباحثين يوصون بنهج رسمي أكثر. يحدد سيلفرمان (Silverman, 2005)، على سبيل المثال، إطارا تنظيمي يتألف من أربع فئات:

 

  1. ملاحظات المراقبة حول التجارب.
  2. ملاحظات منهجية حول كيفية ونوع المعلومات التي تم جمعها.
  3. وملاحظات نظرية تصف الحدس، والفرضيات والأفكار.
  4. ملاحظات شخصية تحتوي على بيانات عن المشاعر (فيما يتعلق على سبيل المثال، بالرضا، المفاجأة، الصدمة، الخ) وغيرها من التعليقات الشخصية.

 

يوصي كراير (Cryer, 2000: 99) بأنه ينبغي على الطلاب الباحثين أن يسجلوا في سجلاتهم ومذكراتهم ما يلي:

 

  • ماذا تفعل، وأين، وكيف، ومتى، ولماذا تفعل ذلك؟
  • ماذا تقرأ؟
  • ما هي البيانات التي تجمعها وكيف تعالجها؟
  • أي نتائج لتحليل البيانات.
  • إنجازات معينة، الطرق المسدودة، والمفاجآت.
  • ما هو رأيك أو بما تشعر حيال ما يحدث، وأية أفكار قد تكون ذات صلة ببحثك.
  • أي شيء آخر يؤثر عليك.

 

مع توافر استخدام وأجهزة الكمبيوتر الشخصية، وخاصة المحمولة، يقوم الكثير من الباحثين بنقل بعض سجلات الورقية التقليدية إلى ملفات إلكترونية. تدعم برامج تحليل البيانات النوعية هذا التسجيل الإلكتروني لمدخلات المذكرات بالكامل (انظر Richards, 2005)، كما أنها تسهل دمج مدخلات مذكرة الأبحاث الإلكترونية مع باقي البيانات. وبهذه الطريقة، يمكن لتأملاتنا وأفكارنا الخاصة بأن تصبح أكثر من مجرد أدوات تحليلية، حيث يمكن أن تصبح بيانات قابلة لمزيد من التحليل.

 

يؤكد ألتريتشر وهولي (Altrichter and Holly, 2005) على أن الجانب الهام لمذكرات البحوث كمصدر بيانات هو احتوائها على مقاطع وصفية مثل أوصاف الأنشطة والأحداث، أو إعادة صياغة الحوارات. يؤكد الكاتبين أن في هذه الأوصاف تكون تفاصيل أكثر أهمية من الملخصات وأننا بحاجة إلى التركيز على الخاص بدلا من العام. الاقتباسات الدقيقة (مبينة بعلامتي الاقتباس) هي موضع ترحيب، لا سيما الكلمات والعبارات التي تكون نموذجية عن شخص ما. يبين ألتريتشر وهولي أيضا بعض النقاط العملية التي يمكن على أساسها أن تصاغ الاستراتيجيات الستة التالية لكتابة المذكرات البحثية:

 

  1. الكتابة بانتظام.
  2. الاستمرار خلال الفترة الصعبة الأولى التي تحدث لكثير من الكتّاب الجدد.
  3. اعتبار المذكرة خاصة حتى لا يكون على الباحث فرض رقابة على نفسه أو القلق بشأن الأسلوب وعلامات الترقيم (يمكن التقرير بشأن الكشف عن بعض الأجزاء في وقت لاحق).
  4. إدخال هيكل وتنسيق منتظم في المدخلات.
  5. تضمين المواد التوضيحية ذات الصلة مثل الصور والملاحظات والوثائق والخطط الدراسية، وأعمال الطلاب، الخ.
  6. القيام بتحليل مؤقت من وقت لآخر لمدخلات المذكرة للتحقق مما إذا كان توازن وكمية النوع المختلف من الملاحظات صحيح.

 

 

المراجع

Heigham, Juanita and Robert A. Croker (2009) editors. Qualitative Research in Applied Linguistics: A Practical Introduction. Palgrave Macmillan, Great Britain.

 

[1] تمت ترجمة وتعديل هذا الجدول من:

Heigham, Juanita and Robert A. Croker (2009) editors. Qualitative Research in Applied Linguistics: A Practical Introduction. Palgrave Macmillan, Great Britain.

 

أعلم حبيبك
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Reddit
Share On Stumbleupon
Share On Youtube
Contact us

مناهج البحث في علم اللغة التطبيقي

المقدمة

في ميدان واسع مثل علم اللغة التطبيقي، الذي يشمل مدى واسع من المواضيع المتداخلة مع العديد من الفروع في هذا المجال، فإن أي لمحة عامة عن مناهج البحث يجب أن تكون انتقائية للغاية. وصفت داف (Duff, 2002a) العديد من التطورات في مناهج البحث في علم اللغة التطبيقي في التسعينات وفي بداية اوائل القرن الحالي. سنقوم في هذا الفصل بمناقشة جديد مناهج البحث الكمية والنوعية، والطرق المختلطة في علم اللغة التطبيقي، خصوصا في مجالات تعلم وتعليم اللغة الثانية. سنقوم أيضا بتسليط الضوء على طرق جديدة هامة لتكوين المفاهيم، والتحليل، وتمثيل المعرفة حول قضايا اللغة، وسنتبنى في الوقت نفسه سياقات جديدة لتعلم اللغة واستخدامها، ومجموعة واسعة من مجتمعات البحث في القرن الحادي والعشرين.

يمكن العثور على مناقشات أكثر شمولا وتعمقا لطرق البحث في علم اللغة التطبيقي في الكتب الحديثة كالتي ألّفها دورني (Dörnyei, 2007)، وكنج وهورنبيجر (King and Hornberger, 2008)، وماكي وغاس (A. Mackey and Gass, 2005)، و وي وموير (Wei and Moyer, 2007)، فيما يتعلق باكتساب اللغة الثانية، ثنائية اللغة، وتعليم اللغة على وجه الخصوص. كما أبرزت العديد من المنشورات الأخرى مناهج تحليلية محددة أو طرق لإجراء البحوث، وعادة ضمن مجال معين في علم اللفة التطبيقي. كما أنتبه أيضا المؤلفين لعمليات استخلاص الاستنتاجات أو التعميمات في أبحاث علم اللغة التطبيقي مثل كتب نوريس وأورتيجا حول المناهج الهامة الأخرى بغض النظر عن النماذج (Norris and Ortega, 2006a2006b2007)، وفوائد البحوث الطولية (Ortega and Byrnes, 2008; Ortega and Iberri-Shea, 2005) وغيرها.

وبالضافة إلى ذلك، فقد تم أيضا تخصيص عدد من المجلات والأدلة العلمية التي تهتم بطرق ومناهج بحث معينة مثل التحليل النقدي للخطاب أو البحث السردي. وعلاوة على ذلك، فإن موسوعة اللغة والتعليم المنقحة مؤخرا والمتألفة من 10 مجلدات تحتوي على العديد من الفصول التي تتحدث عن المناهج الحالية أو الناشئة للبحوث في اللغة والتعليم.

 

مناهج البحث: مقارنة، وجمع، وتوسيع النماذج الفكرية

تستمر معظم كتب مناهج البحث المنهجية في التربية والعلوم الاجتماعية (على سبيل المثال، Cresswell, 2005; J. P. Gall, M. D. Gall, and Borg, 2005; M. D. Gall, J. P. Gall, & Borg, 2003)، وكذلك في بعض الكتب المنهجية في علم اللغة التطبيقي المشار إليها أعلاه التي تقدم نظرة عامة، في التمييز بين البحث الكمي (استنتاجي nomothetic) والبحث النوعي (التأويلي)، على أنهما متميزين، ولكنهما منهجين غير متعارضين في البحث المنهجي الدقيق في العلوم الاجتماعية. كما تؤكد هذه المراجع أيضا أن الطريقة أو النهج مرتبط بنوع الأسئلة البحثية أو بالمشكلة قيد الدراسة، وبغرض الدراسة (على سبيل المثال، استكشافية، تفسيرية، وصفية، توضيحية، تأكيدية، تنبؤية)، وبنوع البيانات، وبمجتمع  الدراسة الذي يتعامل معه الباحث. غالبا ما يرتبط البحث الكمي بالتجارب والدراسات الاستقصائية، وأبحاث أخرى تتعامل مع عينات كبيرة من المشاركين أو الملاحظات. أما البحث النوعي فغالبا ما يرتبط بالاثنوغرافيا، ودراسة الحالة، والتحقيقات السردية، التي تحتوي عادة على عدد أقل من المشاركين ولكن بتوضيحات أكمل وأشمل من كل مشارك (أو لكل مشترك). ومع ذلك، فكل نموذج يمثل في الواقع مجموعة من طرق البحث التي تتقاسم بعض المبادئ المشتركة ولكنها في نفس الوقت تعكس اختلافات كبيرة. وهكذا نجد أن أي نموذج أو نهج بحثي يعكس عددا من العناصر التي يمكننا أن نبينها في النقاط التالية:

  • الأساس الفلسفي أو نظام الاعتقاد المرتبط بنظرية المعرفة، أو طبيعة الحقيقة والمعرفة (على سبيل المثال، أن البحث هو موضوعي مثاليا، غير منحاز، وخالي من القيم مقابل أن يكون ذاتي أكثر).
  • أيديولوجية تتعلق بالأنطولوجيا، أو طبيعة الواقع (على سبيل المثال، أن الحقيقة الموضوعية موجودة، أو أن الحقيقة يتم بناءها اجتماعيا، وأن هناك وجهات نظر متعددة حول الحقيقة).
  • منهجية تتوافق (على سبيل المثال، تجريبية وتختبر الفرضيات، أو لا) مع مختلف التصاميم، والطرق، والتقنيات، ووسائل استخلاص وتحليل الظواهر (Denzin and Lincoln, 2005a2005b; Duff, 2008).

لذلك، هناك العديد من المستويات لتحليل البحوث وتصنيفها.  عادة ما يتم التصنيف والمقارنة في علم اللغة التطبيقي على أساس الطرق أو التقنيات، وبانعكاس أقل على القضايا المعرفية والوجودية. تميل الطرق الكمية إلى أن تكون مرتبطة بتوجهات لوضعية أو ما بعد الوضعية، الأنطولوجيا الواقعية، ونظرية المعرفة الموضوعية، ومنهجية التلاعب التجريبية. أما الطرق النوعية، من ناحية أخرى، فهي ترتبط غالبا بالتوجه التفسيري الإنساني، ووجود العديد من الحقائق، ونظرية معرفة غير موضوعية، ومنهج طبيعي غير تلاعبي (Guba and Lincoln, 1994). ومع ذلك، فالظاهر أن البحث الكمي قد ينطوي على التحليل النوعي (على سبيل المثال، تحليل الخطاب) والعكس بالعكس. دراسة الحالة، على سبيل المثال، عادة ما تعتبر بحثا نوعيا،  ولكنها في الواقع قد تعكس نهج وضعي أكثر من  كونه تفسيري، أو أنها قد تكون جزءا من دراسة حالة كمية واحدة (تجريبية)، أو تصميم سلسلة زمنية أحادية أو متعددة الحالات (Duff, 2008). وبالمثل، يمكن استخدام الأساليب الإحصائية في البحوث الكمية والنوعية على حد سواء، ولكن غالبا ما ترتبط الاحصاء الاستدلالي بالبحث الكمي (Gall et al., 20032005).

يشمل البحث الكمي مجموعة متنوعة من الطرق والتصاميم، فضلا عن أدوات مثل الارتباطات، والدراسات الاستقصائية، والدراسات متعددة العوامل، بالإضافة إلى الدراسات التجريبية أو شبه التجريبية. البحث النوعي، من ناحية أخرى، يضم مجموعة متنوعة واسعة من الطرق، بما في ذلك البحث السردي، والتاريخي، والسيرة الذاتية، وتحليل المحتوى، والدراسات التاريخية والأرشيفية، وتحليل المحادثات، الاثنوجرافيا الدقيقة، وتحليل الخطاب . تبني هذه الأنواع من الأبحاث على مجموعة متنوعة من المدارس النظرية أيضا، مثل النهج الاثنوجرافي، نظرية التفاعل الرمزي، والبنيوية، والتفسيرية، والبنائية الاجتماعية، وما بعد البنيوية، وعلم الظواهر، والتأويلية، والنسوية، والأنثروبولوجيا الاجتماعية والتعليمية، والدراسات الثقافية (Denzin and Lincoln, 2005b ).

في السنوات الأخيرة، تمتع البحث الكمي الذي تموله الحكومة الأمريكية بوضع مميز في مجال التعليم والعلوم الاجتماعية لأنه يعتبر بعض السلطات تعتبره أكثر صرامة وقوة، وعلمي، ونظري، وقابل للتعميم، وبالتالي، فهم يجادلون بأنه يساهم في المعرفة، والنظرية، والسياسة أكثر من البحث النوعي (Freeman et al., 2007). بطبيعة الحال، لا ينبغي أن تؤخذ ادعاءات الصرامة أو التعميم على أنها أمرا مفروغا منه في البحث الكمي، لأنه يجب أن يتم اثباتها من قبل الباحث. كما لا ينبغي افتراض أن البحث النوعي غير نظري (atheoretical)، وغير علمي، وأنه يفتقر إلى الدقة ولا يمكن تعميمه ، أو أنه تافه فكريا. ومع ذلك، فإن المسؤولية تقع أيضا على الباحث للتدليل على مصداقية وأهمية الطرق والنتائج (Duff, 2006). ولحسن الحظ، فقد اكتسبت أنواع مختلفة من البحث النوعي مكانة كبيرة في علم اللغة في السنوات العشرة الماضية، مما خلق توازن بين البحوث الكمية والنوعية المنشورة في مجلات علم اللغة التطبيقي الرئيسية أفضل مما كان في السابق (Lazaraton, 2000).

وأحيانا يمنح البحث النقدي (أو الأيديولوجي) فئة خاصة به، منفصلة عن النماذج الكمية والنوعية. ووفقا لبينيكوك (169 Pennycook, 2008:)، فإن علم اللغة التطبيقي النقدي يعتبر نهج ناشئ في استخدام اللغة والتعليم ويسعى لربط الظروف المحلية للغة بتشكيلات اجتماعية أوسع، ورسم العلاقات بين الفصول الدراسية، والمحادثات، والكتب المدرسية، والاختبارات أو الترجمات وقضايا النوع الاجتماعي، والطبقة، والجنس والعنصر، والعرق، والثقافة، والهوية، والسياسة، والأيديولوجية أو الخطاب.

ربما يعتبر البحث النقدي فئة مستقلة لأن بعض مناهج البحث تشكل بوضوح عدسات أيديولوجية أو أُطر (على سبيل المثال، نقدية أو نسوية) يمكن من خلالها تحليل أي بيانات أو مواقف باستخدام مجموعة متنوعة من الطرق الكمية أو النوعية. وهكذا، يمكن أن تطبق النظرة النقدية على الاثنوغرافيا أو بيانات التعداد، و يمكن تطبيق النظرة النسوية لاختبار بيانات الدرجات أو دراسات الحالة. وبدلا من ذلك، يمكن الادعاء بأن هذه الرؤى الأيديولوجية الواضحة تُشكل مناهج، وأغراض، وافتراضات أساسية، وطرق، ومواضيع مختلفة ، وأساليب مختلفة لإعداد التقارير، وبالتالي فهي ليست مجرد عدسات وأُطر جديدة، أو قيم سيتم تطبيقها، خلاف ذلك، على أبحاث ومساعي أكاديمية تقليدية بفئات وجسيمات مُجَسَّدة.

يمكن للأنواع الأخرى من البحث كبحوث برامج التقييم،  والبحوث العملية  أن تتخذ إما شكل البحث الكمي أو النوعي أو كليهما.

 

التطورات في البحث الكمي

لقد كانت الثلاثة عقود الماضية مثمرة للغاية في تطوير وتوضيح، وتطبيق تصميم البحث الكمي والإحصاء وغيرها من التقنيات التحليلية في مجال البحث في علم اللغة التطبيقي باستخدام مجموعة متنوعة من أنواع البحث منها التجريبي، شبه التجريبي، الارتباطي، والمسح، والتصاميم الأخرى متعددة المتغيرات التي يتم التحكم فيها بعناية. ونتيجة لذلك، تم إيلاء اهتمام دقيق بالموثوقية وصلاحية مركبات الأبحاث، والأدوات والمقاييس، وبروتوكولات التصنيف، والإجراءات التحليلية، وإجراءات أخذ العينات، والقياس، والمتغيرات والإحصاء البارامترية والغير بارامترية، وتأثيرات القوة (Hatch and Lazaraton, 1991; Lazaraton, 2000)، كما سيتم مناقشة بعض التطورات الأخرى في هذا القسم.

يناقش ايليس (N. C. Ellis, 1999) ثلاثة مناهج كمية في بحوث علم اللغة المعرفي والنفسي تتمثل في الأبحاث الرصدية (على سبيل المثال، باستخدام المجاميع اللغوية)، والتجريب (على سبيل المثال، في دراسات التعليم التي تركز على الشكل واكتساب اللغة الثانية،  Doughty and Williams, 1998)، والمحاكاة (على سبيل المثال والنماذج الارتباطية لاكتساب اللغة الثانية ، Kempe and MacWhinney, 1998). وبالرغم من وجود تفاهم أكبر حاليا بين علماء علم اللغة التطبيقي حول معايير البحث الكمي الجيد، يتضح أيضا صعوبة إجراء البحث التجريبي الحقيقي في كثير من الأحيان لأسباب لوجستية وأخلاقية، وخاصة في مجال الدراسات التي تتعامل مع الأطفال أو البالغين في السياقات التعليمية. ففي العديد من المؤسسات، مثلا، قد يكون من الصعب ترتيب الاختبارات المسبقة، والتعيين العشوائي لأنواع المعالجات (على سبيل المثال، التدخلات التعليمية أو المحفزات التجريبية)، والضبط أو المجموعات المعيارية. يقدم نورجيت (Norgate, 1997) مثالا للاهتمام لهذه المعضلة في البحوث المتعلقة بتطوير اللغة الأولى لدى الأطفال المكفوفين. و بالأحرى لقد سادت بحوث الدراسات شبه التجريبية التي تفحص العلاقات السببية بين المتغيرات المستقلة والتابعة، والبحوث التي تبحث عن أنواع أخرى من العلاقات بين المتغيرات. تعتبر دراسات اكتساب اللغة الثانية المختبرية التجريبية استثناء، وأن البحث غالبا ما ينطوي على تراكيب مصطنعة أو شبه مصطنعة من اللغة الثانية، ومجموعات ضابطة، والتعيين العشوائي، والاختبارات القبلية والبعدية (على سبيل المثال، Hulstijn and DeKeyser, 1997). الجانب السلبي في هذه الأبحاث المتحكم فيها بعناية هو أنها تفتقر إلى الصلاحية البيئية، لأن اللغة (اللغات) والسياقات، والأنشطة لا تمثل تلك التي يواجهها عادة متعلمي ومستخدمي اللغة.

لقد قُطع شوطا كبيرا في السنوات الأخيرة في مجال آخر من مجالات علم اللغة التطبيقي، وهو اختبار اللغة، في معالجة قضايا التحقق من الصلاحية، وأخلاقيات البحث، والدقة النفسية، حيث يصف كونان (Kunnan, 1999) طرق كمية جديدة، مثل نمذجة المعادلة المهيكلة، التي تسمح بتحليلات معقدة للعلاقات بين مجموعات من متغيرات المتعلم (الشخص الذي يتن اختباره) مثل الطلاقة في اللغة الثانية، الكفاءة اللغوية، والذكاء. ويلاحظ شلهوب-ديفيل وديفيل (Chalhoub-Deville and Deville, 2008) أيضا التطورات في الاختبار  المستند على نظرية التعميم، والقياس متعدد الأبعاد، وتحليل راش متعدد الأوجه، ومنهجية حكم الفضاء، والاختبار المحوسب والاختبار التكيفي بالحاسوب، والتي توجد عادة في المقالات المنشورة في مجلة اختبار اللغة (Language Testing).

أما في البحث المسحي حول اللغة الأولى والثانية فيصف بيكر (50: C. Baker, 2008) المبادرات على نطاق واسع وعلى نطاق ضيق في أوروبا وأمريكا الجنوبية، وأماكن أخرى، التي تتعامل مع قضايا مثل  حيوية اللغة بين فئات الأقليات اللغوية والمتغيرات الاجتماعية النفسية (على سبيل المثال، المواقف والدوافع) المتعلقة بالتعلم الناجح للغة الثانية. كما يوضح أيضا كيف سهلت بيانات التعداد المتاحة التي تحتوي على عناصر محددة حول اللغة أنواع معينة من التحليل لأغراض السياسة والتخطيط اللغوي. وأخيرا، يلاحظ بيكر أن هناك اتجاها متزايدا في البحوث الأوروبية يكمن في دراسة الممارسات المتعلقة بمجتمع (التراث) تعليم اللغة ومسح المواقف تجاه ثلاثية اللغات والتعدد اللغوي (الذي قد يشير إليه الآخرين بالإيديولوجيات اللغوية).

 

التطورات في البحث النوعي

لقد البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي يميل في الماضي نحو الوضعية وما بعد الوضعية والبنيوية، معتمدا على استنتاجات الباحثين المنظمة، والتحليلات، والتفسيرات لمدى ضيق نسبيا من السلوك اللغوي (أو غيره) المُلاحظ، حيث يتم تصميمه أحيانا لاختبار فرضيات محددة.  أما حاليا فتميل عناصر البحث النوعي نحو التوضيحات الذاتية الجدلية، وتتضمن وجهات نظر مختلفة، وأحيانا متناقضة لنفس الظاهرة، والتأكيد عمدا على قضايا التموضع، والصوت، والتمثيل (Duff,2008; Edge and Richards, 1998). كما تم في هذه الأثناء تصحيح مسألة استبعاد منهجيات البحث النوعي من العديد من الكتب والمجلات الرئيسية، والدراسات العليا، وبرامج علم اللغة التطبيقي قبل العقد الماضي بدرجة كبيرة (K. Richards, 20032009)، وخاصة مع التحول الاجتماعي والسردي الذي شهده علم أن اللغة التطبيقية خلال هذا العقد في مجال بحوث تعلم اللغة الثانية واختبار اللغة. يلاحظ بيكر (Baker, 2008 : 65)، الباحث في ثنائية اللغة المشار إليه أعلاه، بشكل جاف، أن ‘البندول المنهجي في مجال’اللغة والتعليم، يتأرجح جزئيا نحو تفضيل أنواع المناهج النوعية، والاثنوجرافية وعلم الظواهر. وعلى الرغم من تعرض النهج الكمي لانتقادات كثيرة في دراسة اللغة والتعليم، فإنه من غير المحتمل أن يختفي’.

يظهر الاهتمام المتزايد بما بعد البنيوية، وما بعد الاستعمار، والنقدية في بحوث اللغة الثانية (على سبيل المثال، Pennycook, 1999, 2008) بوضوح فعلا في العديد من مجالات علم اللغة التطبيقي. لقد طبقت الرؤى النقدية وما بعد البنيوية في الاثنوجرافيا (على سبيل المثال، T T. Goldstein, 19972001; Madison, 2005; Talmy, 2008)، وفي الدراسات المعمقة حول اللغة والهوية الاجتماعية (على سبيل المثال، Norton, 2000)، وفي بحوث اللغة والجنس (على سبيل المثال، Cameron, 1992; Ehrlich, 1997; R. D. Freeman, 1997; Mills, 1995)، حيث كان البعض منها نسوي بشكل واضح، وتحرري، وانعكاسي، ويعبر عن ما بعد الحداثة. ولكن، على الرغم من وفرة الكتب المنهجية العامة حول البحث النوعي في التعليم والعلوم الاجتماعية، يبدو أنه لازلنا نفتقر لكتاب يوفر نظرة عامة شاملة حول مناهج البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي.

 

يُظهر قسم “قضايا البحث” في دورية (TESOL) الفصلية، العديد من التطورات النوعية في البحث السردي، بحوث المقابلة ومجموعات التركيز، بحوث قواعد البيانات اللغوية، بحوث ملاحظة الفصول الدراسية، وبحوث الاختبار، وإرشادات البحث، و أدوات البرمجيات لتحليل البيانات النوعية. كما أشارت الأعداد الخاصة لدورية اللغة الحديثة (Modern Language Journal ) في سنة 1997 و 2007، التي ركزت على ما يسمى مناقشات فيرث وواغنر (Firth and Wagner debates)، إلى نقطة تحول بارزة في كل من النظرية والمنهجية في علم اللغة التطبيقي. يعكس التوسع الحالي في المناهج النوعية في علم اللغة التطبيقي اتجاهات السنوات الأخيرة في علوم الصحة، والعلوم الاجتماعية، والعلوم الإنسانية، والتعليم (Denzin and Lincoln, 2005a2005b)، وكذلك اهتماما متزايدا بالصلاحية البيئية، والطبيعة  الاجتماعية والثقافية والظرفية، والتجسيدية، والأدائية للغة، والمعرفة، والتمثيل، والتعلّم. المجلات التي تم تأسيسها في علم اللغة التطبيقي العقد الماضي، مثل مجلة اللغة والهوية والتعليم (Journal of Language, Identity and Education)، بالاضافة للعديد من المجلات الأخرى التي تحتوي عناوينها على كلمة ‘نوعي’ أو ‘سردي’ في عناوينها، تعتبر دليلا آخر على التركيز على الجوانب الاستطرادية الذاتية للتعلم التي غالبا ما يتم دراستها بطرق تفسيرية، استقرائية، وأحيانا نقدية. ومع ذلك، لا يزال وضع البحث النوعي أقل بكثير (وغالبا ما يساء فهمه) من البحث الكمي في كثير من أنحاء العالم (على سبيل المثال، في شرق آسيا وأوروبا الوسطى)، وهو الوضع الذي تغير لحسن الحظ في علم اللغة التطبيقي بأمريكا الشمالية. كما يبدو أن البحوث الاجتماعية الثقافية في نفس هذه المناطق الجغرافية لها ظهور أو قوة أقل مما هي عليه، مثلا، في المملكة المتحدة، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا.

ومع ذلك، فقد نشرت مؤخرا دراسات نوعية غير نفسية في تلك الحقول الفرعية التي تعتبر كمية تقليديا مثل اختبار اللغة، في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، وخاصة في مجلات مثل دورية تقييم اللغة (Language Assessment Quarterly) الفصلية  (Chalhoub-Deville and Deville, 2008). تصف لازاراتون (Lazaraton, 2008) أنواع تحليل الخطاب أو المحادثة (النوعي) التي تم القيام بها على النسخ المكتوبة لمحادثة مقابلة الطلاقة الشفوية (بما في ذلك أبحاثها)، وخصوصا تعديلات القائمين بالمقابلة للذين تتم مقابلتهم (المتقدمين للاختبار)، التي تستند إلى عوامل مثل مستوى طلاقة المتقدمين للاختبار أو معرفة المتقدمين للاختبار بالممتحنين. تتعامل الدراسات التي راجعتها لازاراتون مع حوار المتقدمين للاختبار، والتفاوض من أجل المعنى، وديناميات التفاعل والخطاب في الاختبارات التي تقسم المتقدمين للاختبار لأزواج، أو التي تستخدم شكل المجموعات (على سبيل المثال، في اختبارات كامبريدج للطلاقة (Cambridge ESOL proficiency tests). أثبتت التحليلات النوعية أنها مفيدة جدا للتحقق من صلاحية الاختبار وخصوصا للتأكد مما إذا كان التفاعل أثناء الاختبار له تأثير غير متعمد على درجات المتقدمين للاختبار. أما الأبحاث الأخرى التي راجعتها لازاراتون فتصف استخدام بروتوكولات التفكير بصوت عال (تقارير شفهية) من قبل المقيمون للاختبارات والبحوث التي تنظر في أثر أو نتائج الاختبار من خلال الملاحظة الإثنوغرافية أو دراسات الحالة.

 

 

الاثنوغرافيا، دراسة الحالة، وبحوث المقابلات

لقد أصبحت اثنوجرافيا تعلم وتعليم اللغة، وأنشطة محو الأمية، واللقاءات في أماكن العمل، بالاضافة للمناقشات المنهجية حول الجوانب الثقافية للمعرفة والسلوك، شائعة وأكثر وضوحا منذ الظهور الأول لمقال واتسون-جيجو الممؤثر في (1988) في دورية (TESOL) الفصلية. توفر كتابات هاركلاو (Harklau, 2005)، وهيث وستريت (Heath and Street, 2008)، و توهي (Toohey, 2008) مراجعات حديثة للبحوث الإثنوغرافية في علم اللغة التطبيقي. إن البحوث الإثنوغرافية عادة ما تصف الأنماط الثقافية للجماعات وهي قيد التطور وتستقر عبر الزمن، مثل متعلمي اللغة في الفصل أو العمال في مواقع العمل. انها تهدف الى استخلاص وجهات النظر الداخلية (المنظور الداخلي EMIC) ووجهة نظر الباحث أيضا، باتخاذ منظور الملاحظة بالمشاركة (ETIC). ومن المثير أيضا، أن هذا البحث ينظر في وضع المشاركين في الأبحاث، ليس فقط من قبل الآخرين الذين يتفاعلون معهم في بيئاتهم الطبيعية، ولكن الوَضْع بالكيفية التي يُنظر بها الباحث لنفسه وللمشاركين وسلوكياتهم. أشار هاركلاو إلى أنه قد تم إجراء  أبحاث اثنوجرافية قليلة نسبيا خارج المملكة المتحدة أو أمريكا الشمالية من قبل غير البيض والباحثين غير الناطقين بالإنجليزية حول لغات غير إنجليزية وثقافاتها. ومع ذلك، وصفت مور (L. C. Moore, 2008) في وقت لاحق توضيحات اثنوجرافية عديدة حول التنشئة الاجتماعية متعددة اللغات في مجموعة متنوعة من البيئات غير الغربية، وغير الإنجليزية المهيمنة، بما في ذلك عملها الخاص في أفريقيا الفرنسية ما بعد الاستعمار. وفي الواقع، لقد تضمنت العديد من الفصول الأخرى في سلسلة سبرنجر لموسوعة اللغة والتعليم (Springer 2008 Encyclopedia of Language and Education series)  باحثين يراجعون ويصفون ممارسات مجتمعات يُتحدث فيها بلغات متعددة.

لا تزال دراسات حالة احد الأشكال الأكثر شيوعا في البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي، سواء لوحدها أو بمزجها مع البحث الكمي (Duff, 2008; Gomm, Hammersley, and Foster, 2000; Merriam 1998; Yin, 2009). ومثل البحوث الإثنوغرافية، عادة ما تضع دراسات الحالة أهمية كبيرة على السياق والتوضيحات الشاملة للأفراد والجماعات، أو الأحداث. في بعض الحالات يكون الباحثين قادرين أيضا على تتبع المشاركين طوليا، كما فعل كانو (Kanno, 2003) مع عدد من الطلبة اليابانيين الذين درسوا الإنجليزية وغيرها من محتوى المناهج الدراسية سابقا في الخارج ثم عادوا إلى اليابان. لقد وثّقت موريتا ) Morita, 2004) في دراستها لحالات متعددة من النساء اليابانيات الذين يدرسن في إحدى الجامعات الكندية، تنشئتهم الأكاديمية واللغوية، وكذلك البناء الاجتماعي والمعاني والعوامل الكامنة وراء صمتهم الواضح في بعض دروس موادهم الدراسية. وكشفت الدراسة أنه بعيدا عن أنها تمثل مجموعة متجانسة على أساس العرق أو الجنس أو اللغة الأولى، والوضع الأكاديمي، فقد كانت تجربة كل امرأة في بيئتها الأكاديمية الجديدة الناطقة باللغة الإنجليزية غي متأسسة كثيرا، واعتمادية، وفريدة، كما إنها تغيرت مع مرور الوقت أيضا.

ينطوي النهج الشائع الآخر للبحث في الاهتمامات الحالية على المقابلات كأداة وساطة هامة وموقع للعمليات اللغوية وللعمل الاجتماعي السيميائي. على الرغم من أن المقابلات تستخدم في أنواع عديدة من البحث لأغراض مختلفة، فإن الهياكل التفاعلية الفعلية، وتحديد المواقع، و المواطئ، والأُطر، تعتبر اهتماما متجددا رائعا من قبل الباحثين في علم اللغة التطبيقي وغيرهم في مجال العلوم الاجتماعية، وفي الطب، والمجالات الأخرى (Campbell and Roberts, 2007; Kvale, 2006; Talmy and Richards, forthcoming; Gubrium and Holstein, 2002; Silverman, 2001). تقارن بعض الأعمال تحليل المحتوى لحوار المقابلات مع أنواع أخرى من تحليلات المقابلة نفسها كحدث لغوي.

 

البحث السردي والبحث القائم على الفن

التوضيحات الشخصية وروايات خبرات معلمي اللغة، والمتعلمين، وغيرهم (غالبا تكون عبر فترة زمنية طويلة، وفضاءات موسعة، وخبرات، ولغات)، أصبحت محورا رئيسيا في بعض البحوث النوعية بشكل متزايد. وتشمل الأدلة روايات المتكلمين، ودراسات اليوميات، والسير الذاتية، وتواريخ الحياة التعليمية والتدريسية، أو فقدان جوانب لغة وهوية المرء (على سبيل المثال، Belcher and Connor, 2001; Kouritzen, 1999; Pavlenko and Lantolf, 2000; Schumann, 1997). في الوقت الحاضر، تبحث الدراسات أيضا في الأفراد وهم يستخدمون اللغة في سياقات اجتماعية تم دراستها بدرجة أقل في الماضي (على سبيل المثال، في بيئات مهنية أو أكاديمية، في المنزل مع الأسرة، في المجتمع، في مكان العمل، وفي المؤسسات الاجتماعية الأخرى). لقد أصبحت المناقشات المنهجية الفوقية الجديدة حول مدى التوجهات، وطرق جمع البيانات، وأشكال التحليل، ومعايير البحث السردي الجيد متوفرة حاليا، سواء في علم اللغة التطبيقي (Coffey and Street,2008; Pavlenko, 2007a2007b) أو في مجال العلوم الاجتماعية والتعليم (Atkinson and Delamont, 2006; Clandinin,2007; Clandinin and Connelly, 2000; Polkinghorne, 2007; Riessman, 2008). وبالإضافة إلى هذه الطرق السردية لاستكشاف التجارب اللغوية، هناك روايات أخرى مهمة، ولكنها أقل من ناحية المنظور الداخلي، للغة والسلوك نالت اهتماما متجددا من العلماء في مختلف التخصصات، ولا سيما في دراسات الهيكل الاستطرادي والإنجاز الاجتماعي التفاعلي للنصوص السردية (على سبيل المثال، Bamberg, 1998). كما بدأت البحوث التي تنطوي على أداء درامي، وتمثيلات بالوسائط  البصرية غير المطبوعة، والتحليل المتعدد الوسائط، والشاعرية، والروايات الخيالية في الظهور تدريجيا في علم اللغة التطبيقي (على سبيل المثال، T. Goldstein, 2001; M. C. Taylor, 2008).

وعلى الرغم من أنها غالبا ما تكون مُفحمة وتتطلب انشغالا كبيرا سواءا كعملية أو كمخرجات بحثية، فإن هذه المناهج الناشئة لا تحل محل المناهج القائمة (سواء الكمية أو النوعية)، بل تكملها وتقدم مواضيع، وأنواع، وتحليلات، واستنتاجات جديدة، فضلا عن المفاهيم المختلفة من الأصالة والشرعية (Edge and Richards, 1998). وبالإضافة إلى الجوانب السردية، هناك تركيز متزايد على الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية للغة والبحوث اللغوية، (Creese, Martin, and Hornberger, 2008; Hinkel,1999; McKay and Hornberger, 1996; Norton and Toohey, 2004; Duff and Hornberger, 2008). ولذلك كانت التسميات الفئوية والتحيز غير المعترف به موضع التحليل والنقد (فيما يتعلق يالعرق، والطبقة والثقافة واللغة والجنس و heterosexism، المتحدثين الأصليين مقابل غير الناطقين الأصليين، والدوائر الداخلية والخارجية في العوالم الانجليزية [أو الصينية]، والأصوات والمعارف الأصلية مقابل الأصوات والمعارف غير الأصبية. وبالاعتماد على مدارس (نفسية) مختلفة مهتمة بالجوانب الاجتماعية للغة والقراءة والكتابة جاءت التوضيحات الجديدة للقيجوتسكية (neo-Vygotskyan) الاجتماعية، الثقافية، والبنائية، التي تم اعتمادها من قبل عدد متزايد من علماء اللغة التطبيقيين على مدى العقدين الماضيين (Lantolf, 2000; Lantolf and Thorne, 20062007)، وخاصة في مجال بحث الفصول الدراسية، وفي العلاج، وتقديم المشورة، أو لقاءات التقييم الديناميكي، وفي المجتمعات المحلية. ومثل المناهج النوعية الأساسية الأخرى، فغالبا ما ينطوي البحث الاجتماعي الثقافي على تحليل الأحاديث، تحليل الخطاب، وتحليل السرد، والأثنوجرافيا الدقيقة، ويدرُس اللغة والمحتوى بطريقة متكاملة.

ما يعكس تغيير آخر حاليا في المناهج البحثية ومحاور الدراسة في علم اللغة التطبيقي، هو أن تحليلات النصوص والخطاب لا تبحث فقط في بنية مقالات البحوث العلمية مثلا، ولكنها تتعامل أيضا مع الرسائل والرموز، والأنواع اللغوية المرتبطة بوسائل الإعلام والتفاعلات غير العلمية ظاهريا، (على سبيل المثال، في الثقافة الشعبية، وسائل الإعلام، واللقاءات الاجتماعية اليومية (على سبيل المثال، أحاديث العشاء). تم تأطير بعض هذه البحوث من حيث النظرية النقدية أو ما بعد البنيوية، وقد تم تحليل والتنظير حول مركبات معرفة القراءة والكتابة والخطاب، مثل الهوية ككيانات جمعية وليست مفردة، وبأنها اجتماعية ومتعددة الأوجه، وغير مستقرة (Gee,1996; Norton, 2000). وأخيرا، لقد تم أيضا تطبيق الحرص على فهم الملامح السياقية للظواهر اللغوية (السمة المميزة لبحوث علم اللغة التطبيقي النوعية، أو الأبحاث غير الكمية) على تحليل السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبلاغية، والفكرية، ونتائج نظريات وبحوث علم اللغة التطبيقي، والممارسة والتطبيق العملي (Rampton, 1995; Thomas, 1998).

 

 

التطورات في أبحاث الطرق المختلطة

ينظر إلى النهج الكمي والنوعي حاليا باعتبارهما مكملان لبعضهما وليس متعارضين جذريا، وأصبح يُنصح أكثر بنموذج البحوث المختلطة (Bergman, 2008; Dörnyei, 2007; Tashakkori and Teddlie, 19982003; Teddlie and Tashakkori, 2009). ومع ذلك، فإن المزج المتوازن لكليهما ليس شائعا في أبحاث علم اللغة التطبيقي. ووفقا لدنزين (Denzin, 2008)، و لينكولن و غوبا (Lincoln and Guba, 2000)، فقد تحولت ‘حروب’ النموذج في العقدين الماضيين إلى حوارات ‘النموذج’.

وتعتبر الدراسة البحثية الطولية التي أجراها كينجينجر (Kinginger, 2008) كمثال لبحث الطرق المختلطة في مجال تعلم اللغة الأجنبية، وهي دراسة حالة متعددة للطلاب الأمريكيين في برامج تعلم اللغة الفرنسية في الخارج بفرنسا. هناك مثال آخر وهو دراسة تقييمية أجراها أنتونيك و دوناتو وتكر (Antonek, Donato, and Tucker, 2000) لبرنامج لغة أجنبية بمدرسة ابتدائية يابانية في الولايات المتحدة. وفرت كلتا الدراستين بيانات قياس (اختبار) للطلاب في نقاط مختلفة من برامجهم، كما شملت أيضا دراسات حالة لمشاركين بؤريين وكذلك خبرات الطلاب ووجهات نظرهم مع تحليل بياناتهم مقابلاتهم أو رواياتهم، للمساعدة في تسليط الضوء على النتائج الكمية.

 

 

أثر التقنية المتطورة على مناهج البحث في علم اللغة التطبيقي

يلعب التقدم التكنولوجي والحاسوبي في الوقت الحاضر دورا حاسما في معظم أبحاث علم اللغة التطبيقي، سواء كان ذلك لجمع، وإدخال، وإدارة، وترميز، وتخزين، واسترجاع البيانات أو تحليلها. إن توافر الأجهزة ذات الجودة العالية بأسعار معقولة، كالمسجلات وكاميرات الفيديو الرقمية وأجهزة الكمبيوتر الشخصية والمحمولة، والماسحات الضوئية، والأقلام والألواح الذكية ، والموسوعات الرقمية (wikis)، ووسائل دمج أنواع مختلفة من البيانات من مصادر متعددة في ملفات الحاسوب وفي المنشورات (على سبيل المثال، بإرفاق الأقراص المدمجة أو مواقع الانترنت المرتبطة) كان له آثار عملية ونظرية كبيرة على التعليم، وإجراء الاختبارات، والبحوث. لقد كانت التطورات في التقنيات الرقمية مفيدة جدا في علم اللغة النفسي التطبيقي، وعلم اللغة المتخصص في دراسة المجاميع اللغوية، وفي تحليل الخطاب، وإجراء الاختبارات (N. C. Ellis, 1999; Markee, 2007). يمكن الآن تشر البيانات المرئية المسجلة أو غيرها من التمثيلات السمعية والبصرية للبيانات على شبكة الإنترنت، وربطها بالتقارير التقليدية المطبوعة، أو يمكن أن تظهر في منشورات منفصلة على الانترنت. تعتبر هذه التطورات مهمة جدا في الأبحاث التي تتضمن التصوير البياني أو تحليلات تقاطع الصوت والصورة أو التحليل متعدد الوسائط، وتثري ما كان لولاها يقتصر على توضيحات مطبوعة ونسخ مكتوبة ثابتة بالأبيض والأسود للظواهر اللغوية التي غالبا ما تكون شفوية أساسا، ولكن يتم تمثيلها كتابيا. وقد عززت التقنيات الجديدة أيضا البحوث عن الأقليات في علم اللغة التطبيقي، مثل المكفوفين والصم (Hornberger and Corson, 1997)، ومكنت مجتمعات الشتات من البقاء على اتصال والتواصل بحرية باستخدام اللغات، وأحيانا بواسطة أنظمة رموز مختلطة تحت تصرفهم (Lam, 2008). كما سهلت التكنولوجيا أيضا توثيق اللغات المهددة بالانقراض. وبشكل متزايد تقوم بحوث علم اللغة التطبيقي التي تتضمن الاتصال بالحاسوب بتصوير اللغة ومعرفة القراءة والكتابة كممارسة اجتماعية يمكن فيها بناء وعرض وتحويل (أو مقاومة) الهويات اللغوية والاجتماعية، والتي تعتبر فيها النصية (intertextuality) الثرية، وتعدد القيد (multimodality)، والإبداع هي المعيار وهي موضوع التحليل (Snyder, 2008).

وبالإضافة إلى ذلك، فقد أصبح الاستخدام والوصول لبرامج إدارة وتحليل البيانات المصممة خصيصا للبحث النوعي أسهل في علم اللغة التطبيقي وعلى نطاق أوسع مما كان عليه في السابق (Dörnyei, 2007; Séror, 2005). وعلاوة على ذلك، فإن تطوير وسهولة الوصول إلى قواعد بيانات اللغة الأولى والثانية مثل بنك الأحاديث (http://www.talkbank.org) لماك ويني (MacWhinney, 2001) في جامعة كارنيجي ميلون (Carnegie Mellon University) الذي يُمثل قاعدة بيانات لغوية كبيرة من التفاعلات الصوتية للبشر والحيوانات التي يجري تحديثها باستمرار، وهي تحتوي حاليا على لغة الأطفال (CHILDES) وبيانات متعلقة بالحبسة، وتحليل الأحاديث، وثنائية اللغة، واكتساب اللغة الثانية، ومرتبطة مع بيانات صوتية ومرئية رقمية. توفر قاعدة بيانات الإلكترونية هذه مورد هائل للباحثين، بالاضافة لأدوات تحليل بياناتهم الخاصة وبيانات الآخرين. وبالإضافة إلى ذلك، لقد أحدثت المجاميع والفهارس لجمع وتحليل النصوص الشفوية والكتابية (Biber, Conrad and Reppen, 1998; Thomas and Short, 1996)، وقواعد البيانات الجديدة الناجمة عن استخدام الحاسوب في اختبار اللغة، وكذلك التفاعلات اللغوية في برامج تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب، أو غيرها من الشبكات الالكترونية، إمكانيات جديدة للبحث في علم اللغة التطبيقي. وبالتالي، فقد تأثرت الحقول الفرعية المتنوعة مثل اكتساب اللغة، وتحليل النصوص، وعلم التراكيب، وعلم الدلالة، والتقييم، وعلم اللغة الاجتماعي، والسياسة اللغوية. توفر البحوث التي تنطوي على أدوات وظيفية للتصوير العصبي (مثل التصوير بالرنين المغناطيسي، والرنين المغناطيسي الوظيفي) والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (Positron Emission Tomography) معلومات فورية قيّمة عن العمليات الداخلية للدماغ، وخاصة فيما يتعلق باللغات والمهام المختلفة بين أحاديي اللغة، ثنائيي اللغة، ومتعددي اللغات  (Wattendorf and Festman, 2008). لقد كانت العلاقات بين سن اكتساب اللغة الإضافية، ومستوى الطلاقة، وعمل القشرية التفاضلية، وتوطين الوظائف مهمة منذ فترة طويلة لعلماء علم اللغة العصبي، وعلماء الأحياء العصبية، و حرفيا توفر هذه التقنيات الجديدة نافذة على الأعمال الداخلية للدماغ.

بالإضافة إلى مجلة تعلم اللغة والتقنية (Journal of Language Learning and Technology)، التي أصبحت احد المجلات الأكثر احتراما للتقنيات الرقمية في علم اللغة التطبيقي، فإن المسح الحديث للبحث في علم اللغة التطبيقي بواسطة التقنية المتمثل في عمل ماركي (Markee, 2007) في العدد الخاص لمجلة المراجعة السنوية لعلم اللغة التطبيقي (Annual Review of Applied Linguistics ) يعتبر مفيد بشكل خاص. تتغير الاحتمالات يوميا تقريبا، بما يعرف في الوقت الحاضر بالويب 2.0 (Web 2.0) والعديد من التطبيقات والأدوات الأخرى للبحث اللغوي في المختبرات وفي البيئات والنصوص اليومية الطبيعية. الأدوات الرقمية موجودة في كل مكان وتستخدم في تحليل المحادثة، وعقد المؤتمرات عن بعد، والوصول الذاتي للبث، وكشف الغش والسرقات الأدبية (plagiarism)، و نمذجة النطق، والجوانب الأخرى للكلام أو الكتابة، وتتبع تقدم وأنشطة المرء أو الآخرين على الانترنت، والرسائل النصية، وأخذ الاختبارات، وإعطاء الدرجات للاختبارات.

مما لا شك فيه أن أبحاث علم اللغة التطبيقي المستقبلية ستستمر في التأثر بشكل كبير بالتطورات التقنية الجارية في معالجة اللغة الطبيعية، وأنظمة الترجمة الآلية الأخرى، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات تصوير الدماغ، وتعلم اللغة بمساعدة الحاسوب، والألعاب، والتعرف السمعي / البصري، والتتبع (لنظرات العين وغيرها)، وأجهزة النسخ. كما ستصبح الإجراءات والحزم الإحصائية المصممة لعلم اللغة التطبيقي أكثر تطورا. وكلما ركز البحث حول اللغات الأخرى غير الإنجليزية (بما في ذلك لغات الاشارة، وتلك التي تستخدم حروف هجائية مختلفة أو بدون أي تهجئة على الإطلاق)، وسعى إلى استيعاب مجموعة أكبر من المعلومات حول الرسائل (على سبيل المثال، اللفظية، والزمانية، والبصرية، والسياقية، والمادية ، والتجسيدية)، فسينتج عن ذلك أدوات إلكترونية جديدة وستنبثق رؤى نظرية أخرى.

 

المشاركون ومجتمعات البحث في بحوث علم اللغة التطبيقي

على الرغم من اختلاف مجتمعات البحث التي يركز عليها علم اللغة التطبيقي عن المناهج البحثية، إلا أن خصائص المجموعات قيد الدراسة سيكون لها بالتأكيد انعكاسات على كل من المنهجية والنظرية. على سبيل المثال، العمل حول ومع متعلمي اللغة الأصليين، ومجتمعاتهم وثقافاتها، ولغاتهم، ومستوى القراءة والكتابة، وأنظمة الرموز الأخرى، التي كانت دراستها ناقصة منذ فترة طويلة في علم اللغة التطبيقي، بدأ حاليا في الازدهار. وقد حدثت في العقدين الماضيين تطورات مهمة أيضا في معارف ونظريات المعرفة الأصلية وما بعد الاستعمار والتَحرير (على سبيل المثال Denzin, Lincoln, and Smith, 2008; L. T. Smith, 1999). إن توسيع قاعدة المشاركين في البحوث واللغات التي يمثلونها له آثار على الطريقة التي يتم بها التنظير في البحوث، وكيفية إجرائها، وتفسيرها، ونشرها لهذه المجتمعات البحثية، بالاضافة إلى الشكل الذي تتخذه في نهاية المطاف. وبالنظر إلى الوضع الخطير للكثير من هذه اللغات الأصلية والثقافات والأيديولوجيات المرتبطة بها، يتبين أن هناك حاجة ملحة لهذا العمل.

ولكن، مثلما هناك اهتمام كبير بتوسيع الأجندة الكلية للبحوث لكي تشمل مجموعة واسعة من مستخدمي اللغة والسياقات الجيولغوية (geolinguistic)، والتفكير في تجاربهم، يذكرنا مفكري ما بعد البنيوية والنقديين تذكر بعدم تجسيد أو جعل نف هذه المجتمعات البحثية هي الجوهرية. على سبيل المثال، لقد تم إجراء بحوث لغوية واجتماعية لغوية تطبيقية حول النوع الاجتماعي واللغة لأكثر من جيل مضى. ولكن العديد من العلماء في الوقت الحاضر حذرين للغاية بشأن إطلاق ادعاءات أو مزاعم كبرى على أساس النوع (أو الجنس، أو العرق، أو القدرة، أو العجز، أو كون المرء من يتكلم اللغة الأصلية، الخ)، كمجموعة محددة سلفا من الفئات المستقرة التي تكون دائما ملائمة، ويستبعد بعضها البعض (على سبيل المثال، ذكر / إنثى ) التي يمكن أن يُعزى إليها بعض السلوكيات ووجهات النظر بشكل فريد (على سبيل المثال، Bucholtz, 2003; Kyratzis and Cook-Gumperz, 2008). وبدلا من ذلك، يبحث العلماء في الوقت الحاضر بشكل متزايد على أدلة حول كيف أن العضوية في مثل هذه الفئات تبنى اجتماعيا ويتم تأديتها من خلال الخطاب ليس كفئة مشكّلة مسبقا (Pennycook, 2008)، ولكن بوصفها هوية واقعة وبالطرق المختلفة التي يضع بها المحاورين أنفسهم والآخرين من خلال تفاعلاتهم وغيرها من السلوكيات والخطاب، وكيف يمكنهم أيضا يفاوضون وينفون التوقعات المرجوة منهم فيما يتعلق بهذه الفئات الاجتماعية (Cameron and Kulick, 2003; Pavlenko, 2008b; Pavlenko and Piller, 2007).

كما يتم دراسة المتعلمين المسنين ومستخدمي اللغة في المزيد من بحوث علم اللغة التطبيقي، وكذلك الاشخاص المصابين بأمراض ادراكية أو مادية تنكسيه تؤثر على قدرات اللغة والتواصل. لقد أسفر إدراج الجماعات التي لم تلقى في الماضي اهتماما خاصا، مثل متعلمين تراث اللغة، العالميين، وطالبي اللجوء، واللاجئين، و مستخدمي ومتعلمي اللغة الصغار جدا أو الكبار جدا، ومتعدد اللغات والثقافات، وما يسمى جيل المواطنين الرقميين (الشباب وصغار البالغين الذين يتم وضعهم في مجال تقنية المعلومات الرقمية والاتصالات الجديدة)، كمشاركين في بحوث علم اللغة التطبيقي (على سبيل المثال، في بحوث اكتساب اللغة الثانية، اختبار اللغة، السياسة اللغوية، علم اللغة الاجتماعي، وتعليم اللغة، وتعليم القراءة والكتابة)، عن فهم نظري جديد ومهم الذي غالبا ما كان يتطلب طرق منهجية جديدة لم تستخدم سابقا لأن هذه المجتمعات البحثية قد تم استبعادها من الأبحاث السابقة.

 

 

الخاتمة

لقد قدمنا في هذا الفصل لمحة موجزة عن كلا النهجين، المهيمن والناشئ، في بحوث علم اللغة التطبيقي، ولا سيما تلك التي يتم وصفها عادة بالكمية والنوعية، أو الطريقة المختلطة ، وكذلك الكيفية التي يتم بها مناقشها والاستفادة منها في هذا المجال. تتضمن مواضيع البحث والمناهج التي تمت مناقشتها، والتي تشبه إلى حد كبير مجال علم اللغة التطبيقي، مختلف الالتزامات الفلسفية والنظرية وكذلك التفضيلات والممارسات المنهجية. وقد أثبت البحث في علم اللغة التطبيقي في العقدين الماضيين قدر أكبر من التعددية والصرامة، وزيادة الحساسية لسياقات الأبحاث، وخصائص وتنوع المشاركين في البحوث، والحاجة إلى استخلاص رؤى نظرية ذات مغزى من النتائج، والنظر بعناية للقيود على تعميم (أو نقل) النتائج. ومن المتوقع أيضا المناقشة الصريحة والانعكاس على تاريخ الباحثين الخاص، واستثماراتهم، وأدوارهم في عملية البحث بدرجة أكبر من ذي قبل، ليس فقط في علم اللغة التطبيقي، ولكن عبر العلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل عام (Duff, 2008). وقد أكدت المناقشة الصريحة لعلم المعايير (criteriology) في تقييم الأبحاث على أن الباحثين مسؤولين على معرفة ليس فقط عن كيفية إجراء وتقييم العمل في مجالاتهم العلمية الخاصة، ولكن أيضا حول مختلف المعايير، والقواعد، والأنواع، والتوقعات في المجالات الأخرى في علم اللغة التطبيقي (Edge and Richards, 1998; Lazaraton, 2003; cf. M. Freeman et al., 2007). هناك اعتراف متزايد واحترام للقضايا الأساسية للأخلاقيات، والإنصاف، والصلاحية في مجال بحوث وممارسات علم اللغة التطبيقي (على سبيل المثال، Cameron et al., 1992; Davies,1997; Davis, 1995; Ortega, 2005)، والانتباه إلى عواقب البحث على السياسة التعليمية وممارستها، والوعي بأن بعض القضايا، ومجتمعات البحث، واللغات، والمناطق الجغرافية قد لاقت اهتماما بحثيا كبيرا (والتمويل)، بينما البعض الآخر بقى غير مرئي أو على الهامش. هذه النقطة الأخيرة لا تشير فقط إلى الاختلالات في المؤسسة البحثية العالمية، ولكن أيضا لها آثار تتعلق بأوجه القصور في الاستنتاجات النظرية المستمدة من الأعمال المحصورة في مناطق، ولغات، ومشاركين معينين على حساب الآخرين.

وقد أدى تطوير المعايير النموذجية للبحوث الكمية، النوعية، وبحوث الطرق المختلطة، واعداد التقارير، إلى العديد من الدراسات وبرامج البحوث التي تم تنفيذها بعناية. وبالإضافة إلى ذلك، حدث وعي جماعي أكبر وفهم لطرق البحث المختلفة ومجالات الدراسة. ان التعاون بين الباحثين في ظواهر مماثلة في مختلف السياقات (الاجتماعية) اللغوية، والثقافية، والجغرافية (كما هو الحال في العمل المتعلق ببراغماتية اللغة البينية، Blum-Kulka, House, and Kasper, 1989) سيفيد بالتأكيد تطوير النظريات والتطبيقات العملية . كما ان الجمع بين خبرة علماء علم اللغة التطبيقي الذين يتبنون نماذج البحثية مختلفة في أنواع التحليل التكميلية لنفس الظاهرة سيسفر أيضا عن تحليلات للقضايا المعقدة تكون أكثر ثراء (Koschmann, 1999). لقد نفذ بارنارد وتوريس-جوزمان (Barnard and Torres-Guzman, 2009) احد المشاريع الحديثة التي تعكس البحوث المتعددة المنظور (multiperspectival)، حيث جعلوا كتّاب الفصول يعرضون تحليلاتهم الخاصة حول خطاب الفصول الدراسية، والتنشئة الاجتماعية اللغوية في المدارس في أماكن مختلفة من العالم، وبعد ذلك طلبوا من باحثين آخرين القيام بجولة ثانية (تحليل مستقل) لنفس البيانات لرؤية كيف تختلف تحليلاتهم وتفسيراتهم. الكثير من البحوث المتعددة المنظور والتثليث النظري التي تتضمن باحثين مختلفين أو من نفس المدارس والتخصصات (على سبيل المثال، علم الإنسان، علم النفس، والتعليم، وعلم اللغة) يقومون بفحص نفس البيانات بأطرهم المرجعية الخاصة من شأنه أن يثري علم اللغة التطبيقي.

على الرغم من أن الكثير من الأبحاث في علم اللغة التطبيقي تهتم اساسا بالقدرات، والسلوكيات، أو الظروف اللغوية الاجتماعية والظواهر عند نقطة زمنية واحدة (عادة ما تكون الحاضر أو الماضي القريب)، فإن هناك حاجة للأبحاث التي تستمر على مدى فترات أكبر من الوقت، والفضاء، والأنشطة، خاصة في الدراسات التنموية والدراسات التي تحاول إثبات فعالية تدخلات معينة على المدى الطويل، أو تلك المتعلقة ب (الأكاديمية) بالتنشئة الاجتماعية اللغوية (الأكاديمية) أو فقدان اللغة (Heath, 2000). تمثل دراسة اورتيجا وبيرنز (Ortega and Byrnes, 2008) مساهمة حقيقية في علم اللغة التطبيقي، وبالتحديد لأنها تتعامل مع كل من البحث الطولي والبحث المتعلق بمتعلمي اللغة المتقدمين. لقد استخدمت دراسات النسخ المتماثل، والتحليلات الفوقية، وعبر اللغوية، وعبر الأجيال، وعبر الأوساط (على سبيل المثال، / مكتوب أو شفوي) بطرق محدودة في علم اللغة التطبيقي ، ومع مجموعات معينة من اللغات، ووسائل الإعلام، والفئات العمرية. يسلط العمل الحديث الذي قام به تارون، وبجلو، وهانسن (Tarone, Bigelow, and Hansen, 2009) الضوء على الفوائد النظرية لاكتساب اللغة الثانية بفحص مستويات محو الأمية للمتعلمين في دراسات تطور اللغة الشفوية ومعالجتها. وهكذا، فإن البحث وراء طريقة (modality) واحدة للقدرة اللغوية واستخدامها لرؤية الروابط عبر الطرائق يعتبر مهم جدا.

من شأن بحوث الطريقة المتعددة (multimethod) في علم اللغة التطبيقي أن توفر تثليث أكبر للنتائج وتساعد في تحديد وتفسير النقاط الغنية في البحث (Hornberger, 2006a). لقد بدأت الأبحاث تأخذ في الاعتبار بطرق مهمة ليس فقط الجوانب الفردية (على سبيل المثال، المعرفية واللغوية والوجدانية) وجوانب المجموعة (الاجتماعية) من السلوك اللغوي والمعرفة، ولكن أيضا الجوانب الاجتماعية والثقافية والتاريخية والسياسية والأيديولوجية. ونتيجة لذلك، يتم وضع مزيد من التركيز على الهويات المتعددة المتحولة أحيانا، ووجهات النظر، وكفاءات المشاركين في الأبحاث والباحثين، فضلا عن السياقات المتعددة التي يتم فيها تعلم اللغة، وإنتاجها، وتفسيرها، وترجمتها، ونسيانها، وحتى القضاء عليها (Norton, 2000; Duff, 2008).

وأخيرا، يتم إجراء كل البحوث الأساسية أو النقية للمساهمة في قاعدة المعرفة والنمو النظري للحقل. وهكذا، فإن أجراء البحوث السليمة من الناحية النظرية، فبالتأكيد ستكون هناك اكتشافات جديدة، ورؤى، وتطبيقات في مخزن حقل علم اللغة التطبيقي. في مجال البحوث التطبيقية التي تهدف إلى انتاج المزيد من الفهم للظواهر في العقل والعالم والتي تساعد أيضا على تحسين بعض جوانب الحالة الإنسانية، فإن زيادة الدعم والتدخل الاجتماعي والسياسي مطلوب. هذه، إذن، ليست سوى بعض القضايا والتحديات التي يجب على علماء اللغة معالجتها في المستقبل من منظورات مختلفة وباستخدام مجموعة متنوعة من المناهج. في الواقع، كلما تحولت وجهات نظر جديدة، وأنواع وسائل الإعلام لإعداد ونشر التقارير البحثية، فستظهر أيضا مجالات وتحديات جديدة للبحث في علم اللغة التطبيقي، لتقييم الأشكال الابداعية غير التقليدية للبحث.

 

 

المراجع

Antonek, J., R. Donato, and G. R. Tucker (2000). Differential linguistic development of Japanese language learners in elementary school. Canadian Modern Language Review 57, 325–351.

 

Atkinson, P., and S. Delamont (2006). Rescuing narrative from qualitative research. Narrative Inquiry 16(1), 164–172.

 

Baker, C. (2008). Survey methods in researching language and education. In K. King, and N. H. Hornberger (Eds.), Research Methods in Language and Education: Encyclopedia of Language and Education (vol. 10, pp. 55–68). New York: Springer.

 

Bamberg, M. G. W. (Ed.). (1998). Oral versions of personal experience: Three decades of narrative analysis [Special issue]. Journal of Narrative and Life History 7(1–4).

 

Barnard, R., and M. Torres-Guzman (Eds.). (2009). Creating Communities of Learning in Schools. Clevedon, Avon, UK: Multilingual Matters.

 

Belcher, D., and U. Connor (Eds.). (2001). Reflections on Multiliterate Lives. Clevedon, Avon, UK: Multilingual Matters.

 

 

Bergman, M. M. (Ed.). (2008). Advances in Mixed Methods Research. London: Sage.

 

Biber, D., S. Conrad, and R. Reppen (1998). Corpus Linguistics: Investigating Language Structure and Use. Cambridge: Cambridge University Press.

 

Blum-Kulka, S., J. House, and G. Kasper (Eds.). (1989). Cross-Cultural Pragmatics: Requests and Apologies. Norwood, NJ: Ablex.

 

Bucholtz, M. (2003). Theories of discourse as theories of gender: Discourse analysis in language and gender studies. In J. Holmes, and M. Meyerhoff (Eds.), The Handbook of Language and Gender (pp. 43–68). Malden, MA: Blackwell.

 

Cameron, D., and D. Kulick (2003). Language and Sexuality. Cambridge: Cambridge University Press.

 

Cameron, D. (1992). Feminism and Linguistic Theory (2nd ed.). New York: St. Martin’s Press.

 

Cameron, D., E. Frazer, P. Harvey, M. B. H. Rampton, and K. Richardson (Eds.). (1992). Researching Language: Issues of Power and Method. London: Routledge.

 

Campbell, S., and C. Roberts (2007). Migration, ethnicity and competing discourses in the job interview: Synthesizing the institutional and personal. Discourse & Society 18(3), 243–271.

 

Chalhoub-Deville, M., and C. Deville (2008). Utilizing psychometric developments in assessment. In E. Shohamy, and N. H. Hornberger (Eds.), Language Testing and Assessment: Encyclopedia of Language and Education (2nd ed., vol. 7, pp. 211–223). New York: Springer.

 

Clandinin, D. (Ed.). (2007). Handbook of Narrative Inquiry. Thousand Oaks: Sage.

 

Clandinin, D., and F. M. Connelly (2000). Narrative Inquiry: Experience and Story in Qualitative Research. San Francisco: Jossey-Bass.

 

Coffey, S., and B. Street (2008). Narrative and identity in the “language learning project.” Modern Language Journal 92(3), 452–464.

 

Creese, A., P. W. Martin, and N. H. Hornberger (Eds.). (2008). Language Ecology: Encyclopedia of Language and Education (vol. 9). New York: Springer.

 

Cresswell, J. W. (2005). Research Design: Qualitative, Quantitative, and Mixed Methods Approaches (2nd ed.). Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Davies, A. (Ed.). (1997). Ethics in language testing [Special issue]. Language Testing 14(3).

 

Davis, K. (1995). Qualitative theory and methods in applied linguistics research. TESOL Quarterly 29, 427–453.

 

Denzin, N. K. (2008). The new paradigm dialogs and qualitative inquiry. International Journal of Qualitative Studies in Education 21(4), 15–25.

 

Denzin, N. K., Y. S. Lincoln, and L. Smith (Eds.). (2008). Handbook of Critical and Indigenous Methodologies. Thousand Oaks: Sage.

 

Denzin, N. K., and Y. S. Lincoln (2005a). Introduction: The discipline and practice of qualitative research. In N. K. Denzin, and Y. S. Lincoln (Eds.), The Handbook of Qualitative Research (3rd ed., pp. 1–32). Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Denzin, N. K., and Y. S. Lincoln (Eds.). (2005b). The Handbook of Qualitative Research (3rd ed.). Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Duff, P. A., and N. H. Hornberger (Eds.). (2008). Language Socialization: Encyclopedia of Language and Education (vol. 8). New York: Springer.

 

Duff, P. A. (2002a). Research approaches in applied linguistics. In R. B. Kaplan (Ed.), The Oxford Handbook of Applied Linguistics (pp 13–23). New York: Oxford University Press.Find this resource:

 

Duff, P. A. (2002b). The discursive co-construction of knowledge, identity and difference: An ethnography of communication in the high school mainstream. Applied Linguistics 23, 289–322.Find this resource:

Duff, P. A. (2006). Beyond generalizability: Contextualization, complexity and credibility in applied linguistics research. In M. Chalhoub-Deville, C. Chapelle, and P. Duff (Eds.), Inference and Generalizability in Applied Linguistics: Multiple Research Perspectives (pp. 65–95). Amsterdam: John Benjamins.

 

Duff, P. A. (2008). Case Study Research in Second Language Acquisition. New York: Lawrence Erlbaum/Taylor & Francis.

 

Dörnyei, Z. (2007). Research Methods in Applied Linguistics. Oxford: Oxford University Press.Find this resource:

 

Doughty, C., and J. Williams (1998a.) Pedagogical choices in focus on form. In C. Doughty, and J. Williams (Eds.), Focus on form in classroom second language acquisition (pp. 197–261). Cambridge: Cambridge University Press.

 

Doughty, C., and J. Williams (Eds.). (1998b). Focus on Form in Classroom Second Language Acquisition. New York: Cambridge University Press.

 

Ellis, N. C. (1999). Cognitive approaches to SLA. In W. Grabe, et al (Eds.) Annual Review of Applied Linguistics 19. A Survey of Applied Linguistics (pp. 22–42). New York: Cambridge University Press.

 

Edge, J., and K. Richards (1998). May I see your warrant, please? Justifying outcomes in qualitative research. Applied Linguistics 19, 334–356.

 

Ehrlich, S. (1997). Gender as social practice. Studies in Second Language Acquisition 19, 421–446.

 

Freeman, R. D. (1997). Researching gender in language use. In N. Hornberger, and D. Corson (Eds.), Research Methods in Language and Education: Encyclopedia of Language and Education (vol. 8, pp. 47–56). Dordrecht: Kluwer.

 

Freeman, M., K. deMarrais, J. Preissle, K. Roulston, and E. St. Peirre (2007). Standards of evidence in qualitative research: An incitement to discourse. Educational Researcher 36(1), 25–32.

 

Gall, J. P., M. D. Gall, and W. T. Borg (2005). Applying Educational Research (5th ed.). Boston: Pearson Education.Find this resource:

 

Gall, M. D., J. P. Gall, and W. T. Borg (2003). Educational Research (7th ed.). White Plains, NY: Pearson Education.Find this resource:

 

Gee, J. (1996). Social Linguistics and Literacies: Ideology in Discourses (2nd ed.). London: Falmer.

 

Goldstein, T. (2001). Hong Kong, Canada: Playwriting as critical ethnography. Qualitative Inquiry 7(3), 279–303.

 

Goldstein, T. (1997). Two Languages at Work: Bilingual Life on the Production Floor. Berlin: Mouton de Gruyter.

 

Gomm, R., M. Hammersley, and P. Foster (2000). Case Study Method. Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Guba, E. G., and Y. S. Lincoln (1994). Competing paradigms in qualitative research. In N. K. Denzin, and Y. S. Lincoln (Eds.), Handbook of Qualitative Research (pp. 105–117). Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Gubrium, J. F., and J. A. Holstein (Eds.). (2002). Handbook of Interview Research: Context and Method. Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Harklau, L. (2005). Ethnography and ethnographic research on second language teaching and learning. In E. Hinkel (Ed.), Handbook of Research in Second Language Teaching and Learning (pp.179–194). Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum.

 

Hatch, E. M., and A. Lazaraton (1991). The Research Manual: Design and Statistics for Applied Linguistics. New York: Newbury House.

 

Heath, S. B., and B. Street (2008). On Ethnography: Approaches to Language and Literacy Research. New York: Teachers College Press.

 

Heath, S. B. (2000). Linguistics in the study of language in education. Harvard Educational Review 70, 49–59.

 

Hinkel, E. (Ed.). (1999). Culture in Second Language Teaching and Learning. New York: Cambridge University Press.

 

Hornberger, N. H. (2006a). Negotiating methodological rich points in applied linguistics research: An ethnographer’s view. In M. Chalhoub-Deville, C. Chapelle, and P. Duff (Eds.), Inference and Gernalizability in Applied Linguistics (pp. 221–240). Amsterdam: John Benjamins.

 

Hornberger, N. H., and D. Corson (Eds.). (1997). Research Methods in Language and Education: Encyclopedia of Language and Education (vol.8). Dordrecht: Kluwer.

 

Hulstijn, J., and R. DeKeyser (Eds.). (1997). Testing SLA theory in the research laboratory [Special issue]. Studies in Second Language Acquisition 19, 2.

 

Kempe, V., and B. MacWhinney (1998). Acquisition of case marking by adult learners of German and Russian. Studies in Second Language Acquisition 20, 543–587.

 

King, K. A., and N. H. Hornberger (Eds.). (2008). Research Methods in Language and Education: Encyclopedia of Language and Education (vol. 10). New York: Springer.Find this resource:

 

Kinginger, C. (2008). Language Learning in Study Abroad: Case Histories of Americans in FranceModern Language Journal (Monograph Series 92). Oxford: Blackwell.

 

Kanno, Y. (2003). Negotiating Bilingual and Bicultural Identities: Japanese Returnees betwixt Two Worlds. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum.

 

Koschmann, T. (1999). Meaning making [Special issue]. Discourse Processes 27(2).

 

Kouritzen, S. (1999). Face[t]s of First Language Loss. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum.

 

Kunnan, A. J. (1999). Recent developments in language testing. In W. Grabe et al. (Eds.), Annual Review of Applied Linguistics: Vol. 19. A Survey of Applied Linguistics (pp. 235–253). New York: Cambridge University Press.

 

Kvale, S. (2006). Dominance through interviews and dialogues. Qualitative Inquiry 12(3), 480–500.

 

Kyratzis, A., and J. Cook-Gumperz (2008). Language socialization and gendered practices in childhood. In P. Duff, and N. H. Hornberger (Eds.), Language Socialization Encyclopedia of Language and Education (vol. 8, pp. 145–156). New York: Springer.

 

Lam, W. S. E. (2008). Language socialization in online communities. In P. A. Duff, and N. H. Hornberger (Eds.), Language Socialization: Encyclopedia of Language and Education (vol. 8, pp. 301–311). New York: Springer.

 

Lantolf, J. P., and S. L. Thorne (2007). Sociocultural theory and second language acquisition. In B. VanPatten, and J. Williams (Eds.), Theories in Second Language Acquisition (pp. 201–224). Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum.

 

Lantolf, J., and S. L. Thorne (2006). Sociocultural Theory and the Genesis of Second Language Development. Oxford: Oxford University Press.

 

Lantolf, J. P. (Ed.). (2000). Sociocultural Theory and Second Language Learning. New York: Oxford University Press.

 

Lazaraton, A. (2008). Utilizing qualitative methods for assessment. In E. Shohamy, and N. H. Hornberger (Eds.), Language Testing and Assessment: Encyclopedia of Language and Education (2nd ed., vol. 7, pp. 197–209). New York: Springer.

 

Lazaraton, A. (2003). Evaluating criteria for qualitative research in applied linguistics: Whose criteria and whose research? Modern Language Journal 87, 1–12.

 

Lazaraton, A. (2000). Current trends in research methodology and statistics in applied linguistics. TESOL Quarterly 34(3), 175–181.

 

Lincoln, Y. S., and E. G. Guba (2000). Paradigmatic controversies, contradictions and emerging confluences. In N. K. Denzin, and Y. S. Lincoln (Eds.), Handbook of Qualitative Research (2nd ed., pp. 163–188). Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Mackey, A., and S. M. Gass (2005). Second Language Research: Methodology and Design. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum.Find this resource:

 

MacWhinney, B. (2001). From CHILDES to TalkBank. In M. Almgren, A. Barreña, M. Ezeizaberrena, I. Idiazabal, and B. MacWhinney (Eds.), Research on Child Language Acquisition (pp. 17–34). Somerville, MA: Cascadia.

 

Madison, S. (2005). Critical Ethnography: Method, Ethics and Performance. Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Markee, N. P. (Guest Ed.). (2007). Annual Review of Applied Linguistics: Vol. 27. Language and Technology. New York: Cambridge University Press.

 

McKay, S. L., and N. H. Hornberger (Eds.). (1996). Sociolinguistics and Language Teaching. New York: Cambridge University Press.

 

Merriam, S. (1998). Qualitative Research and Case Study Applications in Education (2nd ed.). San Francisco: Jossey-Bass.

 

Mills, S. (Ed.). (1995). Language and Gender. London: Longman.

 

Moore, L. C. (2008). Language socialization and second/foreign language and multilingual education in non-Western settings. In P. A. Duff, and N. H. Hornberger (Eds.), Language Socialization: Encyclopedia of Language and Education (vol.8, pp.175–185).New York: Springer.

 

Morita, N. (2004). Negotiating participation and identity in second language academic communities. TESOL Quarterly 38, 573–603.

 

Norgate, S. (1997). Research methods for studying the language of blind children. In N. Hornberger, and D. Corson (Eds.), Research Methods in Language and Education: Encyclopedia of Language and Education (vol. 8, pp. 165–173). Dordrecht: Kluwer.

 

Norris, J. M., and L. Ortega (2007). The future of research synthesis in applied linguistics: Beyond art or science. TESOL Quarterly 41, 805–815.Find this resource:

 

Norris, J. M., and L. Ortega (2006a). The value and practice of research synthesis for language learning and teaching. In J. Norris, and L. Ortega (Eds.), Synthesizing Research on Language Learning and Teaching (pp. 3–50). Philadelphia: John Benjamins.Find this resource:

 

Norris, J. M., and L. Ortega (Eds.). (2006b). Synthesizing Research on Language Learning and Teaching. Philadelphia: John Benjamins.Find this resource:

 

Norton, B., and K. Toohey (Eds.). (2004). Critical Pedagogies and Language Learning. New York: Cambridge University Press.

Norton, B. (2000). Identity and Language Learning: Gender, Ethnicity and Educational Change. London: Longman/Pearson Education

Ortega, L., and H. Byrnes (Eds.). (2008). The Longitudinal Study of Advanced L2 Capacities. New York: Routledge.

Ortega, L., and G. Iberri-Shea (2005). Longitudinal research in SLA: Recent trends and future direction. In M. McGroarty et al. (Eds.), Annual Review of Applied Linguistics: (p. 680) Vol. 25. A Survey of Applied Linguistics (pp. 26–45). New York: Cambridge University Press.

 

Ortega, L. (Ed.). (2005). Methodology, epistemology and ethics in instructed SLA research [Special issue]. Modern Language Journal 89(3).

 

Pavlenko, A. (2008b). Research methods in the study of gender in second/foreign language education. In K. King (Ed.), Research Methods in Language and Education Encyclopedia of Language and Education (vol. 10, pp. 165–174). New York: Springer.

 

Pavlenko, A. (2007a). Autobiographic narratives as data in applied linguistics. Applied Linguistics 28, 163–188.

 

Pavlenko, A. (2007b). Narrative analysis. In L. Wei and M. G. Moyer (Eds.), The Blackwell Guide to Research Methods in Bilingualism and Multilingualism (pp. 311–325). Malden, MA: Blackwell.

 

Pavlenko, A., and J. P. Lantolf (2000). Second language learning as participation and the (re)construction of selves. In J. P. Lantolf (Ed.), Sociocultural Theory and Second Language Learning (pp. 155–177). New York: Oxford University Press.

 

Pavlenko, A., and I. Piller (2007). Language education and gender. In S. May (Ed.), Language policy and political issues in education: Encyclopedia of Language and Education (vol. 1, pp. 57–69). New York: Springer.

 

Pennycook, A. (2008). Critical applied linguistics and language education. In S. May, and N. H. Hornberger (Eds.), Language Policy and Political Issues in Education Encyclopedia of Language and Education (vol. 1, pp. 169–181). New York: Springer.

 

Pennycook, A. (Ed.). (1999). Critical approaches to TESOL [Special issue]. TESOL Quarterly 33(3).

 

 

Polkinghorne, D. (2007). Validity issues in narrative research. Qualitative Inquiry 13(4) 471–486.

 

Rampton, B. (1995). Politics and change in research in applied linguistics. Applied Linguistics 12, 229–248.

 

Richards, K. (2009). Trends in qualitative research in language teaching since 2000. Language Teaching 42(2), 147–180.Find this resource:

 

Richards, K. (2003). Qualitative Inquiry in TESOL. New York: Palgrave Macmillan.

 

Riessman, C. K. (2008). Narrative Methods for the Human Sciences. Los Angeles: Sage.

 

Schumann, J. H. (1997). The Neurobiology of Affect in Language. Boston: Blackwell. (Also published by Language Learning as a supplement to vol. 48, 1998.)

 

Séror, J. (2005). Computers and qualitative data analysis: Paper, pens and highlighters vs. screen, mouse and keyboard. TESOL Quarterly 39(2) 321–328.

 

Silverman, D. (2001). Interpreting Qualitative Data: Methods for Analysing Talk, Text and Interaction (2nd ed.). Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Smith, L. T. (1999). Decolonizing Methodologies: Research and Indigenous Peoples. Dunedin, NZ: University of Otago Press.

 

Snyder, I. (2008). Research approaches to the study of literacy, technology and learning. In K. King, and N. H. Hornberger (Eds.), Research Methods in Language and Education: Encyclopedia of Language and Education(2nd ed., vol.10, pp.299–308). New York: Springer.

 

Talmy, S. (2008). The cultural productions of ESL student at Tradewinds High: Contingency, multidirectionality and identity in L2 socialization. Applied Linguistics 29, 619–644.

 

Talmy, S., and K. Richards (Eds.). (forthcoming). Qualitative interviews in applied linguistics: Discursive perspectives [Special issue]. Applied Linguistics 31.

 

Tarone, E., M. Bigelow, and K. Hansen (2009). Literacy and Second Language Oracy. Oxford: Oxford University Press.

 

Tashakkori, A., and C. Teddlie (Eds.). (2003). Handbook of Mixed Methods in Social and Behavioral Research. Thousand Oaks, CA: Sage.Find this resource:

 

Tashakkori, A., and C. Teddlie (1998). Mixed Methodology: Combining Qualitative and Quantitative Approaches. Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Taylor, M. C. (2008). Arts-based approaches to inquiry in language education. In K. King, and N. H. Hornberger (Eds.), Research Methods in Language and Education: Encyclopedia of Language and Education (2nd ed., vol. 10, pp. 243–254). New York: Springer.

 

Teddlie, C., and A. Tashakkori (2009). Foundations of Mixed Methods Research: Integrating Quantitative and Qualitative Approaches in the Social and Behavioral Sciences. Thousand Oaks, CA: Sage.

 

Thomas, J., and M. Short (Eds.). (1996). Using Corpora for Language Research. London: Longman.

 

Thomas, M. (1998). Programmatic ahistoricity in second language acquisition theory. Studies in Second Language Acquisition 20, 387–405.

 

Toohey, K. (2008). Ethnography and language education. In N. H. Hornberger, and K. King (Eds.), Encyclopedia of Language and Education: Research Methods in Language and Education (2nd ed., vol. 10, pp. 177–187). New York: Springer.

 

Watson-Gegeo, K. A. (1988). Ethnography in ESL: Defining the essentials. TESOL Quarterly 22, 575–592.

 

Wattendorf, E., and J. Festman (2008). Images of the multilingual brain: The effect of age of second language acquisition. In K. de Bot (Guest Ed.), Annual Review of Applied Linguistics: Vol. 28. Aspects of Language Processing (pp. 3–24). New York: Cambridge University Press.

 

Wei, L., and M. G. Moyer (Eds.). (2007). The Blackwell Guide to Research Methods in Bilingualism and Multilingualism. Malden, MA: Blackwell.

 

 

 

 

أعلم حبيبك
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Reddit
Share On Stumbleupon
Share On Youtube
Contact us