البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي

كتبه :أ. فرج محمد صوانيوم : 6 يناير 2017 | في تصنيف : البحث العلمي,علم اللغة |اترك رد |

البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي

إن حقل علم اللغة التطبيقي مجال بحثي واسع متعدد التخصصات يركز على اللغات وهي قيد الاستخدام، ويربط معرفتنا باللغات بفهم الكيفية التي تُستخدم بها في العالم الواقعي. يعمل علماء علم اللغة التطبيقي في مجالات بحثية مختلفة بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، اكتساب اللغة الثانية (Second Language  Acquisition)، تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية أو أخرى ، الاتصالات في أماكن العمل، التخطيط اللغوي والسياسة، وهوية اللغة والجنس. كما يعمل كثير من علماء  اللغة التطبيقيين أيضا في المجالات ذات الصلة مثل التربية وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا.

 

أحد المجالات الهامة للبحوث في علم اللغة التطبيقي هو تحليل اللغة. ينظر الباحثون في مجال اكتساب اللغة الثانية مثلا، في ماهية الأخطاء اللغوية التي يقع فيها المتعلمين عادة في مراحل مختلفة من تطور لغتهم، وينظر الباحثون في مجال تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية في الكيفية التي يساعد بها كتاب في فن الكتابة الطلاب على تطوير مهاراتهم في التعبير والانشاء. يتمثل المجال الهام الثاني في علم اللغة التطبيقي في دراسة سياقات وخبرات استخدام اللغة. فعلى سبيل المثال، يمكن للباحثين المتخصصين في مجال الاتصالات في أماكن العمل دراسة الكيفية التي تستخدم بها النساء المهاجرات الذين يتقنون اللغة بدرجات مختلفة اللغة الهدف  للتواصل مع زملاء العمل، و قد يدرس الباحثين في مجال تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية كيف تؤثر بيئة الفصول الدراسية على مواقف واتجاهات الطلبة نحو تعلم اللغة. وبالمثل، قد ينظر الباحثين في مجال الهوية اللغوية كيف تقوم الأقليات الجنسية بتشكيل هويتهم من خلال اللغة.

 

كيف يتعامل الباحثين مع هذه القضايا؟ جوهريا، لديهم ثلاثة خيارات: استخدام البحث الكمي، البحث النوعي، أو استخدام كلاهما باستخدام ما يسمى طرق البحث المختلطة. وبينما ينطوي البحث الكمي على جمع البيانات الرقمية في المقام الأول ثم تحليلها باستخدام الأساليب الإحصائية، نجد أن البحث النوعي يستلزم جمع البيانات النصية في المقام الأول ودراستها باستخدام التحليل التفسيري. أما طرق البحث المختلطة فتُوظف كلا النوعين، الكمي والنوعي، وفقا لأهداف وسياق المشروع الواحد وطبيعة الأسئلة البحثية التي يحاول الإجابة عليها.

 

سنركز في الأقسام التالية بشكل رئيسي على البحث النوعي، حيث سنستكشف أولا ما هو، ثم نوضح كيفية استخدامه لدراسة السياقات والخبرات المتعددة للغة وهي قيد الاستخدام.

 

 

ما هو البحث النوعي؟

يُستخدم مصطلح “البحث النوعي” للإشارة إلى منهجية بحثية معقدة قيد التطور. ترجع جذور البحث النوعي إلى عدد من التخصصات المختلفة، وبصورة رئيسية الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع، والفلسفة، ويستخدم الآن في جميع المجالات بحوث العلوم الاجتماعية تقريبا، بما في ذلك علم اللغة التطبيقي. وقد تم تطوير عدد كبير من الطرق البحثية في البحوث النوعية تشمل البحث السردي (narrative inquiry)، دراسة الحالة (case study)، الاثنوغرافيا (ethnography)، والبحث العملي (action research)، دراسة الظواهر (phenomenology)، والنظرية المتجذرة (grounded theory). تستخدم هذه الطرق مجموعة واسعة من وسائل جمع البيانات، مثل الملاحظة والمقابلات وعناصر الاستبيانات التي تتطلب الاستجابات المفتوحة والتقارير اللفظية، واليوميات، وتحليل الخطاب. سيتم مناقشة هذه الطرق والأساليب في هذا الفصل. وقد تم تطوير عدد من التقنيات والاستراتيجيات البحثية في كل من هذه المناهج والطرق البحثية لمساعدة الباحث النوعي على القيام بعمله اليومي (تصور المشروع البحثي، وجمع وتحليل البيانات، وكتابة أو عرض النتائج في التقرير البحثي. لقد زاد عدد المصطلحات والمفاهيم المستخدمة لتعريف هذه المناهج والطرق والاستراتيجيات والتقنيات المرتبطة بها إلى درجة أنه أصبح هناك الآن حتى قاموس للبحث النوعي (Schwandt, 2007).

 

سؤالين مهمين

بما أن البحث النوعي يعتبر ميدان واسع، فسنبدأ استكشافنا من خلال النظر في سؤالين، بسيطين ولكنهما أساسيين، يواجهان جميع الباحثين، وهما “ما هي الحقيقة؟” (انظر الأنطولوجيا ontology) و “ما هي المعرفة؟” (انظر نظرية المعرفة epistemology). تتشكل اجابة الباحثون على هذه الأسئلة بالكيفية التي ينظرون بها للعالم، وبالكيفية التي يصور بها الأكاديميين الآخرين البحث. لقد وضع عددا من النماذج المقبولة عموما في مجال العلوم الاجتماعية التي تصوغ هذه الأطر المفاهيمية، ويطلق عليها اسم النماذج (paradigms). لقد أثرت النماذج تأثيرا عميقا في تطوير البحث في مجال البحوث عموما وفي البحث النوعي على وجه الخصوص. يمكننا توضيح ذلك من خلال المقارنة بين اثنين منها والتي غالبا ما تُعطى كأمثلة لوجهات النظر المتضادة، ألا وهي الوضعية (positivism) والبنائية (constructivism).

 

يعتقد الوضعيين (Positivists) أن هناك حقيقة واحدة فقط ثابتة ومتفق عليها، ولذلك يجب أن يسعى البحث لإيجاد حقيقة عالمية واحدة. ينظر الوضعيون للعالم بأنه حقيقي، كشيء موجود بشكل مستقل عن أنفسهم. كما يعتقدون أنه يمكن جعل هذه الحقيقة كمية، وأن الغرض من البحث هو قياسها بدقة قدر الإمكان. ولأن الوضعيين يعتقدون أن هناك حقيقة عالمية واحدة، فهم يفترضون أيضا أن أي حقائق يكتشفونها حول هذه الحقيقة يمكن تنطبيقها أيضا على مجموعات أو حالات أخرى، بغض النظر عن السياق. للباحثين  إن أحد الأهداف الرئيسية للتحقيق العلمي بالنسبة للباجتين الذي يسلكون نهجا وضعيا، هو صياغة الفرضيات التي من شأنها أن تسمح لهم ببناء توقعات حول ما سيحدث في المستقبل، أو استنتاجات حول سياقات أخرى. ووفقا لمدرسة الفكر الوضعية، فإن دور الباحث هو أن يكون منفصلا وموضوعيا أثناء جمع البيانات وتفسير النتائج.

 

قد يتذكر بعض القراء أنهم فد درسوا العديد من هذه النقاط في دروس العلوم في المدرسة الثانوية. في الواقع، إن للوضعية جذورها في طبيعة التحقيق التي تم تطويرها للعلوم الطبيعية، حيث تنتظر الحقائق، والقوانين، والبديهيات أن يتم اكتشافها. لقد تم قبول هذه الاعتقاد بدون تشكيك خلال المراحل الأولى من تطوير البحث في مجال العلوم الاجتماعية بشكل عام، وذلك بسبب الاحترام الذي نالته تاريخيا. ولكن بعدما تعددت جوانب طبيعة البحوث في مجال العلوم الاجتماعية، وازداد مدى تعقيد الأسئلة التي تسعى للإجابة عنها، فقد أصبحت أوجه القصور في النظرة الفلسفية الوضعية أكثر وضوحا. الآن لا يلتزم الكثير من الباحثين بفكرة صارمة من الوضعية، ولكنها توفر نقيض مفيد لرؤية أخرى مهمة تم تطويرها في العلوم الاجتماعية، وهي البنائية، التي أثرت عميقا في تطوير البحث النوعي.

 

وعلى النقيض من الوضعيين، يعتقد البنائيين (constructivists) أنه لا توجد حقيقة عالمية متفق عليها أو ما يسمى بالحقيقة العالمية. بدلا من ذلك، فهم يؤمنون بأن “المعنى  يتم بنائه اجتماعيا من قبل الأفراد المتفاعلين مع عالمهم” (Merriam, 2002، ص 3). أي أن كل فرد يخلق فهمه الفريد للعالم، ولذلك هناك بناءات متعددة وتفسيرات متعددة للحقيقة. كما أن هذه البناءات والتفسيرات تتغير، وهذا يتوقف على الوقت والظروف، وبالتالي فإن الحقيقة ليست عالمية بل تعتمد على الشخص، والسياق، والزمن.

 

لتوضيح الأفكار البنائية، دعنا نفكر في الطلبة الذين كانوا يجلسون في الفصل عند دخولك إليه في يومك الدراسي الأول. بعد مرور جزء من الحصة الأولى، إذا كنت قد سألت كل واحد منهم سؤال بسيط: “ما الذي يحدث الآن؟”، فمن المرجح أنك ستحصل على مجموعة من الأجوبة المختلفة تماما. ربما تكون قد اكتشفت أن كل شخص كان مهتما بجوانب مختلفة من الدرس، وأنهم يفسرون ما يجري من حيث توقعاتهم الخاصة وخبرات تعلمهم السابقة. كما أن سياق الفصل الدراسي سيؤثر أيضا على كل شخص بشكل مختلف، لأن تجربتهم ستختلف وفقا للمكان الذي يجلسون فيه ومع من كانوا يتفاعلون. إذا كررت هذه العملية في نهاية الحصة بسؤال زملائك، “ما حدث في الفصل اليوم؟”، فعلى الأرجح أنك ستتحصل على مجموعة جديدة تماما من الاستجابات التي قد لا تكون مشابهة كثيرا لتلك التي حصلت عليه سابقا. ربما قد تكون وجدت أن كل طالب قد قام ببناء فهمه الخاص للدرس، وكان في واقع الأمر (يعيد) بناء الدرس لنفسه أثناء التحدث عنه معك. هذه هي النقطة الرئيسية للبنائية، وهي أن واقع هذا الحصة بالنسبة للطلاب الحاضرين لم يكن بالتأكيد تقييما بحجم واحد يناسب الجميع، بل تجربة مرتبطة بالشخص، والسياق، والزمن. مهمة الباحث البنائي، إذن، هي فهم هذه الطرق المتعددة للنظر إلى العالم، وهذا يعتبر تحديا رائعا، ومثيرا للاهتمام.

 

وبعدما أصبحت الأفكار البنائية أكثر شيوعا في العلوم الاجتماعية في النصف الأخير من القرن العشرين، سعى الباحثون لإيجاد أفضل الطرق لفهم هذه الخبرات المرتبطة بالشخص، والسياق، والزمن. على الرغم من استمرار العديد من الباحثين في استخدام البحث الكمي، فقد بدأ البحث النوعي المبني على وجهة النظر البنائية عن العالم في الظهور كمنهجية صارمة منتظمة لمساعدة الباحثين على استكشاف عوالم الناس. الآن، معظم الباحثين (ولكن ليس كلهم) الذين يستخدمون مناهج وطرق البحث النوعية يقولون أن وجهات نظرهم عن العالم هي أقرب إلى البنائية منها إلى الوضعية. وجوهريا أصبحت مبادئها داعمة للكثير من البحوث النوعية.

 

ولكن ما الذي يعنيه بالضبط فهم طرق متعددة للنظر إلى العالم، وكيف يقوم الباحثين النوعيين البنائيين بإنجاز ذلك؟ سنقوم في الصفحات القليلة القادمة، بإعطاء لمحة خاطفة عن الخصائص الأساسية للوصف البنائي للبحث النوعي، ثم سنراجع ثلاثة من وجهات النظر الأخرى التي حفزت المزيد من التطوير في منهجية البحث النوعي، أي النظرية النقدية، وما بعد الحداثة، والبراغماتية.

 

التركيز على العالم الاجتماعي

بما أن الباحثين النوعيين يعتقدون أن المعنى  يبنى اجتماعيا، فإن تركيز أبحاثهم يكون على المشاركين (كيف يواجه المشاركين ويتفاعل مع الظاهرة عند نقطة معينة من الزمن وفي سياق معين، والمعاني المتعددة التي تعنيها بالنسبة لهم. كما يهتمون بالعالم اليومي العادي للمشاركين (أين يعيشون، ويعملون، ويدرسون). وتشمل هذه البيئات الطبيعية أماكن مثل المنازل وأماكن العمل، غرف العاملين، والفصول الدراسية ومراكز التعلم الذاتي، وغرف الدردشة على شبكة الإنترنت. إن الباحث النوعي يذهب إلى الناس، ولا يقوم  يفصلون الناس عمن عوالم حياتهم اليومية (Rossman & Rallis, 2003، ص 9)، وهم يدركون أن هذه البيئات معقدة وديناميكية، ومتعددة الأوجه.

 

على عكس الباحثين الكميين الذين يؤكدون على أهمية قياس النتائج، يركز الباحثين النوعيين على فهم عملية ما يحدث في بيئة ما، وقيما يلي توضيح بسيط:

 

 

يلخص المربع الأيمن نتيجة مباراة لكرة القدم بإيجاز، ولكنه لا يوفر الشعور بما حدث هناك بالفعل في ذلك اليوم، وهو ما يجسده المربع الأيسر بطريقة أفضل بكثير. لإعطاء مثال آخر، وهذه المرة من علم اللغة التطبيقي، غالبا ما يقوم الباحثين الكميين بقياس التحصيل في الكفاءة على مدى فترة من الزمن (أي نتائج التعلم). ولكن الباحثون النوعيون يركزون على العملية من خلال محاولة فهم الكيفية التي تمت بها هذا التحصيل، وماذا يعتقد المشاركين حول تحسين كفاءتهم، وكيفية أثرت البيئة (وغيرهم من الناس الموجودين هناك) عليهم. غالبا ما يكون هذا النوع من البحوث طوليا، لأن الكثير من التحقيق النوعي يتطلب من الباحثين قضاء فترة زمنية طويلة نسبيا في بيئة البحث بهدف التوصل إلى فهم عميق وشامل لما يجري فيها. بالتركيز المفصل والمكثف أكثر على كل مشارك، فإن العمل حتى في بيئة واحدة يستهلك وقت طويل جدا وعمل مكثف، وبالتالي فإن عدد المشاركين عادة ما يكون صغيرا ويحتاج إلى الاختيار بعناية.

 

يسأل الباحثين النوعيين أنواع معينة من الأسئلة حول البيئة (Patton, 2002)، مثل: ما الذي يحدث هنا؟ ما الذي يبدو عليه العالم بالنسبة للمشاركين؟ ما هي المعاني التي يشكلونها هنا؟ كيف تؤثر هذه البيئة على تصورات المشاركين وسلوكهم؟ يقوم الباحثون بطرح هذا النوع من الأسئلة لأنهم يريدون فهم المعاني والمفاهيم الذاتية التي يكوّنها المشاركين حول عالمهم الاجتماعي والشخصي الخاص بهم. للقيام بذلك، يضع الباحثين أنفسهم قريبا من المشاركين في محاولة لرؤية العالم كما يراه المشاركين (من زاوية المشاركين)، أو  وجهة نظر المشارك أو المنظور  الداخلي ( insider or EMIC) ، أما وجهة نظر الباحث فتسمى بمنظور الغريب  (ETIC). إن تطوير المنظور الداخلي عادة ما يعني التفاعل مباشرة مع المشاركين في البحث ضمن سياق البحث، وفي الميدان، ووجها لوجه مع أناس حقيقيين (Rossman & Rallis, 2003, p. 9، ص 9). وهذا يعني أيضا استخدام المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالمشاركين لوصف عوالمهم عند تحليل البيانات وعرض النتائج.

 

 

عملية البحث

غالبا ما يستخدم الباحثين في الدراسة النوعية عدة طرق لجمع البيانات، بما في ذلك الملاحظات والمقابلات والاستبيانات التي تتطلب استجابات مفتوحة، واليوميات. تجعل كلا من هذه الطرق “العالم مرئيا بطريقة مختلفة” (Denzin & Lincoln, 2005، ص 4)، حتى يمكن استكشاف وتمثيل صورة أكمل، وأكثر ثراءا لوجهة نظر المشاركين. كل هذه الطرق لجمع البيانات تخلق بيانات نصية أساسا وليست رقمية، فالباحثون الذين يقومون بالملاحظات بتدوين ملاحظات مكتوبة تسمى الملاحظات الميدانية، ويقوم الباحثون الذين يستخدمون المقابلات بتوليد نصوص مكتوبة أو ملخصات لها، أما طرق جمع البيانات الأخرى مثل الاستبيانات واليوميات فتستخدم النصوص التي قام المشاركين أنفسهم بكتابتها. هذا لا يعني أنه لا يتم استخدام البيانات العددية، ولكن الغرض منها  يعتبر تكميلي وليس مركزي. يتم إنشاء كم هائل من البيانات النصية في الدراسات البحثية النوعية، وغالبا ما تكون إدارتها تحديا صعبا.

 

يجب أن تكون البيانات النصية التي يخلقها الباحثين في الملاحظات الميدانية وملخصات المقابلات غنية بالتفاصيل وتصف بيئة البحث والمشاركين، بحيث تلتقط ما شاهده، وسمعه، وشمه ، ولمسه الباحثين. عند خلقهم لهذه البيانات، وبعدما يفكرون فيها لاحقا، يقوم الباحثون بإضافة أفكارهم وتأملاتهم الخاصة. وككل واحد فإن هذا يخلق وصف مكتف للبيئة والمشاركين. يقوم الباحثين النوعي بعدئذ باستخدام التحليل التفسيري للتدقيق في بياناتهم، ولتصنيف الأفكار المتشابهة معا، حتى يتمكنوا من اكتشاف أنماط التفكير والسلوك.

 

البيانات التي يجمعها الباحثون تسمح لهم برسم صورة وصفية غنية حول عالم المشاركين، وهم أنفسهم، والبيئة، والأحداث الرئيسية والثانوية التي تحدث هناك. إن الدراسة البحثية النوعية المكتوبة جيدا وتستخدم كلمات المشاركين الخاصة بعناية لزيادة لدعم وصف الباحث وتفسير واضح. يجب أن تعطي القراء إحساسا بدخول عالم المشاركين وتبادل خبرات تواجدهم هناك معهم. هذه العملية، هي بمعنى ما، مثل صناعة الأفلام، حيث يقوم الباحث بتجميع البيانات في المونتاج بمزج الصور، والأصوات، والتفاهمات معا لإنتاج  خلق مركب مقنع (انظر Denzin & Lincoln, 2005، للحصول على شرح أوفى).

 

 

طبيعة البحث النوعي

عندما لا تكون المعرفة المتوفرة حول ظاهرة ما أو موضوع بحثي معين محدودة، فإن البحث النوعي يمثل منهجية بحثية مفيدة جدا لأنه استكشافي، والغرض منه هو اكتشاف الأفكار والرؤى الجديدة، أو حتى توليد نظريات جديدة. لا يتم القيام بهذا النوع من البحوث للتنبؤ بالضرورة بما يمكن أن يحدث في المستقبل أو في بيئة آخري، لأن ما يمكن تعلمه عن الظاهرة، المشاركين، أو الأحداث في البيئة أن يكون هدفا في حد ذاته. أي أن البحث النوعي يركز في معظمه على فهم الخاص والمميز، ولا يدعي أو يسعى بالضرورة إلى تعميم النتائج على سياقات أخرى.

 

لا ينظر بعض الباحثين النوعيين في المدى الذي يمكن به تعميم نتائجهم، ولكن العديد منهم يتركون الأمر للقراء حتى يحددوا الدرجة التي تكون بها ملامح بيئة البحوث ملائمة لسياقهم. كلما كان الوصف الذي يقدمه الباحث في تقرير الدراسة غنيا، كلما كان من الأسهل على القراء تخيل بيئة البحث، وبالتالي إصدار حكم حول أهمية وملائمة البحث بالنسبة لهم. وبما أن البحث النوعي غالبا ما يكون استكشافي، فإن معظم الباحثين لا يحددون أسئلة بحثية معينة في بداية الدراسة، لأن ذلك قد سيفرض إطارهم الخاص على سياق البحث. وبدلا من ذلك، نجدهم عادة ما يستهلون دراساتهم البحثية فقط بوجود الغرض من البحث والإطار المفاهيمي، مع الحس بالتركيز الأولي للاهتمام. إذن فهم يفضلون الدخول في بيئة البحث ليصبحوا معتادين على السياق والمشاركين، ويتأكدوا مما يعتقد المشاركون بأنه يمثل القضايا والمشاكل الرئيسية قبل أن يقوموا بتحديد أسئلتهم البحثية. يتم تعديل هذه الأسئلة وصقلها، ويتم تطوير تصميم البحث، كلما نضج فهمهم لبيئة البحث، والمشاركين، وتركيز البحث. وهذا يعكس ما يسمى الطبيعة الناشئة لعملية البحث النوعي (ينبثق الفهم كلما تقدم البحث).

 

عادة ما تتميز دورة البحث الكمي بأنها خطية، حيث يجري تنفيذ كل مرحلة واحدة تلو الآخر: تصاغ الأسئلة البحثية، ويتم جمع البيانات ثم تحليلها إحصائيا، وفي النهاية يتم تدوين وكتابة النتائج. وعلى النقيض من ذلك، البحث النوعي تكراري متزامن، وليس خطي. وهذا يعني أن جمع وتحليل وتفسير البيانات يتم إلى حد كبير في نفس الوقت، حيث يتحرك الباحثين باستمرار ذهابا وإيابا بين الخطوات الثلاثة حتى الوصول إلى النقطة التي لا تضيف فيها المعلومات الجديدة إلى فهمهم للموضوع، وتسمى هذه النقطة بتشبع البيانات (data saturation). وفي الواقع، غالبا ما يوجه تحليل البيانات جمع البيانات، لأن التحليل المستمر يبين ماهية السبل التي سيتبعها لبحث (من التالي الذي ستتم ملاحظته أو مقابلته، ما هس الأسئلة التي يجب طرحها، وما هي الوثائق التي ينبغي طلبها)، وبالتالي فإن الطبيعة الناشئة للبحث النوعي تعتبر واضحة أيضا طوال الدورة البحثية.

 

على الرغم من أن البحث النوعي ناشئ، فهو منهجي ودقيق، حيث يجب أن يكون للبحث إطار مفاهيمي قوي لتوجيه الدراسة، وتطابق بين منهج البحث الذي يشكل هيكل الدراسة وطرق جمع البيانات التي يتم استخدامها. وعلاوة على ذلك، يحتاج الباحث إلى إثبات أن ممارساته البحثية سليمة وأن يستخدم منطق واضح، ويوفر أدلة قوية لإثبات المزاعم التي يدعيها، ويقوم بالتوثيق الكامل لعملية جمع وتحليل وتفسير البيانات.

 

وبينما يكون البحث النوعي منهجي، فإنه ليس مرسوما، لذلك ليس هناك شرط لاتباع الباحثين مجموعة من الخطوات البحثية المقررة. يشدد راليس وروسمان (Rallis and Rossman, 2003، ص 11 ) على هذه النقطة بالقول أن:

… البحث يتقدم من خلال عملية غير خطية معقدة من الاستقراء، والاستدلال والتأمل والإلهام، والتفكير الجاد والمجرد القديم. يمكن وصف ذلك بأنه التطبيق العملي للباحث (Jones, 2002)، وهذا يعني، التكرار بين الأفكار النظرية والبيانات وانعكاس الباحث على كلاهما. … ميزة البحث النوعي … هي الاعتماد على منطق معقد تكراري متعدد الأوجه، يتحرك ذهابا وإيابا بين الأجزاء والكل. (ص 11).

 

يتطلب البحث النوعي أيضا أن يكون الباحث حدسيا، لرؤية الروابط والأنماط في البيانات، ولبنائها في مواضيع تلبي في الوقت نفسه أغراض البحث وتعبر أيضا عن كلا من الطبيعة الخاصة والأساسية للبيئة والمشاركين فيها. البحث النوعي هو فرع معرفي يدعو إلى تحقيق التوازن بين النظام والبصيرة.

 

ذاتية للباحث

الباحث في البحث النوعي هو أداة البحث الرئيسية. وهذا له جانبين. أولا، الباحثين أنفسهم هم من يقومون بجمع البيانات من خلال، مثلا، الملاحظة المباشرة أو إجراء مقابلات مع المشاركين. إن الميزة لقيام الباحثين بذلك هي أنه يمكنهم أن يكونوا مستجيبين ومتكيفين مع بيئة البحث والمشاركين، ويمكنهم أن يبدأ بسرعة في استكشاف السبل غير المتوقعة للبحث. كما أنه يمكنهم جمع مجموعة واسعة من البيانات والبدء في التفكير فيها مباشرة، مما يسمح لهم بتوضيح الأفكار على الفور للتأكد من دقة التفسير (Merriam, 2002). البعد الثاني هو أن الملاحظات الميدانية وأجزاء المقابلة لا تتحدثان عن نفسيهما (Rossman & Rallis, 2003)، كما إن إجابات الاستبيان ومدخلات المفكرات اليومية لا تقترح على الباحث بشكل سحري أنماط الحقيقة الكامنة. وبدلا من ذلك، يجب على الباحث تفسيرها، ولذلك فإن التحليل في البحث النوعي غالبا ما يسمى بالتحليل التفسيري.

 

ولكن عندما يدخل الباحثون إلى بيئة البحث، فهم يأخذون معهم أيضا أمتعتهم الفكرية وتجارب حياتهم. وحتما، فإن جنسهم أو عمرهم أو عرقهم أو خلفياتهم الثقافية، وتوجههم الجنسي، ومعتقداتهم الدينية والسياسة، وتجاربهم في الحياة (نظرتهم للعالم) هي العدسة التي يرون من خلالها أبحاثهم. إن هذا قد يلوّن تصوراتهم عن بيئة البحث، وكذلك مركبات الحقيقة التي يطورونها مع المشاركين. هذا يشكل مصدر قلق كبير في البحث النوعي، ولذلك من المهم للباحثين أن يتأملوا بشكل منهجي ويكونوا مدركين باستمرار لهويتهم الشخصية وتأثيرها على بيئة البحث والمشاركين، بالإضافة لبيان ذلك في التقرير النهائي للدراسة. يمكن للباحث النوعي أيضا أن يتعامل مع ذلك من خلال عملية تسمى التثليث (الحصول على وجهات نظر مختلفة حول الظاهرة عن طريق جمع البيانات من مشاركين مختلفين، وباستخدام مجموعة متنوعة من طرق جمع البيانات مثل الملاحظات والمقابلات والاستبيانات). من ناحية أخرى، ينظر بعض الباحثين النوعين إلى الذاتية كفضيلة، و “أساس لمساهمة الباحثين المتميزة، مساهمة تنتج عن التكوين الفريد لصفاتهم الشخصية مجتمعة مع البيانات التي جمعوها “( Peshkin, 1988, ، ص 18، استشهد به في Merriam, 2002، ص 5). إن كل تصور للباحث هو مثل الضوء الساقط على بلورة كريستال فيعكس وجهة نظر مختلفة (Denzin & Lincoln, 2005، ص 6، من Richardson, 2000).

 

 

طرق مختلفة للنظر إلى العالم

هذا التنوع في البحث النوعي يوضح نقطة مهمة، وهي أن النهج البنائي للبحث النوعي هو الآن ليس مقبولا عالميا بأي حال. لقد تم نقده لافتراضه بأن اعادة التفسير للواقع هو غير إشكالي في الأساس، أي أن الباحثين يمكنهم الحفاظ على منظور محايد تماما وغير منحاز، وأن البحث النوعي نفسه يعتبر نشاط سياسي واجتماعي محايد.

 

يتفق العديد من الباحثين النوعيين بقوة مع هذا النقد، حيث يقولون أن الحقيقة ليست خالية من القيمة. وبدلا من ذلك، فهم يؤكدون أن كل البحث سياسي بالضرورة وله قيمة أساسا، وينطوي على قضايا السلطة في المجتمع. وهم يعتقدون أيضا أن بحوث العلوم الاجتماعية، بما في ذلك البحث النوعي البنائي، قد ساهمت كثيرا في إسكات الفئات المهمشة والمضطهدة في المجتمع، عن طريق جعلهم ببساطة كائنات سلبية للبحث (Marshall & Rossman, 2006).

 

تطورت من هذه المخاوف النظرية النقدية التي تنظر إلى المجتمع بأنه في جوهره تنازعي وقمعي. تسعى النظرية النقدية “ليس لمجرد الفهم ولكن للتغيير” (Richards, 2003، ص 40)؛ فهي أيديولوجية، وتحررية، وتحويلية علنا. لأن المنظرين النقديين مهتمين بتفاوت القوى التي الكامنة في المجتمع، فهم يريدون صراحة تمكين الفئات المهمشة، وغالبا ما يقومون بذلك عن طريق إجراء البحوث مع أفراد هذه الجماعات. لقد قامت النظرية النقدية بمساهمات كبيرة في البحث النوعي، حيث انها أجبرت الباحثين على التساؤل حول معاني المفاهيم التي كانت تعتبر من المسلمات، وجعلتهم يقومون أيضا بدراسة الافتراضات الكامنة وراء أعمالهم. تشمل النظرية النقدية مجموعة من النظريات ووجهات النظر، مثل النظرية العرقية النقدية (critical race theory) والنظرية النسوية (feminist theory). يمكننا في البحث النوعي تطبيق العدسة النقدية على عدد من المناهج البحثية (كما موضح أدناه) لخلق تحليل نقدي للخطاب (critical discourse analysis)، والأثنوجرافيا النقدية (critical ethnography)، أو البحث العملي النقدي (critical action research).

 

على الرغم من ملاحظة لازاراتون (Lazaraton, 2003، ص 3) أن البحث النوعي في علم اللغة التطبيقي ليس لديه حتى الآن ” جدول أعمال اجتماعي سياسي واضح “، فإن الفئات المهمشة التي يمكن دراستها من قبل العلماء النقديين في علم اللغة التطبيقي تشمل المهاجرين الجدد من الدول غير الناطقة بالإنجليزية، والطلاب الذين يعانون من سوء السمع، أو معلمي اللغة الذين يقومون بتدريس لغة غير لغتهم الأم. في الواقع، لقد أصبح النهج النقدي أكثر شيوعا في علم اللغة التطبيقي، وكذلك في مجال العلوم الاجتماعية الأوسع،. “نحن نريد علم اجتماع يلتزم بمواجهة قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة، و اللا عنف، والسلام، وحقوق الإنسان العالمية. نحن لا نريد علوم اجتماعية التي تقول أنه يمكنها معالجة هذه القضايا إذا أرادت ذلك، لأنه بالنسبة لنا، هذا لم يعد خيارا “( Denzin & Lincoln, 2005، ص. 13).

وجهة النظر الأخرى هي ما بعد الحداثة (Postmodernism) التي تدخل أفكارها تحت مظلة البحث النوعي، ولكن افتراضاتها الأساسية تختلف اختلافا كبيرا عن النموذج البنائي. فهي وجهة نظر أيديولوجية تشكك في التركيز في أوائل القرن العشرين على العلم والتكنولوجيا، والعقلانية، والمنطق، والوضعية. يعتبر هذا المنظور تحديا للبحث النوعي البنائي التفسيري، ولذلك من المهم أن يفه الباحثين بعض مفاهيمه الأساسية. تقدم ميريام وزملائها (Merriam and Associates, 2002) ملخصا مفيدا بذلك حيث يبينون أن عالم ما بعد الحداثة هو الذي لم تعد فيه عقلانية، وطريقة العالم الحديث العلمية وحقائقه أمر مسلم به. في عالم ما بعد الحداثة، يمكن الطعن في كل شيء، حيث يمكن التشكيك فيما كان يعتبر، حقيقيا، واقعا أو صحيحا. هناك تفسيرات متعددة لنفس الظاهرة وفقا للموقف اذي يتخذه المرء. لا توجد مطلقات، ولا إطار نظري واحد لدراسة القضايا الاجتماعية والسياسية. إن مفكرين ما بعد الحداثة (Postmodernists) يمجدون التنوع بين الناس والأفكار والمؤسسات، لأنه من خلال قبول التنوع والتعددية في العالم، فلن يكون هناك عنصر واحد متميز أو أقوى من الآخر.

 

“معظم مفكرين ما بعد الحداثة لا يتحدثون عن منهجية” (Alvsesson & Skoldberg, 2000، ص 184)، و “الأدبيات لا توفر سوى مؤشرات مبهمة على ما تعنيه مُثل الأصوات المتعددة في الدراسات التجريبية بشكل ملموس” (المرجع السابق، ص 185). في الواقع، قد يكون عدم التوصل لنهج واحد لإجراء البحوث متلائما مع هذه النظرة. بدلا من ذلك، يعتبر بحث ما بعد الحداثة تجريبي للغاية، ولعوب، وخلاق، حيث لا توجد دراستين لما بعد الحداثة تشبهان بعضهما (المرجع السابق، ص 375).

 

يلاحظ ريتشاردز (Richards, 2003)  أن الموضوع الواسع لهيمنة اللغة الإنجليزية كلغة العالم يوفر بيئة غنية لباحثي ما بعد الحداثة في علم اللغة التطبيقي.

 

هناك وجهة نظر أخرى في البحوث الاجتماعية تسمى البراغماتية (pragmatism)، وهي تشمل كل من البحث النوعي والكمي. وكما حددها كريسويل (Creswell, 2009)، فإن البراغماتية موقف وجودي أو معرفي معين، وليس لها نظرة محددة سلفا نظرا لما هي الحقيقة أو العلم. قد يبدأ الباحثون بجمع وتحليل البيانات بدون إعطاء أي فكرة عن القضايا الفلسفية مثل طبيعة الحقيقة والواقع، ولكنهم يركزون بدلا من ذلك على تأثير أو عواقب أبحاثهم، واختيار مناهج البحث النوعي والكمي والطرق والتقنيات التي تلبي أغراضهم البحثية. إن اتباع النهج البراجماتي يفتح الباب لطرق متعددة، ووجهات نظر عالمية مختلفة، وافتراضات مختلفة، فضلا عن أشكال مختلفة من جمع البيانات وتحليلها ( Creswell, 2009، ص 11). إن البراجماتية تمثل الأسس الفلسفية لبحوث الطرق المختلطة.

 

النموذج البنائي، والنظرية النقدية، وما بعد الحداثة، والبراغماتية، هي الخرائط التي توضح تضاريس مجال واسع ومتباين من البحوث النوعية. كما أن فهمها سيساعد الباحث على تقييم مدى ملاءمة وأهمية البحوث المنشورة التي سيقرأها في سياق دراساته. وعلاوة على ذلك، فإن فهم الباحث لوجهة نظره الخاصة عن العالم ستساعده على وضع بحوثه الخاصة ضمن أو عبر النماذج بشكل مناسب، وسيمكنه من خلق تصميم بحثي أكثر تماسكا.

 

 

مناهج وطرق البحث النوعي

الآن بعدما أصبح لدينا فهم عام للملامح الأساسية للبحث النوعي، دعونا نلقي نظرة فاحصة على ما يقدمه هذا الفصل. الجزء الأول، يستكشف طبيعة دورة البحث النوعي، لمساعدتك على فهم ما يميزه كبحث نوعي. الجزء الثاني يقدم خمسة مناهج للبحث النوعي التي يشيع استخدامها في اللغويات التطبيقية – التحقيق السرد، دراسة الحالة، الاثنوغرافيا، والبحث العملي، والطرق المختلطة، الجزء الثالث يستعرض العديد من طرق جمع البيانات النوعية الأكثر شيوعا – الملاحظة والمقابلات والاستبيانات، والتقارير اللفظية ودراسات اليوميات، وتحليل الخطاب. وأخيرا، تعتبر الأخلاق والجدارة بالثقة، وكتابة التقرير البحثي في الجزء الرابع.

 

مناهج البحث النوعي

سنقوم في هذا القسم بإعطاء لمحة عن مناهج البحوث النوعية الخمسة، وفيما يلي وصف موجز لكل منها:

 

  • البحث السردي: يقدم هذا النوع تحليلا قصصيا لحياة الشخص، ويفترض أن الناس يستخدمون السرد لفهم أنفسهم والكيفية التي تتغير بها حياتهم (Bruner, 1990). كما إن هذا المنهج يأخذ وجهة نظر المشاركين ويستخدم أوصافهم لتجارب الحياة كبيانات يتم جمع غالبيتها من خلال المقابلات.

 

  • دراسة الحالة: يخلق هذا المنهج وصف متعمق وتحليل لنظام محدد، وعادة ما يمثل هذا شخص أو مؤسسة أو سياق تعليمي واحد. من خلال التركيز على حالة واحدة (أو القليل من الحالات)، يمكن لهذا النهج أن يصف عملية تعلم أو تدريس أو بيئة بحثية معينة بقدر كبير من التفاصيل. يستخدم منهج دراسة حالة مصادر بيانات وطرق جمع البيانات متعددة، وغالبا ما يتم دمجها مع طرق البحث النوعية والكمية الأخرى، كما سنشرح ذلك في القسم الخاص بذلك.

 

  • الاثنوغرافيا: يشير هذا المصطلح إلى عملية بحثية ومخرجاتها أيضا، حيث يصف هذا المنهج ويفسر الأنماط المشتركة لمجموعة تتشارك في ثقافة ما من خلال الملاحظة لفترة طويلة. لم يتم تعريف الاثنوغرافيا من الكيفية التي يتم بها جمع البيانات، وإنما من خلال العدسة التي يتم من خلالها تفسير البيانات، حيث يكون الهدف من ذلك هو إعادة خلق تلك المعتقدات المشتركة، والممارسات، والأعمال الفنية، والمعرفة، وسلوك مجموعة من الناس وتقديمها للقارئ (Merriam, 2002). وبينما تقوم الدراسات السردية ودراسات الحالة غالبا بدراسة الفرد، نجد أن الاثنوغرافيا، بتركيزها على الثقافة، تستخدم لدراسة المجموعات.

 

  • البحوث العملية: هذا يعتبر منهج انعكاسي منتظم لجمع وتحليل المعلومات لمساعدة المدرسين على استكشاف القضايا التي يواجهونها في تدريسهم من أجل تغيير أو تحسين ممارساتهم الحالية. يوظف البحث العملي مجموعة من طرق جمع البيانات التي تتسم بالمرونة والأسئلة المفتوحة. غالبا ما تكون نتائج البحث العملي تغيير في الفهم والسلوك أكثر مما تكون شكل من أشكال التقارير المنشورة، لأن ذلك غالبا ما يكون هو غرضها الأساسي.

 

  • الطرق المختلطة: يعبر هذا المصطلح عن الجمع بين طرق البحث النوعي والكمي في دراسة واحدة. على سبيل المثال، يتم استخدام درجات اختبار إجادة اللغة مع مقابلات الطلاب لخلق وجهة نظر متعددة الأبعاد لعملية تعلم اللغة، أو أن يتم الجمع بين استبيان للمعلم مع ملاحظات الفصل ويوميات المدرس لتوليد فهم أفضل لأحد جوانب تعليم اللغة. سنقوم في القسم الخاص بهذا النوع بتوضيح إجراءات المستخدمة لجمع وتحليل، وخلط البيانات الكمية والنوعية في مراحل مختلفة من عملية البحث. يمكن في دراسة بالطرق المختلطة تأكيد البيانات الكمية والنوعية على حد سواء، أو أن يكون التركيز الأكبر على نوع واحد. يعتبر هذا المجال البحثي ناشئ ولكن استخدامه أصبح أكثر شيوعا في مجال البحوث في علم اللغة التطبيقي. ولمساعدة القارئ في الحصول على فهم أفضل لهذه المناهج، سنقوم بتلخيص الخصائص الرئيسية لكل منها في الجدول[1] رقم (1)، وبطبيعة الحال، سنثوم بشرحها بالتفصيل في الأقسام التالية لهذا القصل.

 

هناك عدد من المناهج البحثية النوعية الأخرى التي تطبق في مجال علم اللغة التطبيقي، ولكنها أقل استخداما من قبل الباحثين المبتدئين، ولذلك فهي خارج مجال هذا الفصل. أهم هذه المناهج هي علم الظواهر والنظرية المتجذرة، ولأن القارئ سيجد هذه المصطلحات في الأدبيات، فإننا سنقوم باستعراض ما تعنيه هنا:

 

  • علم الظواهر: بينما يستكشف البحث السردي حياة فرد واحد، فإن دراسة الظواهر تصف المعاني التي يكونها العديد من الأفراد من تجربة ظاهرة واحدة. في مجالنا، يمكن أن يشمل ذلك فهم تجربة تعليم الكبار عند محاولتهم خلق ومفاوضة المعني في لغة أجنبية جديدة، أو تجربة المهاجرين لفترة طويلة الذين بدأوا في تعلم اللغة المعتمدة لوطنهم الجديد. الغرض من دراسة الظواهر هو خفض التجارب الفردية لهذه الظاهرة في وصف للجوهر الأساسي لتلك التجربة، حيث يتم ذلك من خلال خلق وصف مركب لتلك التجربة لجميع المشاركين. يمكن أن يساعد وجود فهم عميق لمثل هذه الظاهرة المدرسين على أن يكونوا أكثر وعيا بتجارب طلابهم في تعلم اللغة، أو مساعدة المسؤولين على برنامج اللغة أعلى هيكلة دوراتهم اللغوية بطريقة أفضل. بمعنى أوسع، إن علم الظواهر كمدرسة للفكر الفلسفي يدعم جميع البحوث النوعية، لأنه يهتم بفهم وتمثيل التجربة الشخصية للمشاركين.

 

  • النظرية المتجذرة: بينما تصف دراسات الظواهر معنى تجربة، فإن دراسة النظرية المتجذرة تتعدى الوصف لكي تولد أو تكتشف نظرية. هذه النظرية متجذرة في البيانات التي تم جمعها بصورة منتظمة من المشاركين الذين لديهم خبرة بالعملية التي يتم دراستها، ومن ثم تحليلها بشكل منهجي من قبل الباحث. عادة ما تكون هذه النظرية أساسية (نظرية محدودة وضيقة نسبيا، حول جانب واحد فقط من التعلم أو التعليم)، ولكن يمكن أن تكون رسمية (نظرية أكثر شمولا تجمع بين عدد من النظريات الأساسية معا لتكوين نظرية أوسع). ومثل كل مناهج البحث النوعي الأخرى المبينة أعلاه، فإن الباحث هو الأداة الرئيسية لجمع البيانات وتحليلها، حيث يستخدم تقنيات جمع البيانات النوعية مثل المقابلات والمراقبة. إن أول من قام بتحديد معالم النظرية المتجذرة هما بارني جلاسر وأنسلم شتراوس في عام 1967 في كتابه الرائد، اكتشاف النظرية المتجذرة (The Discovery of Grounded Theory)، والذي كان حاسما في الواقع، في التطوير الأوسع لمنهجية البحث النوعي. لم يقدم جلاسر وشتراوس مجموعة من التعليمات حول إجراءات البحث في عملهم الأصلي، ولكن قد تم تطوير هذه الإجراءات تدريجيا مع مرور الوقت، وبصورة رئيسية من قبل شتراوس وزميلته الجديدة التي شاركنه في التأليف، جولييت كوربن (Juliet Corbin, 1990, 2008). لقد انتقد جلاسر نهج شتراوس وكوربن للنظرية المتجذرة بأنه إجرائي وهيكلي للغاية (Glaser, 1992)، ولكن نهجهما قد شاع استخدامه في العلوم الاجتماعية والصحية. أما في علم اللغة التطبيقي، فإن النظرية المتجذرة نادرا ما تُستخدم من قبل الباحثين المبتدئين نظرا لتعقيدها، ولكن إجراءات البحث مثل أخذ العينات النظرية والمنهج المقارن المستمر لتحليل البيانات فغالبا ما تستخدم من قبل الباحثين النوعيين الذين يستخدمون المناهج الأخرى.

 

 

 

 

طرق جمع البيانات النوعية

يمكن تقسيم التحقيق الكمي إلى مرحلتين متميزتين بسهولة (جمع البيانات وتحليل البيانات) لأنهما عادة ما يتبعان بعضهما البعض بطريقة خطية. هذا ليس هو الحال في البحث النوعي، لأنه وفقا للطبيعة المرنة والناشئة لعملية البحث النوعي، فإن جمع البيانات النوعية وتحليلها غالبا ما تكون دائرية ومتداخلة. وعلاوة على ذلك، يكون من الصعب أحيانا تقرير ما إذا كانت طريقة نوعية معينة تشير في المقام الأول إلى جمع البيانات، تحليل البيانات أو تصميم مركب فريد (النظرية المتجذرة ودراسة الحالة تعتبر أمثلة جيدة لهذا الغموض). والواقع أنه من الانصاف القول إن نصوص مناهج البحث بشكل عام كانت غير متناسقة في الكيفية التي قسمت بها مصطلح “البحث النوعي” الواسع إلى طرق محددة لجمع البيانات وطرق تحليلية وتقنيات وتصاميم معينة.

 

سنتجاهل في الأقسام التالية إلى حد كبير مختلف التناقضات المصطلحية المتعلقة بالفروق بين الطريقة والتصميم، وبين جمع البيانات وتحليل البيانات، وسنغطي كافة الإجراءات النوعية الهامة التي تؤدي إلى توليد مجموعة البيانات، بما في ذلك الاثنوغرافيا، والمقابلات الفردية ومقابلات جماعات التركيز، والتأمل، ودراسات الحالة، ودراسات المذكرات اليومية، والسجلات البحثية. أما النظرية المتجذرة فسوف نناقشها عند تناولنا لتحليل البيانات النوعية، لأن الجانب الأبرز في البحوث المعاصرة التي تستخدمها هي المراحل الثلاثة الخاصة بنظام الترميز الذي توفره. قبل النظر في إجراءات محددة لجمع البيانات، دعونا ننظر أولا في مسألتين أساسيتين، وهما خصائص البيانات النوعية بشكل عام، ووصف العينات النوعية.

 

 

البيانات النوعية

يمكن أن تأتي البيانات النوعية من مصادر عدة يتم تحويلها عادة إلى شكل نصي، مما يسفر عن مئات (إن لم نقل الآلاف) من صفحات النصوص والملاحظات الميدانية. من المهم تسليط الضوء في البداية على الخصائص الرئيسية لمجموعة البيانات النوعية النموذجية: ميلها لأن تصبح طويلة على نحو متزايد وطبيعته غير الواضحة وغير المتجانسة نوعا ما. وبشكل عام، فإن البيانات النوعية تميل إلى أن تكون ضخمة وفوضوية. لا توجد في البحث النوعي قيود واضحة على ما يمكن اعتباره “بيانات” وكما يستنتج ريتشاردز (Richards, 2005)، فإن الباحث في المشروع النوعي غالبا ما يبدأ بالتعامل مع كل شيء حول الموضوع كبيانات محتملة. وهكذا، فإن البيانات النوعية تتوسع بسرعة، و غالبا ما يجد الباحثين المبتدئين أن التحدي الحقيقي ليس توليد بيانات كافية بل توليد بيانات مفيدة. في الواقع، يمكن أن تكون المشكلة الحقيقية في البحث النوعي هي وجود الكثير من البيانات، بالاضافة إلى أن “البيانات النوعية هي سجلات فوضوية (Richards, 2005، ص 34)،  تتكون عادة من خليط من الملاحظات الميدانية، ونصوص تسجيلات مختلفة فضلا عن الوثائق ذات الطبيعة والطول المتنوع. هذا لا يعني أن البيانات النوعية لا يمكنها أن تسفر عن نتائج قيمة، لكنه يعني أن معالجة مثل هذه المجموعات الكبيرة وغير المتجانسة من البيانات قد يتطلب الكثير من العمل. وكما يبين سيلفرمان (Silverman, 2005: 79) فإن الاستكشاف غير المركز للعالم الاجتماعي يمكن أن يكون “وصفة لكارثة”، لأنه في الحالات التي يبدو فيها كل شيء هام، فسيكون من الإفراط في التفاؤل توقع أن الحقيقة سوف تظهر بأعجوبة من كمية البيانات الهائبة التي تم جمعها.

 

على الرغم من أننا بحاجة إلى أن نكون حريصين في انتقائنا  للبيانات التي نجمعها، يجب علينا أيضا أن لا ننسى أن البحث النوعية في الأساس أقل انتظاما وتوحيدا في طرق جمع بياناته من البحث الكمي وأن فوضى البيانات الغنية التي نهدف لجمعها غالبا ما تكون انعكاس للتعقيدات مواقف الحياة الواقعية التي تتعلق بها البيانات. من أجل الاستفادة من معاني المشارك الأساسية، نحن غالبا ما تحتاج إلى اتباع استراتيجيات متعددة في اتجاهات متعددة وعلى مستويات متعددة. ووفقا لذلك، فإن معظم تصميم جمع البيانات النوعية  مرن ومفتوح، كما أن الباحثين ليس مطلوبا منهم التخطيط لكل عناصر المشروع منذ البداية. في حين أن هذا يتماشى مع المنحى الاكتشافي للتحقيق النوعي، تؤكد ريتشاردز (Richards, 2005، ص 20) أن أكثر سبب شائع ممكن للمشاكل في جمع البيانات النوعية هو عدم وجود أي خطط لاختزال البيانات، حيث تجادل بأنه يمكن للباحثين المبتدئين تأطير حجم المشروع بسهولة من حيث مدى الاتساع الذي قد يحتاجون إلى نشر شبكتهم فيه، وليس مدى الاتساع الذ يمكنهم نشرها فيه واقعيا.

 

 

أخذ العينات في البحث النوعي

وكما رأينا في الفصل الأول فإن البحث الكمي والنوعي يختلفان اختلافا كبيرا في الكيفية  التي يتعاملان بها مع أخذ عينات المشاركين في الأبحاث. القاعدة في الدراسات الكمية بسيطة، وهي أننا بحاجة إلى عينة كبيرة حتى نتمكن من تحديد الفروقات الفردية. أما البحث النوعي فيركز، من ناحية أخرى، على وصف، وفهم، وتوضيح خبرة (تجربة) بشرية، وبالتالي فإن الدراسات النوعية موجهة لوصف الجوانب التي تشكل تجربة مميزة وليس تحديد أكثر تجربة نموذجية محتملة ضمن مجموعة (Polkinghorne, 2005). وفقا لذلك، على الأقل نظريا، فإن التحقيق النوعي ليس معنيا بكيفية تمثيل عينة المشاركين أو بكيفية توزيع الخبرة في مجتمع الدراسة. ولكن الهدف الرئيسي من أخذ العينات هو العثور على الأفراد الذين يمكن أن يوفروا رؤى غنية ومتنوعة حول الظاهرة قيد الدراسة حتى نزيد من مما يمكننا تعلمه. بالتالي فإن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هي استخدام توع معين من أخذ العينات الهادفة.

 

 

أخذ العينات الهادفة والنظرية

لأن هناك دائما حد لعدد المشاركين الذيم يمكننا الاتصال بهم أو عدد المواقع التي يمكننا زيارتها، فلابد من اتخاذ بعض القرارات المبدئية حول كيفية اختيار المشاركين في البحث، ومتى يمكننا إضافة مشاركين آخرين للعينة، ومتى تتوقف عن جمع المزيد من البيانات. حتى عندما تتكون عينتنا من حالة واحدة فقط، قنحن بحاجة لتحديد الجوانب التي سنركز عليها في تلك الحالة. بالتالي يجب أن يكون للدراسة النوعية خطة لأخذ العينات تصف معالم أخذ العينة (المشاركين، البيئة، والأحداث، والعمليات)، كما أن هذه الخطة يجب أن تنسجم مع أغراض الدراسة. يقترح بنش (Punch, 2005) إلى أنه إذا كنا غير متأكدين من الحالات، والجوانب، أو المسائل التي سنقوم بدراستها، فسيكون علينا بذل المزيد من العمل لتطوير أسئلة البحث الأولية.

 

يتحدث جلاسر وشتراوس (Glaser and Strauss, 1967) في عملهم عن النظرية المتجذرة حول أخذ العينات النظرية، حيث يسلطون الضوء على حقيقة أن أخذ العينات يجب أن يكون عملية نشوئية مرنة ومستمرة لاختيار المشاركين أو المواقع المتعاقبة، بحيث تكون موجهة باكتشافاتنا السابقة حتى يتسنى لنا اختبار وصقل الأفكار والمفاهيم النظرية المنبثقة. ويوضح سيلفرمان (Silverman, 2005) أن مصطلح “أخذ العينات النظرية” تم نقله من النظرية المتجذرة إلى البحث النوعي بشكل عام، وهو يستخدم حاليا كمرادف “لأخذ العينات الهادفة “.

 

 

التكرار والتشبع، وحجم العينة

يتفق الباحثين على ابقاء عملية اختيار المشاركين مفتوحة في الدراسة النوعية لأطول فترة ممكنة، حتى يتسنى للباحث، بعد جمع الأوصاف والروايات الأولية وتحليلها، من إضافة مشاركين إضافيين ليتمكن من ملء الفجوات في الوصف الأولي أو توسيعه أو حتى دحضه. تتحرك هذه العملية الدورية ذهابا وإيابا بين جمع البيانات وتحليلها وغالبا ما يشار إليها بمصطلح “التكرار” (‘iteration).

 

على الرغم من أن التكرار عملية رئيسية في أخذ العينات النوعية، فإنه لا يمكن ان يستمر إلى الأبد. متى نتوقف عن ذلك؟ لا توجد مبادئ توجيهية صارمة، ولكن العلماء يتفقون على أنه من الناحية المثالية يجب أن تستمر عملية التكرار حتى الوصول إلى درجة التشبع (saturation). يعرف جلاسر وشتراوس (Glaser and Strauss, I967) التشبع بالنقطة التي لا يمكن عندها للبيانات الإضافية أن تطور المفاهيم أكثر مما كشف عنه المشاركين السابقين بالفعل. وبعبارة أخرى، فإن التشبع هو النقطة التي يصبح عندها الباحث مقتنعا تجريبيا “( Glaser and Strauss, I967، ص 61) بأنه أصبح لديه جميع البيانات اللازمة للإجابة على سؤال البحث. ولكن عمليا، مع ذلك، عادة ما يقرر الباحثون متى يتوقفون عن إضافة الحالات إلى البحث بناءا على مزيج من التشبع النظري واعتبارات براغماتية أخرى مثل الوقت والمال المتاحين (Eisenhardt 1989).

 

وأخيرا دعونا نعالج السؤال الأساسي: كم كبيرا ينبغي أن يكون حجم العينة في الدراسة النوعية؟ يمكننا أن نتحدث عن مرونة عملية التكرار، ولكن، واقعيا، يحتاج معظم الباحثين لوضع خطة أولية حول حجم العينة حتى يتمكنوا من تخطيط الجدول الزمني لدراستهم البحثية. الجواب البراجماتي (الواقعي)، وفقا لخبرتي، هو أن دراسة المقابلة بحجم عينة أولي من 6 إلى 10 قد تكون جيدة. أما عندما يقوم الباحث باستخدام الحاسوب لمساعدته في تحليل البيانات فيمكنه زيادة حجم العينة ليصل إلى ما يقارب الثلاثين (30) حالة، برغم أن ذلك قد يكون اجتيازا للحدود وستكون إدارته بالكاد ممكنة خصوصا للباحث المنفرد مثل طالب الدراسات العليا. هذا يعني أن الدراسة النوعية المصممة تصميما جيدا تتطلب عادة عدد قليل نسبيا من المشاركين لكي تسفر عن البيانات المشبعة والغنية اللازمة لفهم حتى المعاني الدقيقة في الظاهرة قيد البحث.

 

 

استراتيجيات محددة لأخذ العينات

هناك عدد من الاستراتيجيات المختلفة لأخذ العينات الهادفة التي يمكن للباحث اتباعها وفقا لموضوعه دراسته والبيئة البحثية. فعند تصميم خطة أخذ العينات، علينا أيضا أخذ مسألة الجدوى في الحسبان (الزمن والمال، وتوافر المشاركين) والاعتبارات المتعلقة بالتشبع التي يتم تجاهلها في أغلب الأوقات. كلما كانت العينة ماسكة ومتجانسة، كلما كان التشبع أسرع، ولكن مع تضييق نطاق المشروع بالطبع. تقدم القائمة التالية لاستراتيجيات أخذ العينات النوعية الشائعة حسا بمدى اتساع رمي شبكتنا حتى نتمكن من الوصول إلى التشبع في مواضيع بحثية مختلفة. وكخطوة أولية، لابد من التأكيد على أن تكون استراتيجية أخذ العينات واضحة من البداية وذلك حتى نتمكن من توصيل منطق أخذها لقراء التقرير البحث النهائي.

 

يمكن تحقيق التشبع سريعا باتباع احدى استراتيجيات أخذ العينات الثلاثة التالية لأنها تهدف جميعها إلى اختيار مشاركين متشابهين:

 

  • أخذ العينات المتجانس الذي يختار فيه الباحث مشاركين من مجموعة فرعية معينة يتشاركون في خبرة مهمة تتعلق بالدراسة التي يقوم بها (على سبيل المثال، كونهم قد انخرطوا في برنامج دراسي في الخارج). وهكذا فإن هذه الاستراتيجية تمكننا من إجراء تحليل متعمق لتحديد الأنماط المشتركة لمجموعة تحمل خصائص مشتركة متشابهة.

 

  • أخذ العينات النموذجية الذي يختار فيه الباحث مشاركين اتكون خبراتهم نموذجية بالنسبة لتركيز البحث (على سبيل المثال، جميعهم يدرسون لغة أجنبية كمادة دراسية في مستوى متوسط بدرجة معقولة من التوفيق). تفترض هذه الاستراتيجية أن لدينا لمحة عن الخصائص المستهدفة التي يمتلكها المتعلم العادي. على الرغم من أننا لا نستطيع التعميم من النتائج، بسبب عدم استطاعتنا الادعاء بأن جميعهم لديهم نفسه الخبرة، فسيكون بإمكاننا سرد الخصائص التقليدية أو المعتادة لتلك الخبرة.

 

  • أخذ العينات المعيارية الذي يختار فيه الباحث مشاركين تتوفر فيهم بعض المعايير المحددة مسبقا (على سبيل المثال، المدراء التنفيذيين للشركات الذين فشلوا في اجتياز امتحان اللغة مهم).

 

يمكننا أيضا الحصول على معلومات قيمة حول أي مسألة معينة إذا ما نظرنا لمجموعة الاستجابات المحتملة كلها، وليس الاختيار النموذجي للمشاركين، وخصوصا ذلك الحالات المميزة جدا.  وبينما تزيد هذه الطريقة من نطاق التحليل، يذكرنا داف (Duff, 2006: 71) بأنها تحمل معها امكانية الإفراط في التركيز على الحالات الشاذة، والحرجة، والمتطرفة، والمُثل العليا، والفريدة أو الحالات المرضية، مع تناسي الحالات النموذجية أو التمثيلية. الاستراتيجيات الثلاثة التالية تتداخل إلى حد ما:

 

  • أخذ العينات ذات التباين الأقصى الذي يختار فيه الباحث حالات تختلف أشكال خبرتها بوضوح (على سبيل المثال، متعلمي لغة ثانية من جميع المستويات). تسمح هذه العملية باستكشاف التباين ما بين الحالات، وتُظهر أيضا أي قواسم مشتركة التي نجدها: إذا كان هناك نمط بين تنوع العينة، فسيمكننا افتراض أنها مستقرة بشكل معقول.

 

  • أخذ العينات من الحالات المتطرفة أو المنحرفة الذي يتبع فيه الباحث نفس منطق أخذ العينات ذات التباين الأقصى عن طريق تحديد الحالات المتطرفة القصوى (مثل المتعلمين الأكثر تحفيزا والمتعلمين الذين يفتقدون للحوافز). هذا يسمح لنا من ناحية بالعثور على حدود الخبرة؛ ومن ناحية أخرى، حتى لو اشتركت مثل هذه الحالات في عناصر عامة، فمن المرجح أن تكون مكونات جوهرية حقيقية للخبرة.

 

  • أخذ العينات من الحالات الحرجة الذي يستهدف فيه الباحث عمدا الحالات التي تقدم التمثيل الدرامي أو الكامل للظاهرة، إما بشدتها أو طابعها الفريد (على سبيل المثال، في دراسة لفقدان اللغة تدرس أناس كانوا يتحدثون لغة ثانية ولكنهم نسوها تماما). يمكن اعتبار قضيتهم تجليا بارز أو شامل للظاهرة قيد البحث. لا يهتم الباحثين في مثل هذه الحالات بما يجدوه فقط، ولكن أيضا بما لم يكتشفوه، لأن الشيء الذي لا يحدث في مثل هذه الحالات البارزة، من غير المرجح أن يحدث في حالات أخرى.

 

وكما يحدث غالبا، فإن استراتيجيات أخذ العينات الأكثر عملية والقابلة للتنفيذ (وبالطبع الأكثر شيوعا) هي الأقل منطقية من الناحية النظرية. ثلاثة من هذه الاستراتيجيات “الأقل موضوعية” المعروفة تتمثل في:

 

  • استراتيجية أخذ العينات المتزايدة أو المتسلسلة التي تكون فيها نقطة الانطلاق قائمة مبدئية من المشاركين الرئيسيين، الذين يطلب منهم بعدها تجنيد المزيد من المشاركين المشابهين لهم في بعض الأوصاف أو النقاط الأساسية في الدراسة البحثية. يمكن أن تصل هذه السلسلة من ردود الفعل إلى حد بعيد، وهو ما يعتبر مثاليا في الحالات التي يكون فيها الخبرة قيد الدراسة نادرة.

 

  • استراتيجية أخذ العينات الانتهازية التي تعتبر إجراء غير مخطط له ويحتمل أن تكون عشوائية، بمعنى أنها ارتجالية. ففي أثناء العمل الميداني يصادف الباحث أحيانا مستطلعين جيدين لا يمكنه تفويتهم ومن ثم يقرر شملهم على الفور. المشكلة هي أنهم لا يكونوا دائما نفس المطلوبين بالضبط، ولكن اختيارهم يتماشى إلى حد كبير مع الطبيعة الناشئة للبحث النوعي.

 

  • أخذ العينات الملائمة وهو الأقل قبولا ولكنه أكثر استراتيجية لأخذ العينات شيوعا، على الأقل على مستوى أبحاث الدراسات العليا. لا تعتبر هذه العينات هادفة ولكنها عملية إلى حد كبير، حيث يستخدم الباحث المشاركين الذين يتم توافرهم. بالطبع، لا أحد في العالم المثالي سيستخدم عينة ملائمة، ولكن الأبحاث (وخصوصا بحوث الدراسات العليا) غالبا ما تحدث في ظروف أقل من مثالية، وفي ظل وقت معين أو قيود مالية. أحد ميزات هذه الاستراتيجية لأخذ العينات هو أنها عادة ما تؤدي إلى مشاركين راضين ومستعدين للمشاركة في البحث، وهو شرط أساسي للوصول إلى مجموعة بيانات غنية. من ناحية أخرى، قد لا يحدث التشبع على الإطلاق. وبالتالي، فإن هذه الاستراتيجية قد توفر الوقت والمال، والجهد، ولكن على حساب المصداقية (Miles and Huberman 1994).

 

أخذ العينات من ضمن الحالات

على الرغم من أن الباحثين النوعيين أصبحوا مدركين لأهمية أخذ العينات الهادفة الملائمة، إلا أن تطبيق العملية عادة ما يتم فقط لاختيار المشاركين، أي “أخذ العينات من بين الحالات”. نحتاج في بعض الطرق النوعية (على سبيل المثال، الاثنوغرافيا أو دراسة الحالة) إلى أن نوسع خطة أخذ العينات لتشمل أيضا ” أخذ العينات من ضمن الحالات” (أي اختيار البيانات من مجموع البيانات المتاحة التي تتعلق بالمشارك)، لأنه يجب علينا اتخاذ القرارات المعتادة حول زمن وكيفية جمع البيانات من مشترك معين، وحول سمات الحالة التي ينبغي علينا الانتباه لها والأنشطة، والمواقع، أو الأحداث التي تستدعي منا التركيز عليها. يجب علينا عند أخذ هذه القرارات أن نكون هادفين في خياراتنا كما نفعل عند اختيارنا للمشتركين.

 

الاثنوغرافيا

إن الاثنوغرافيا نقطة جيدة لانطلاقنا في استكشاف طرق البحث النوعية، لأن هذا النهج يجسد جوهر التحقيق النوعي بطرق عديدة. في الواقع، لقد استخدمت “الاثنوغرافيا” في كثير من الأحيان كمرادف للبحث النوعي حيث استهل، على سبيل المثال، هامرسلي واتكينسون (Hammersley and Atkinson, 1995: I)،  دراستهما المؤثرة حول الاثنوغرافيا بالقول: ” يجب علينا، لأغراض هذا الكتاب، تفسير مصطلح “الاثنوغرافيا” بطريقة ليبرالية، وألا نقلق كثيرا عما يعتبر ولا يعتبر كأمثلة لها”. ويضيفان بأن “الحدود المحيطة بالاثنوغرافيا هي غير واضحة بالضرورة، ونحن لا تريد أن نقوم بأي تمييز صارم وسريع بين الاثنوغرافيا وأنواع أخرى من التحقيق النوعي” (ص 2). ولكن ينبغي علينا، مع ذلك، تذكر أن مساواة الاثنوغرافيا مع البحث النوعي عموما يشوش الصورة، لأن بعض الطرق النوعية، مثل دراسة الحالة، غالبا ما تظهر خصائص مختلفة عن تلك التي تتميز بها الاثنوغرافيا.

 

يهدف  البحث الإثنوغرافي، الذي نشأ في الأنثروبولوجيا الثقافية، إلى وصف وتحليل ممارسات ومعتقدات الثقافات. الثقافة ليست محددة بالجماعات العرقية ولكن يمكنها أن تكون مرتبطة بأي “وحدات مقيدة” (Harklau, 2005) مثل المنظمات والبرامج، وحتى المجتمعات المتميزة. وهكذا، يمكننا التحدث عن اثنوغرافيا لغة الفصول الدراسية، أو التحليل الإثنوغرافي لمدارس محددة، أو غيرها من سياقات تعلم اللغة. تتمثل الصورة الكلاسيكية للاثنوجرافي في الباحث الذي يدخل في المجتمع ويصبح منغمسا في ثقافته، من خلال العيش بين “السكان الأصليين” على جزيرة نائية لعدة سنوات مثلا. لهذا السبب، تم توجيه انتقادات للاثنوغرافيا في الماضي لتمثيلها الموقف استعماري، ولكن بما أننا نبحث في التطبيقات التربوية لهذه الطريقة، فليس لنا حاجة لمراجعة هذا النقاش هنا، كما أننا لن ندرس الفجوة الحالية في المدارس والأساليب المختلفة للنظرية الإثنوغرافية التي خلقتها جزئيا ما بعد الحداثة (انظر Harklau, 2005).

 

الهدف الرئيسي لمعظم البحوث الإثنوغرافية هو توفير وصف مفصل للثقافة الهدف، أي سرد غني يصف بالتفصيل الحياة اليومية للمجتمع ومعتقدات المشاركين والمعاني الثقافية التي يربطونها بأنشطتهم وسلوكياتهم والأحداث التي يعيشونها. توظف الاثنوغرافيا لهذا الغرض مجموعة منتقاة من تقنيات جمع البيانات، بما في ذلك ملاحظة المشاركين وغير المشاركين، وإجراء المقابلات، ومذكرات الباحث الإثنوغرافي الخاصة مع الملاحظات الميدانية ومدخلات دفتر اليوميات. كما يتم دعم هذه المصادر ببيانات التسجيلات المرئية أو الصوتية، فضلا عن الوثائق الأصلية والقطع الأثرية المادية، بل وربما يستخدم الإنثوغرافيون حتى الاستبيانات المنظمة التي تم تطويرها أثناء العمل الميداني.

 

علم اللغة التطبيقي كحقل له اهتمام متأصل بالتواصل بين الثقافات ، ولذلك تم احتضان البحث الإثنوغرافي من قبل العلماء الذين ينظرون إلى تعلم اللغة كممارسة اجتماعية عميقة، ويرون تعلم اللغة الثانية وتعلم الثقافة الثانية، والتنشئة اللغوية الاجتماعية كشيء مرتبط لا يمكن فصله (Roberts et al. 2001;

Schieffelin and Ochs 1986). وبالإضافة إلى ذلك، بسبب الطبيعة القائمة للكثير من البحوث الحديثة في اكتساب اللغة الثانية، فقد تم استخدام الاثنوغرافيا في التحليل السياقي لأحاديث الفصول الدراسية والتعلم المدرسي (على سبيل المثال، Duff 2002; Rampton 1995; van Lier 1988; Watson-Gegeo 1997؛ Harklau, 2005 ). وهكذا، فإن الاثنوغرافيا كما يقول داف (Duff, 2002)، قد اصبحت تكتسب مكانة بارزة في علم اللغة التطبيقي منذ ظهور مقال واتسون جيجو (Watson-Gegeo, 1988) المؤثر حول هذا الموضوع، وقد انعكست هذه الأهمية جيدا بحقيقة أن دورية تدريس اللغة الانجليزية للمتحدثين باللغات الأخرى (TESOL) قد نشرت لكتّابها المبادئ التوجيهية للأثنوجرافيا بشكل منقصل (Chapelle and Duff, 2003). كما أن عدد دراسات تعليم اللغة الإثنوغرافية قد زاد بشكل كبير خلال السنوات االأخيرة، حيث ركز الكثير من الأعمال على دراسة علاقات محددة بين مفاوضة الهويات والممارسات، وتعلم اللغة في كلا من السياقات المحلية وعلى نطاق مجتمعي أوسع. (لمزيد من التفاصيل، انظر القسم الذي يناقش دراسات الحالة، لأن بحوث دراسة الحالة غالبا ما تستخدم منهجية اثنوجرافية.)

 

 

الملامح الرئيسية للدراسات الإثنوغرافية

وفقا لهاركلاو (Harklau, 2005)، السمة المميزة للبحث الإثنوغرافي الكلاسيكي هو أنه ينطوي على “ملاحظة المشاركين” المباشرة في بيئة طبيعية، حيث تشمل معظم الدراسات التي تؤطر نفسها اثنوغرافيا مدى معين من هذه الطريقة. ومع ذلك، رأينا أن الإنثوغرافيون يستخدمون أيضا العديد من تقنيات جمع البيانات، وفي الواقع، يشير هاركلاو إلى أنه عادة ما تعتبر مصادر البيانات المتعددة أمر مرغوب فيه. إذن، إذا كانت طريقة جمع البيانات ليست هي المحدد الرئيسي للنهج الإثنوغرافي، فما هي الملامح التي تحدده؟ غالبا ما يتم التأكيد على النقاط الثلاث التالية في الأدبيات؛ وهي ستحتاج للقليل من الشرح هنا لأنها قد وصفت أعلاه عند مناقشة النهج النوعي بشكل عام.

 

  • التركيز على معاني المشاركين، مما يعني في الدراسات الإثنوغرافية النظر إلى تفسيرات المشاركين الشخصية لتصرفاتهم الخاصة وعاداتهم كشيء أساسي لفهم الثقافة المقصودة. ولذلك، فإن السمة الرئيسية للإثنوجرافيا هي ايجاد سبل لرؤية الأحداث من خلال عيون شخص من الداخل.

 

  • المشاركة لفترات طويلة في البيئة الطبيعية. لا يمكن للباحث كشف خفايا معنى المشاركين (وغالبا، معاني متعددة) ما لم ينغمس في الثقافة ويعايشها فترة طويلة مع مراقبة المشاركين وجمع البيانات. وبالتالي، فإن الحد الأدنى الموصي به للإقامة هو من 6 إلى I2 شهر عادة حتى تحقق ضرورة المشاركة لفترة طويلة.

 

  • الطبيعة الناشئة. لأن الإثنوغرافي داخل لثقافة جديدة، فإن التركيز الدقيق للبحث سيتطور سياقيا وسينبثق في الموقع فقط بعد أن يتم إجراء بعض العمل الميداني.

 

 

المراحل الرئيسية للدراسات الإثنوغرافية

تتضمن الدراسة الإثنوغرافية عملية معقدة للدخول والخروج يمكن وصفها بأنها سلسلة من أربع مراحل متميزة نسبيا (Morse and Richards, 2002؛ أنظر أيضا Richards, 2003):

 

  • تنطوي المرحلة الأولى على دخول للباحث لما يعتبر بيئة غريبة، حيث يحتاج الإثنوغرافي للتفاوض حول الدخول مع الحراس ومن ثم ايجاد وسيلة، سبب، أو دور ملائم يتماشى معه. من المرجح أن يكون الحراس في بحوث اللغة الثانية هم المدرسين الرئيسيين ومديري المدارس ومسؤولي التعليم الآخرين، الذين لديهم جميعا، كما يشير ريتشاردز (Richards, 2003: 121)، “محاور خاصة يدرسونها ومواقع يحمونها”. لذلك، تعتبر هذه المرحلة دقيقة إلى حد ما؛ ومن الواضح أن الباحث تائه نوعا ما ولا يفهم البيئة أو المشاركين، ونتيجة لذلك، فإن جمع البيانات في هذه المرحلة ينطوي إلى حد كبير على فهم البيئة، والبت في معرفة من يمثل من، وبشكل عام، فإنه يقوم بتسجيل يومياته مع ملاحظاته الميدانية.

 

  • المرحلة الثانية أسهل من الأولى من نواح كثيرة، لأنه سيكون فيها الثلج قد ذاب وأصبح الباحث يعرف المشاركين والإجراءات الروتينية في بيئة البحث. تجري الملاحظة الآن على قدم وساق حيث تبدأ المهمة الصعبة لإيجاد المخبرين الرئيسيين بإجراء المقابلات الأولية معهم. يحتاج الأثنوغرافي في هذه المرحلة أيضا للبدء في تحليل البيانات الأولية حتى يطوّر بعض الأفكار والمفاهيم الأولية.

 

  • المرحلة الثالثة هي مرحلة البحث الأكثر إنتاجية. سيكون التثاقف أو الانغماس في الثقافة (Acculturation) قد انتهى وتم قبول الباحث وهو يشعر الآن أنه في بيته داخل بيئة البحث. وهذا يسمح له بتوظيف مجموعة متنوعة من التقنيات لجمع بيانات مركزة أكثر، والتي تستخدم للتحقق من الفرضيات الأولية والأفكار وتطوير المفاهيم النظرية الأوسع. يتميز تحليل البيانات في هذه المرحلة بالتركيز التقدمي الذي ينطوي على غربلة، وفرز، ومراجعة البيانات (Cohen et al., 2000).

 

  • المرحلة النهائية هي الانسحاب الضروري. قد تكون مرحلة الإغلاق هذه متعبة نفسيا مما قد يؤدي إلى الشعور بالخسران، حيث يحتاج الأثنوغرافي للتأكد من أنه يخرج من الحقل بطريقة تسبب أقل ما يمكن من الازعاج والاضطراب للمجموعة أو الموقف، حيث يكون تركيزه على تحليل البيانات ويقوم فقط بجمع بيانات إضافية لملء الفجوات، ولحل الغموض، وللتحقق من صحة النتائج السابقة.

 

نقاط القوة والضعف في البحوث الإثنوغرافية

يعتبر النهج الإثنوغرافي مفيد خصوصا لاستكشاف بيئات مجهولة وفهم العمليات الاجتماعية من وجهة نظر المشاركين. يعتبر هذا النهج وسيلة ممتازة لعبور الثقافات واكتساب نظرة ثاقبة في حياة المنظمات والمؤسسات والمجتمعات. باختصار، الاثنوغرافيا مثالية لتوليد الفرضيات الأولية حول شيء غير معروف تماما. تسلط هورنبيرجر (Hornberger, I994: 688) الضوء على قدرة الاثنوغرافيا على اتخاذ نظرة شمولية والتركيز على الصورة الكاملة التي لا “تترك شيئا مفقودا، وتكشف عن الترابط بين جميع المكونات الجزئية، حيث تذهب إلى القول:

 

القيمة هنا هي أن النهج يسمح، وفي الواقع، إن جوهر النهج هو ضمان المقارنة والتباين بين ما يقوله الناس وما يفعلونه في سياق معين وعبر السياقات للتوصل إلى تمثيل أوسع لما يجري. لا يكفي الإنثوغرافيون سؤال المدرس عن النهج التواصلي لتدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، بل يجب أن يلاحظوه فعليا أيضا. كما أنه ليس كافيا أن نفترض أن أنماط مشاركة الطلاب في الفصل تختلف عن أنماط تجربة تنشئة الأطفال الاجتماعية في البيت، بل إن الإنثوغرافيون يسعون لملاحظة السياقين بأنفسهم، حيث يمكن من خلال مقارنة ومقابلة هذه الأبعاد أن ينشأ وصف واقعي متعدد الطبقات (ص 688-689).

 

العيب الرئيسي لهذا النهج هو أن الحاجة إلى الانخراط المطول مع المشاركين في محيطهم الطبيعي تتطلب استثمار وقت موسع لا تستطيع تحمله إلا قلة من الباحثين الأكاديميين. تذكر هورنبنجر (Hornberger, I994) وجود قيد آخر أيضا، وهو “معضلة الداخلي / الخارجي”، الذي يتناول صعوبة تحقيق التوازن بين المنظور الداخلي والخارجي. كما تجادل بأن هذا التوتر يبرز في عدة مظاهر (على سبيل المثال، في مدى مشاركة الباحث مقابل ملاحظة غير المشارك، والتقارب مقابل الفصل)، وأنه أمر خطير خاصة في مجال البحوث الإثنوغرافية بالنسبة للمعلمين داخل فصولهم وبالنسبة لباحثين الأقليات في مجتمعاتهم . كما أن معضلة الداخلي / الخارجي قد تبرز عند توصيل نتائج الأبحاث للجمهور الخارجي، لأن هذه العملية تنطوي بطبيعتها على عرض وجهات نظر الداخلي بمصطلحات الخارجي، حيث يكون  من المرجح أن تشمل هذه الترجمة التعديلات.

وأخيرا، يلفت هاركلاو (Harklau, 2005) الانتباه إلى خاصية تتعلق بالاثنوغرافيا في علم اللغة التطبيقي، وهي أن العمل الإثنوغرافي لا يزال محدودا إلى حد كبير بالباحثين البيض الناطقين بالإنجليزية في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، بينما نجد أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الهدف في الغالبية العظمى من الدراسات. بينما قد يكون هذا صحيحا واقعيا في الممارسة الحالية، فمن المرجح أن يتغير في المستقبل لأن الأبحاث الإثنوغرافية في عملية اكتساب لأساسات أكثر في علم اللغة التطبيقي، سواءا من حيث النطاق أوالكمية. وعلاوة على ذلك، فإن الاثنوغرافيا تلعب أيضا دورا هاما في التأثير على جوانب عديدة من البحث النوعي بشكل عام، مما ينتج مناهج شبه اثنوجرافية متنوعة مثمرة.

 

 

المقابلات

الطريقة البحث النوعية الثانية التي سنتناولها بالوصف في هذا الفصل هي إجراء المقابلات. يعتبر إجراء المقابلات شيء متكرر في الحياة الاجتماعية المحيطة بمعظمنا، حيث يمكننا سماع المقابلات على الراديو ومشاهدة الناس وهم في مقابلات على شاشات التلفزيون، بالاضافة إلى أننا نحن أنفسنا غالبا ما نشارك في أنواع مختلفة من المقابلات إما كأشخاص تتم مقابلتهم أو كمسيرين للمقابلات. وكما يبين ميلر وكرابتري (Miller and Crabtree, 1999)، فإن نوع المقابلة بأعرافه لتبادل الأدوار وتوقعاته لأدوار المشاركين، وآدابه، وحتى العبارات اللغوية، يعتبر عادة معرفة ثقافية مشتركة. لأن المقابلات هي بالضبط روتين اتصال معروف، فإن الاسلوب يعمل بشكل جيد كأداة بحث متنوعة، فالحقيقة، على الرغم من أن هناك مجموعة متنوعة من تقنيات البحث النوعية المتاحة للباحثين، نجد أن المقابلة هي التقنية الأكثر استخداما في الدراسات النوعية، وعادة ما يتم استخدامها بانتظام في مجموعة متنوعة من السياقات اللغوية التطبيقية لأغراض متنوعة (انظر على سبيل المثال، Block, 2000; Richards, 2003; Rubio, 1997).

 

هناك أنواع مختلفة من المقابلات مثل المنظمة للغاية التي تشبه كثيرا الاستبيانات التحريرية الكمية ولذلك سيتم مناقشتها بإيجاز هنا فقط. أما المقابلة النوعية النموذجية فهي محادثة مهنية  بين شخص وآخر(Kvale, 1996: 5)، تتميز ببنية منظمة وتهدف “للحصول على أوصاف لحياة عالم الشخص الذي تتم مقابلته فيما يتعلق بتفسير ووصف الظواهر” (ص، 5 – 6)، حيث سينصب اهتمامنا في هذا القسم بهذا النوع من المقابلات، كما سنتناول في الأقسام التي تليه لاحقا بنوعين من المقابلات المتخصصة، وهي: مقابلات مجموعة التركيز التي تكون في هيئة مجموعة، و مقابلات الاستعادة الرجعية (retrospective interviews) التي تنطوي تحت مصطلح الطرق الاستبطانية (introspective methods).

 

بعد استعراض أنواع المقابلات الرئيسية، سوف يركز هذا القسم  على جانبن عمليين لإجراء بحوث المقابلات: (أ) كيفية إعداد دليل المقابلة (أي، قائمة الأسئلة التي ستستخدم أثناء المقابلة)، و (ب) كيفية إجراء المقابلة    الفعلية (لمزيد من النقاش، انظر Kvale, 1996; Patton, 2002; Richards, 2003).

 

 

أنواع المقابلات الرئيسية

يمكن تقسيم المقابلات الأحادية إلى أنواع مختلفة وفقا لدرجة الهيكلة في هذه العملية، ووفقا لما إذا كانت هناك جلسة واحدة أو جلسات متعددة للمقابلة. سنبدأ بالسمة الأخيرة التي لا يتم تناولها في الغالب إلا قليلا.

 

جلسة واحدة أو جلسات متعددة

المقابلة النوعية النموذجية تحدث لمرة واحدة و تدوم حوالي 30 – 60 دقيقة. لكن، وكما يقول بولكنجهورن (Polkinghorne, 2005)، فإن المقابلات لمرة واحدة نادرا ما اكون لها القدرة على انتاج الأوصاف الكاملة والغنية اللازمة للحصول على نتائج جديرة بالاهتمام. وببنائه على عمل سيدمان فهو يوصي الباحثين بإجراء سلسلة من ثلاث مقابلات مع نفس المشارك للحصول على العمق والاتساع الكافِ. تزيل المقابلة الأولى الحواجز وتطور العلاقة، كما توفر أيضا لمحة سريعة عن المناطق التي سيتم التحقيق فيها لاحقا. يسمح الفاصل الزمني بين المقابلتين الأولى والثانية للشخص الذي يجري المقابلة بإعداد دليل قياس للمقابلة للجلسة الثانية ويقدم للضيف أيضا فرصة للتفكير بعمق أكثر حول التجربة. ولذلك، نجد أن المقابلة الثانية مركزة أكثر من الأولى. وأخيرا، بعد تحليل نصوص الجلستين الأوليين، يمكن للباحث في المقابلة الثالثة أن يطرح أي أسئلة متابعة لسد الفراغ وتوضيح الوصف.

 

وتجدر الإشارة إلى أن شكل الجلسات المتعددة المذكور هنا ليس هو نفسه المستخدم في دراسات المقابلة الطولية، لأن الغرض من الدورات الثلاث ليس توثيق التغيرات الزمنية ولكن للوصول إلى وصف كامل. أما دراسات المقابلة الطولية فتحتاج لجلسات متعددة يتم تنظيمها بشكل مختلف، حيث تخلق جلسات المقابلة الأولى والثانية المعرفة الأساسية، أما الجلسات اللاحقة التي تتم بانتظام فتركز على سبب وكيفية تغير الظاهرة قيد الدراسة.

 

 

المقابلات المهيكلة

مبدأ التصنيف الرئيسي الثاني للمقابلات هو مدى هيكلتها، حيث يكون أحد طرفيها المقابلة المهيكلة. يتبع الباحث في هذا النوع من المقابلات جدول أو دليل مفصل معد مسبقا يحتوي على قائمة الأسئلة التي سيتم طرحها بشكل دقيق على كل الذين ستتم مقابلتهم، وتتشارك المعلومات المستخرجة مع بيانات الاستبيان في العديد من المزايا (على سبيل المثال، المقارنة عبر المشاركين) والعيوب (على سبيل المثال، الثراء المحدود). تضمن مثل هذه المقابلات المتحكم فيها  تركيز الشخص الذي تتم مقابلته على نطاق الموضوع الهدف وأن تغطي المقابلة مجال معرفة محدد بدقة، مما يجعل الإجابات قابلة للمقارنة بين مختلف المشاركين. الجانب الآخر لهذا النوع، مع ذلك، هو أنه ليس هناك مجال كبير في المقابلة المهيكلة للتنوع أو العفوية في الردود لأن الشخص الذي يجري المقابلة يقوم بتسجيل الاستجابات وفقا لنظام ترميز معين. كما أن هناك أيضا القليل من المرونة في طريقة طرح الأسئلة، لأن الباحث يأمل باعتماده صيغة موحدة عدم ترك شيء للصدفة. يكون هذا النوع من المقابلات مناسب عندما يكون الباحث على علم بما لا يعرفه، حيث يمكنه صياغة الأسئلة التي ستوفر له الأجوبة المطلوبة. تستخدم المقابلات المنظمة في الحالات التي يكون فيها الاستبيان المكتوب ملائم نظريا، ولكن لسبب ما تكون الصيغة التحريرية غير ممكنة (على سبيل المثال، بسبب انخفاض مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة بين المشاركين أو الحاجة إلى تشديد الرقابة كما هو الحال في بعض دراسات وبحوث السوق أو استطلاعات الرأي).

 

 

المقابلات غير المهيكلة

في الطرف الآخر هناك المقابلة غير المهيكلة (يشار إليها أحيانا باسم المقابلة الإثنوغرافية أيضا) التي تسمح بأقصى قدر من المرونة لمتابعة الشخص الذي تتم مقابلته في اتجاهات غير متوقعة، مع الحد الأدنى من تدخل جدول أعمال البحث. القصد من ذلك هو خلق جو مريح يبوح فيه المشارك أكثر مما يكشف عنه في السياقات الرسمية، ويأخذ فيه الشخص الذي يجري المقابلة دور المستمع. لا يتم إعداد أي دليل مفصل مسبق للمقابلة، ولكن الباحث عادة ما يفكر في بعض الأسئلة الافتتاحية (من 1 إلى 6 أسئلة تسمى أحيانا أسئلة الجولة الرئيسية) للاستخلاص رواية المشارك الذي تتم مقابلته. قد يسأل الباحث أثناء المقابلة سؤال عرضي للتوضيح وربما يعطي ردود معززة كما يفعل أي شريك تواصلي جيد للحفاظ على سير المقابلة، ولكن يجب ابقاء المقاطعات في أدنى حد ممكن .

 

يجب على القائم بالمقابلة انشاء علاقة جيدة مع الضيف حتى تكون المقابلة غير المهيكلة ناجحة. يكون هذا النوع من المقابلات مناسب عندما يكون تركيز البحث على المعنى العميق للظاهرة قيد الدراسة أو عندما يتطلب البحث بعض السرد التاريخي الشخصي لكيفية تطور ظاهرة معينة. يمكن أيضا استخدام المقابلات المعمقة عندما يكون العمل الاستكشافي مطلوبا قبل إجراء دراسة مركزة أكثر (دراسة كمية مثلا).

 

 

المقابلات شبه المهيكلة

تنتمي معظم المقابلات التي أجريت في بحوث علم اللغة التطبيقي إلى نوع المقابلات شبه المهيكلة الذي يقدم حلا وسطا بين الطرفين. على الرغم من أن هناك مجموعة من الأسئلة التوجيهية المعدة مسبقا، فإن صيغتها مفتوحة ويتم فيها تشجيع الضيف للتوسع في التفاصيل حول القضايا المطروحة بطريقة استكشافية. وبعبارة أخرى، فإن القائم بالمقابلة يوفر الإرشاد والتوجيه، ولكنه حريص أيضا على متابعة التطورات المثيرة للاهتمام والسماح للضيف بإعطاء التفاصيل حول قضايا معينة. وبسبب الشعبية الكبيرة لصيغة هذا النوع من المقابلات، فإن معظم التوصيات التالية حول صياغة الأسئلة واجراء المقابلة سيتم توجيهها خصيصا نحو المقابلات شبه المهيكلة.

 

تعتبر المقابلة شبه المهيكلة مناسبة في الحالات التي يكون الباحث فيها ملم بما فيه الكفاية حول الظاهرة أو المجال قيد البحث وتكون لديه القدرة على تطوير أسئلة واسعة حول الموضوع مسبقا، لكنه لا يريد استخدام فئات إجابة جاهزة التي من شأنها أن تحد من عمق واتساع رواية المشارك. يحتاج هذا النوع إلى دليل مقابلة ينبغي تجريبه مسبقا. عادة ما يطرح القائم بالمقابلة نفس الأسئلة على جميع المشاركين، وإن لم يكن بالضرورة بنفس الترتيب أو الصياغة، وسيكون عليه تكملة الأسئلة الرئيسية بتحقيقات متنوعة – انظر أدناه.

 

التحضير للمقابلة وتصميم دليل المقابلة

تنطوي العملية الكاملة للمقابلة على سلسلة من الخطوات المصممة بدقة، حيث يبدأ الإعداد قبل جلسة المقابلة الأولى. بعد وضع اللمسات الأخيرة على الخطة الأولية لأخذ العينات والنظر في القضايا الأخلاقية مثل إعلام الموافقة، يحتاج الباحث إلى إعداد دليل مفصل للمقابلة، الذي سيكون بمثابة أداة البحث الرئيسية. على الرغم من أننا قد نعتقد أن هذه المهمة واضحة وسريعة (لأن كل ما على الباحث القيام به هو تدوين بعض الأسئلة ذات الصلة)، فإن دليل المقابلة الجيد يتطلب التخطيط الدقيق الذي يتبعه نوع من التجريب. يمكن لعدد من المقابلات التجريبية أن تؤكد أن الأسئلة تستنبط بيانات غنية بما فيه الكفاية وأنها لا تهيمن على سير المحادثة.

 

تتمثل المهمة الرئيسية لدليل المقابلة (أو جدول بروتوكول المقابلة ) هو مساعدة القائم بالمقابلة في عدد من المجالات الآتية:

(أ) ضمان تغطية المجال بشكل صحيح وعدم ترك أي شيء مهم بالخطأ.

(ب) اقتراح صيغ أسئلة مناسبة.

(ج) تقديم قائمة مفيدة بأسئلة التحقيق لاستخدامها عند الحاجة.

(د) تقديم نموذج لبيان الافتتاح.

(ه) سرد بعض التعليقات التي يجب أخذها في الاعتبار.

 

قد يكون من المستحسن أن نجمع بين هذا الدليل و سجل المقابلة، وبالتالي ترك مساحة فيه لتسجيل تفاصيل المقابلة (على سبيل المثال، المشارك، البيئة، الطول)، وكذلك لتعليقات وملاحظات القائم بالمقابلة. وكما يشير مكراكين (McCracken, I988)، فإن استخدام دليل المقابلة يعتبر أحيانا كمسألة تقديرية في المقابلات النوعية. هذا خطأ، كما يجادل، لأنه وفقا للأهداف التي نريد تحقيقها والعوامل المتعددة التي يجب علينا الانتباه لها أثناء المقابلة، فإن دليل المقابلة لا غنى عنه. في الواقع، وكما سيؤكد أي شخص أجرى مقابلات، فإن القائم بالمقابلة سينفعه أي نوع من المساعدة أثناء عملية إجراء المقابلات، ودليل المقابلة يقدم لنا أفضل مساعدة ممكنة في هذا الصدد.

 

 

أنواع الأسئلة ومسائل الصياغة

هناك مجموعة متنوعة من الأسئلة التي يمكن أن ندرجها في دليل المقابلة، ولكننا نحتاج إلى أن نضع في اعتبارنا أنها لا توفر سوى الإطار وأن المعنى الحقيقي غالبا ما يتم الكشف عنه من خلال الاستجابات الاستكشافية غير المهيكلة التي تحيد عن جدول المقابلة.

 

  • الأسئلة القليلة الأولى: هذه الأسئلة لها أهمية خاصة في المقابلة، ولكن ليس من ناحية محتواها، بل لأنها تمهد وتخلق علاقة الأولية. إذا شعر المشاركين الذين تتم مقابلتهم أنهم يستطيعون يعاملون بعدل عند الإجابة على هذه الأسئلة الأولية، فإن هذا سوف يجعلهم يشعرون بالأهلية، ويساعدهم على الاسترخاء مما يشجعهم على أن يكونوا منفتحين. ولذلك نجد الباحثين غالبا ما يبدؤون بالأسئلة الشخصية أو الواقعية السهلة (على سبيل المثال، حول عائلة المشارك أو وظيفته). تعتمد نوعية الردود اللاحقة كثيرا على مناخ الثقة الذي يخلقه الباحث في فترة كسر الجليد الأولية.

 

  • أسئلة المحتوى: يشير باتون (Patton, 2002) إلى أنه يمكن طرح ستة أنواع رئيسية حول أي موضوع معين يكون تركيزها على: (أ) الخبرات والسلوكيات، (ب) الآراء والقيم، (ج) المشاعر، (د) المعرفة، (هـ) المعلومات الحسية (أي ما رآه الشخص، سمعه، تذوقه، شمه، الخ، وحتى الذي رآه أو سمعه الشخص الذي يجري المقابلة إذا كان في مكان معين)، و (و) الخلفية أو المعلومات الديموغرافية. تتعلق هذه الفئات الستة بجوانب مختلفة من نظرة وخبرة المشاركين الشاملة حول الظاهرة. بالتالي يمكننا الحصول على صورة تقريبية عن الظاهرة من خلال تضمين بعض الأسئلة التي تتناول أبعاد الموضوع قيد الدراسة في دليل المقابلة.

 

  • التحقيقات: يمكن تعزيز الطبيعة الناشئة لبيانات المقابلة النوعية من خلال اجراء تحقيقات متنوعة من خلال استخدام ما يقوله الضيف كنقطة انطلاق إلى أبعد من ذلك، لزيادة ثراء وعمق الردود. ويمكن أن تشمل هذه التحقيقات الأسئلة التفصيلية والتوضيحية، ولكن الأسلوب الذي غالبا ما يُستخدم في العلاج النفسي الذي يركز على الشخص هو ببساطة ذكر كلمة المحتوى البارزة التي يستخدمها المشارك وسؤاله بأن يشرحها ( ‘لقد استخدمت كلمة “الحرية” مرتين، ما الذي تعنيه لك بالضبط / هل تعني بذلك …؟). كما يذكر باتون (Patton, 2002) تحقيقا مثير للاهتمام، “التحقيق المضاد” الذي يسأل عن كيف يمكن مقارنة تجربة معينة، شعور، أو مصطلح ما مع فكرة أو مفهوم آخر مشابه.

 

  • السؤال النهائي: يسمح هذا السؤال للضيف بأن يقول كلمته النهائية. لقد لاحظ العديد من الباحثين في الأدبيات ثراء البيانات التي يمكن أن تسفر عنها أسئلة الإغلاق النهائية البسيطة مثل: ‘هل هناك أي شيء آخر تود اضافته؟ أو “ماذا كان يجب أن أسئلك ولكنّي لم أفكر في سؤاله؟’

 

وفيما يتعلق بصياغة الأسئلة في المقابلة النوعية، فالأدبيات تحتوي على الكثير من النصائح. بعض هذه النصيحة بديهية (على سبيل المثال، ‘لا تستخدم الكلمات التي لا يفهمها الضيف’)، ولكن بعض الاقتراحات الأخرى هي عملية حقا، باتون (Patton, 2002)، على سبيل المثال، يقدم مبادئ توجيهية مفصلة مميزة. على غرار صياغة بنود الاستبيان المكتوب، هناك بعض القواعد العامة حول كيفية صياغة أسئلة المقابلات. هناك قاعدتين لهما أهمية خاصة تقضي بتجنب (أ) الأسئلة الموجهة ( مثل، ‘لقد كان محبطا، أليس كذلك …؟’) و (ب) المصطلحات والكلمات المُحمّلة أو الغامضة. عموما، الأسئلة القصيرة والبسيطة نسبيا التي تحتوي على فكرة واحدة فقط تؤدي الغرض أفضل. استخدام الكلمات التي تعني شيئا للشخص الذي تتم مقابلته وتعكس وجهة نظره عن العالم تساعد على التوصل بالمشارك وتحسّن نوعية بيانات المقابلة.

 

إجراء المقابلة

على الرغم من أن الممارسة عادة ما تجعلنا نجري المقابلات كخبراء ومسترخين أكثر، إلا أن معرفة الباحث لبعض القضايا الرئيسية حول اجراء المقابلات سيكون مفيدا بالفعل، لأن هناك تقنيات عدة لها تأثير جيد يمكننا تطبيقها من البداية. ولذلك سنقوم بفحص المكونات الرئيسية لعملية إجراء المقابلات. {انظر أيضا ريتشاردز، 2003، الفصل الثاني، حول الوصف العملي الموجه لعلماء علم اللغة التطبيقي يشمل اقتراحات حول كيفية تطوير مهارات إجراء المقابلات).

 

تسجيل المقابلة

هناك اتفاق عام في الأدبيات بأنه إذا أردنا استخدام محتوى المقابلة شبه المهيكلة أو غير المهيكلة كبيانات بحثية، فإننا نحتاج إلى تسجيلها، لأن أخذ الملاحظات فقط لا يكفي حيث من غير المحتمل أن تكون قادرين على التقاط كل تفاصيل الدقيقة للمعاني الشخصية، كما أن تدوين الملاحظات  يقطع أيضا عملية إجراء المقابلات. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن الكثير من الناس لا يحبون أن يتم تسجيل المقابلات معهم، وبالتالي يجب علينا مناقشة هذا الجانب مع الضيف مقدما.

 

هناك جانبين لتسجيل المقابلات هما التقني والنظري. الجانب التقني واضح حيث يجب علينا التأكد من أن التقنية المستخدمة صالحة وتعمل حتى نحصل في نهاية المطاف على تسجيلات ذات جودة جيدة. على الرغم من أن هذا قد يبدو بديهيا، من المثير للدهشة أن الباحثين غالبا لا يحصلون على تسجيلات جيدة. تبرز أهمية الجانب الفني في ملحق دراسة ديورانتي (Duranti, 1997) في دورية الأنثروبولوجيا اللغوية التي خصص فيها سبع صفحات لمناقشة مسائل التسجيل، بدءا من كيفية وضع الميكروفون إلى كيفية تسمية أشرطة.

 

أفضل الاحتياطات هي أخذ قانون مورفي على محمل الجد: ‘إذا كان الخطأ ممكن، فسوف يحصل’. لذلك، يجب أن يكون معنا جهاز تسجيل احتياطي، وأن نستخدم دائما بطاريات وأشرطة جديدة (إن وجدت)، وأن نقوم باختبار هذه المعدات في بداية المقابلة بإجراء تسجيل تجريبي. احد المشاكلة المشهورة في التسجيل هي أنه ما لم نقوم بتسمية الأشرطة، أو الأقراص، أو الملفات الرقمية المسجلة فورا وبدقة، فسوف تختلط فيما بينها. وبسبب احتمال وجود الكثير من هذه التسجيلات، فسيكون من المهم الحفاظ على سجل دقيق لمحتواها من البداية. يوصي ديورانتي (Duranti, 1997) أيضا بأنه يجب علينا بعد الانتهاء من التسجيل أن ننسخ الأشرطة الأصلية للاستماع والاختزال (رقميا يعني هذا انشاء نسخ احتياطية للملفات.

 

القضية النظرية حول التسجيل تتعلق بحقيقة أنه عند القيام بالتسجيل الصوتي سنفقد حتما بعض المعلومات مثل الاشارات غير اللفظية كحركة العين، وتعبيرات الوجه أو الإيماءات. هذا يوحي بأن التسجيل المرئي (الفيديو) هو دائما الأفضل، ولكن العديد من الباحثين لا يقبلون هذا الادعاء. على الرغم من وضوح أن بيانات الفيديو تعتبر أكثر ثراء من التسجيلات الصوتية، فإن عملية التسجيل المرئي أصعب بكثير وفضولية أكثر من فتح جهاز تسجيل صغير، بالاضافة إلى أن تحليل بيانات الفيديو ليست مهمة سهلة أيضا. لذلك لا نوصي باستخدام بيانات الفيديو في أبحاثنا إلا إذا كنا حقا في حاجة إليها.

 

 

 

بدء المقابلة

الدقائق القليلة الأولى من جلسة المقابلة مهمة لأنها تمثل مرحلة بناء أسلوب ومناخ المقابلة واقناع الضيف بأنفسنا، وهذا يعني انشاء ائتماننا وجعل أنفسنا مقبولين. يجب علينا أن نظهر أننا مهتمون حقا في ما سيقوله الضيف وأننا أيضا لطفاء إلى حد معقول ومسالمين. وكما يبين مكراكين (McCracken, 1988: 38)، من الأفضل أن نكون بمظهر “الغامض قليلا، ونوافق كثيرا وأن لا نعطي أي علامة على وجود موقف حاسم أو تهكمي”. كما يجادل بأن الطريقة الفعالة لتقديم أنفسنا هي تحقيق التوازن بين الرسمية وغير الرسمية، لأن الشكل الرسمي في اللباس والأسلوب مفيد لأنه يخلق صورة “جدية” و “مهنية” (في النهاية، العلماء الحقيقيين يرتدون معاطف بيضاء ويستخدمون الكلمات اللاتينية التي لا يفهمها إلا قلة من الناس)، ويشير أيضا إلى أن الباحث يمكن الوثوق به للحفاظ على السرية التي وعد المشارك بها. ومن ناحية أخرى، فإن شيئا من غير الرسمية مفيد أيضا لأنه يطمئن المشارك بأننا بشر لا نرقى للكمال، وأن حياتنا غير مختلفة عن تعقيدات وصعوبات حياة المشارك.

 

نحتاج قبل بدء التسجيل إلى شرح سبب المقابلة مرة أخرى، لأن فهم الغرض من الأسئلة يزيد من دوافع الضيف للإجابة بانفتاح ​​وبالتفصيل. يجب علينا أيضا تلخيص ما سيحدث لبيانات المقابلة بإيجاز، وقد يكون من المفيد

طمأنة المشارك مرة أخرى حول مسألة السرية. نحتاج في هذا مرحلة إلى خلق أجواء مريحة غير مهددة يشعر فيها المشارك الذي تتم مقابلته بالراحة في التعبير عن نفسه، كما أن تبادل محادثة قصيرة ستكون مفيدة أيضا لبناء علاقة مع الضيف. عندما نرى أن الضيف مرتاح، ينبغي أن نسأله إذا كان من الممكن تشغيل جهاز التسجيل واختبار أنه يعمل. بعد ذلك نقوم بطرح الأسئلة الأولى كما وضحنا أعلاه، التي يجب أن تكون سهلة الإجابة كما وضحنا أعلاه.

 

 

إجراء المقابلة

تتميز المقابلة النوعية الجيدة بسمتين رئيسيتين هما:

(أ) تتدفق المقابلة بشكل طبيعي بحيث ترتبط الأجزاء المختلفة بسلاسة. يجب على الباحث أن يتذكر أنه موجود لكي يستمع بالدرجة الأولى، وليس ليتحدث! هذه النقطة هي في الواقع من أول التوصيات عامة التي يقترحها روبسون (Robson, 2002) حول المقابلات (أنظر الجدول 2). يجب أن نترك الضيف يسترسل دون استعجاله أو مقاطعته، وحتى إذا كانت هناك لحظات صمت، فيجب علينا التحلي بالصبر ومقاومة التدخل بسرعة مع سؤال جديد.

 

(ب) المقابلات غنية بالتفاصيل. ووفقا لذلك، يشير ريتشاردز (Richards, 2003: 53) إلى أن القاعدة الذهبية لجميع المقابلات هي “السعي دائما وراء المهم”. ومن الواضح أن تحقيق هذا المطلب ربما يكون على حساب الأول، لأننا قد نحتاج في بعض الأحيان لمقاطعة التدفق الطبيعي للوصف (خاصة إذا انجرفت المقابلة من موضوع لآخر) والتركيز على تفاصيل محددة. هذا هو أحد المجالات التي يمكن أن يُحدث فيها الاستخدام الماهر  لتحقيقات متنوعة فرقا حقيقيا. سوف نعود إلى هذا السؤال أدناه، ولكننا بحاجة أولا إلى معالجة قضية أساسية لسلوك الشخص الذي يجري المقابلة، وهي حياد الباحث.

 

 

أحد المبادئ الأساسية في منهجية المقابلة هو أنه ينبغي على الشخص الذي يجري المقابلة محاولة أن يكون محايدا وأن لا يبدي أي تحيز شخصي. ولكن ما الذي يعنيه هذا الحياد من الناحية العملية؟ أعتقد أن ذلك ينطوي على خلق الفضاء المناسب للضيف الذي تتم مقابلته لتبادل خبراته معنا بحرية، وبغض النظر عن أي مضمون اجتماعي، أخلاقي، أو سياسي. النقطة التي يجب التأكيد عليها هنا هي ببساطة أن عدم إعرابنا عن أي تحيز شخصي قد لا يكون كافيا لخلق الفضاء المحايد، لأن المشاركين سوف يتأثرون حتما بما يسمى عادة مرغوبية التحيز الاجتماعي (رغبة المشارك في تقديم ما يعتقد أنه متوقع منه). وهذا يعني أن المشارك قد يشعر بأن بعض الاستجابات ستُقابل بالرفض، ليس بالضرورة لأننا قدمنا ​​ما يشير إلى أنها قد تكون كذلك، ولكن بسبب أن الاستجابة تتعارض مع بعض العادات أو الأعراف الاجتماعية. ومن المؤكد أن المشاركين يدخلون جلسة المقابلة ببعض الأفكار عما قد يشكل ردود مفضلة وردود غير مرغوب فيها، وإذا لم نتعامل مع هذه المسألة منذ البداية، فربما كل ما سنحصل عليه في النهاية هو سرد أنيق، وخاضع للرقابة الذاتية، بل وعقيم. ففي النهاية، كما يحذرنا أوبنهايم (Oppenheim, I992)، حتى الأسئلة الواقعية يمكن أن تكون محملة بمسائل الرغبة، فقد يدعي الناس مثلا، أنهم يقرأون أكثر مما يفعلون، أو أنهم يستحمون كثيرا عكس ما يفعلون، أو أنهم يقضون وقتا كثيرا مع أطفالهم على عكس ما يحدث في الواقع. إن فضاء المقابلة المحايد يشجع على تقاسم حتى الأشياء التي لا يكون مرغوب فيها اجتماعيا.

 

كيف يمكن تحقيق مثل هذا الحياد؟ الألفة لا غنى عنها، كما أن عدم تقديم أنفسنا كمثاليين هو أيضا مفيد. هناك أيضا بعض التقنيات العملية للتخفيف من الأشياء غير المرغوب فيها (انظر أيضا Dὅrnyei, 2003)، مثل

صياغة السؤال بطريقة توحي بأن السلوك هو بالأحرى شائع (على سبيل المثال، ‘حتى المعلمين القائمين بواجبهم على أكمل وجه يقومون أحيانا بـ … ‘)؛ أو استخدام السلطة لجعل سلوك أو قضية حساسة تبدو مبرره (على سبيل المثال، ‘كثير من الباحثين يعتقدون الآن أن … ‘)؛ أو تضمين الأسباب التي تفسر السلوك (على سبيل المثال، ‘هل جدولك المزدحم يمنعك أحيانا من … ‘)؛؟ أو الاعتماد ببساطة على نهج عرضي (على سبيل المثال، “هل حدث لك وأن …؟).

 

وتجدر الإشارة إلى أن هناك جدل في أدبيات البحث النوعي يتعلق بقضية الحياد (لمزيد من التحليل، أنظر Kvale, 2006)، وعلى سبيل المثال يؤيد فونتانا وفراي (Fontana and Frey, 2005: 696) اجراء “المقابلات الودية” التي يأخذ فيها الشخص الذي يجري المقابلة موقفا ما. ويرى المؤلفان أن هدف الحياد العلمي في جلسة المقابلة هو “خيالي إلى حد كبير” لأن إجراء المقابلات ليس مجرد تبادل حيادي لطرح الأسئلة والحصول على إجابات، وإنما هو تبادل اجتماعي مشترك يكون فيه اتخاذ موقف معين أمرا لا مفر منه. وبدون شك فإن هذا الموقف المتعاطف مفيد في التعامل مع القضايا الحساسة، ويُظهر المزيد من النزاهة لأنه يجعل القائم بالمقابلة يظهر بهيأة الحليف، ولكنّي لست متأكدا تماما كيف يمكن للمرء التصرف في المقابلة إذا كان موقفه الشخصي يتوافق تماما (أو حتى يتعارض) مع الضيف. من الواضح أن هناك حاجة إلى بعض التوازن الدقيق هنا بين الحياد الغير حكمي والفهم الحساس والموافقة.

 

حالما ننجح في إنشاء دفق المقابلة، سنحتاج إلى الحفاظ عليه بطريقة غير مزعجة. هناك عدد من التقنيات المفيدة للحفاظ على مسار المقابلة:

 

  • الردود الدافعة للاستمرار. يقوم أي مستمع متعاطف بتقديم الإشارات التعبيرية (مثل الإيماءات، والأصوات مثل “آه”، وكلمات مثل “نعم”) كجزء من التواصل العادي، كما يجب على الذي يجري المقابلة أن يبدو مستمعا متعاطفا بشكل واضح. يسلط ميلر وكرابتري (Miller and Crabtree, 1999) أيضا الضوء على الدور المهم للإيماءات الصغيرة مثل انحناءة الانتباه/ و رفع حواجب العين، والابتسامة المتعاطفة.

 

  • ردود الفعل المعززة. كما هو الحال في المحادثات العادية، فنحن بحاجة لتوفير الدعم من حين لآخر، بحيث نشير إلى أننا سعداء بطريقة سير المقابلة ونؤكد أن جهود الضيف جديرة بالاهتمام. ففي النهاية الجميع يحب الإطراء!

 

  • التعزيز السلبي. ماذا نفعل عندما لا تسير المقابلة بشكل جيد كما نعتقد؟ غالبا ما يحب الناس التحدث والانحراف بشكل مفاجئ عن الموضوع بطريقة لا تُظهر المعنى الشخصي تلقائيا، ولكنها مجرد مراوغة. اذا اعطينا ردود فعل معززة قصيرة منتظمة (على سبيل المثال، ايماءة هز الرأس، آه)، ثم الامتناع عنها ببساطة واستبدالها بسؤال اعتراضي أو تحول في موقفنا، قد يكون كافيا كإشارة تنبيه للعودة إلى المسار الصحيح. بدلا من ذلك، كما يوضح باتون (Patton, 2002)، يمكن أن نستخدم بعض العبارات الذكية غير العدائية للمقاطعة وإعادة التركيز (على سبيل المثال، ‘اسمح لي أن استوقفك هنا للحظة والعودة لما قلته سابقا للتأكد من أنني فهمتك جيدا’).

 

  • تشجيع التوسع. في الحالات التي يكون فيها الضيف غير مستعد لتقديم المعلومات حول موضوع معين، يمكننا استخدام التحقيقات المختلفة (التي ناقشناها في قسم أنواع الأسئلة ومسائل الصياغة)، بما في ذلك “التحقيقات الصامتة” التي تنطوي على البقاء صامتا للإشارة إلى أننا ننتظر أكثر من ذلك. تتضمن الدعوات المباشرة للتوسع الصدى الفوري (تكرار الكلمة الأخيرة التي قالها الضيف)، إعادة الصياغة الاستدلالية أو التلخيص التأملي وأسئلة التوضيح. كما ذكرنا أعلاه، التقنية الشائعة هي اتخاذ كلمة محتوى بارزة مستخدمة من قبل الضيف المشارك وتكرارها بلهجة استفهامية أو سؤال الشخص الضيف لتوضيح ذلك.

 

  • أجهزة تركيز الانتباه. نحتاج في المقابلة الطويلة لتجديد اهتمام المشارك، وإعادة تركيز الردود. يمكن لتعليق يلفت الانتباه قبل السؤال أن يحقق ذلك؛ قد يكون هذا التعليق متعلق بأهمية وصعوبة السؤال أو أي خصائص أخرى (مثلا، ‘هل لي أن أسألك الآن حول مسألة هامة للغاية ولكن التحدث عنها ليس بالأمر السهل … ‘). من المفيد أيضا الابلاغ عن الانتقال و البيانات التمهيدية قبل تناول أي قضية جديدة لأن هذا الإشعار المسبق سيساعد على خلق الاعتقاد أو الصورة المناسبة.

 

إنهاء المقابلة

يمكننا الاشارة إلى اقتراب نهاية المقابلة تقترب باستخدام تحركات ما قبل الانتهاء مثل تلخيص أو إعادة سرد النقاط الرئيسية في المناقشة. لهذه الخطوة أيضا أهمية تتعلق بالمحتوى، لأنها تسمح للضيف بتصحيح أي شيء قد نكون أسأنا فهمه، واضافة أي نقاط أخرى. في الواقع، كما ناقشنا في دليل مقابلة، قد نرغب في إعطاء المشارك فرصة واضحة لإبداء أي ملاحظات مرتبطة مهمة لم يتم تغطيتها في بقية المقابلة ( ‘ليس لدي أي أسئلة أخرى، هل لديك أي شيء تريد مناقشته، أو السؤال عنه، قبل أن ننهي المقابلة؟’ (Kvale, I996: 128). سواء فعلنا ذلك أم لا، يجب أن نكون حريصين على عدم إنهاء المقابلة بموضوع صعب، مثلما هو الحال في امتحانات اللغة الشفوية، وسنكون بحاجة لتضمين مرحلة الخمود النهائية عن طريق توجيه الضيف نحو التجارب الإيجابية. يسمي كفال (Kvale) هذه الوظيفة بالاستجواب ويعتبرها أساسية نظرا لأن الضيف عبر عن نفسه بانفتاح وربما يكون قد كشف معلومات شخصية حساسة. لذلك، سنحتاج في هذه المرحلة النهائية إلى إعادة التعبير عن امتناننا واحترامنا، ومناقشة الطرق التي سنستخدم بها المادة وكيفية البقاء على اتصال في المستقبل.

 

نقاط القوة والضعف في المقابلات

المقابلة هي وسيلة جمع معلومات طبيعية ومقبولة اجتماعيا يرتاح إليها معظم الناس ويمكن استخدامها في مجموعة متنوعة من الحالات، بحيث يمكنها التركيز على موضوعات متنوعة لإنتاج بيانات متعمقة. يسمح حضور الذي يجري المقابلة بطرق مرنة، والتحقيق في أي قضية جديدة ناشئة، بينما يساعد دليل المقابلة على الحفاظ على تغطية شاملة للمجال. بسبب المظهر الاجتماعي لإجراء المقابلات، فسيكون لدى معظمنا عدة نماذج جيدة للذي يجري المقابلة في أذهاننا، وبالتالي من المرجح أن يتمكن الباحث المبتدي من الحصول على بيانات غنية في مقابلاتهم الأولى.

 

نقطة الضعف الرئيسية في المقابلات هي أن إعدادها وإجرائها يحتاج يستهلك الوقت، وأنها تتطلب مهارات التواصل الجيد من طرف الذي يجري المقابلة،  وهذا الشيء لا يتمتع به الجميع بشكل طبيعيا. وبما أن شكل المقابلة لا يسمح بعدم الكشف عن الهوية، فإن هناك فرصة بأن يحاول المشارك عرض نفسه بطريقة أفضل مما هو عليه في الواقع. كما يمكن أيضا أن يكون الضيف المشارك خجول جدا ويعجز عن توفير بيانات كافية، أو يمكن أن يكون مطنب جدا، ويقوم بتوليد الكثير من البيانات قليلة الفائدة.

 

 

مقابلات جماعات التركيز

أحيانا يتم التعامل مع مقابلات جماعات التركيز على انه فرع من المقابلات، ولكن لأن شكل ودور القائم بالمقابلة يختلف إلى حد كبير في عملية إجراء المقابلة، فإننا نرى أنه من الأنسب الفصل بين هذين الطريقتين. مقابلات مجموعات التركيز، كما يوحي اسمها، تكون على هيئة مجموعة يقوم فيها من يجري المقابلة بتسجيل ردود مجموعة صغيرة (تتكون عادة من 6 إلى 12 عضو). من الواضح أن هذه الطريقة تعتبر وسيلة اقتصادية لجمع كمية كبيرة نسبيا من البيانات النوعية، ولذلك نجد أن مجموعات التركيز تُستخدم لأغراض متنوعة في مجالات مختلفة كثيرة. يأتي الاسم أصلا من أبحاث السوق ولكن الآن يتم استخدام المصطلحات “مقابلة مجموعة التركيز”، و “مقابلة المجموعة” بالتبادل. أصبحت هذه الطريقة مألوفة لجمهور العامة بعدما بدأت الأحزاب السياسية في استخدامها لقياس ردود فعل الناخبين حول بعض سياسات التخطيط، بالاضافة إلى أنها (مقابلات المجموعة) غالبا ما تعرض على القنوات التلفزيونية.

 

ويستند تصميم مجموعة التركيز على الخبرة الجماعية بإثارة أفكار مجموعة، حيث يقوم المشاركين بالتفكير معا، ويلهمون ويتحدون بعضهم البعض، ويتفاعلون مع القضايا والنقاط الناشئة من المناقشة. يسفر هذا التفاعل داخل المجموعة عن بيانات ذات جودة عالية لأنه يخلق بيئة تعاونية تؤدي إلى نقاشات عميقة وثاقبة. تسمح هذه الطريقة أيضا بالحصول على درجات مختلفة من التنظيم وفقا لمدى اعتماد الباحث على دليل المقابلة بدلا من إعطاء المشاركين الحرية لمناقشة بعض الموضوعات الواسعة. كما هو الحال في المقابلات الفردية، فإن مقابلة مجموعة التركيز شبه المنظمة هي الشكل الأكثر شيوعا لأن الباحث يطرح فيها كلا من الأسئلة المفتوحة والمغلقة.

 

خصائص مجموعات التركيز

حجم مجموعة التركيز يتراوح من 6 إلى 10 أشخاص (وأحيانا 12). إذا كان العدد أقل من ستة أشخاص، فإن ذلك سيحد من إمكانات الحكمة الجماعية، بينما يتسبب العدد الكبير في صعوبة مشاركة الجميع. ولذلك هناك سؤالين تقنيين رئيسيين يجب الإجابة عليهما عند تصميم دراسات مجموعة التركيز. هذين السؤالين هما: (أ) هل ستتضمن المجموعة أناس متجانسين أو غير متجانسين؟ و(ب) كم سيكون هناك مجموعة؟

 

  • التكوين: على الرغم من أن العينات غير المتجانسة التي تتكون من أناس مختلفين يمكن أن تكون مفيدة نظريا في توفير البيانات المتنوعة والغنية التي تغطي جميع الزوايا، فقد وجد أن ديناميات مجموعة التركيز تعمل بشكل أفضل مع العينات المتجانسة. ولذلك، من أجل الحصول على مجموعة واسعة من المعلومات، فإن الاستراتيجية المعتادة هي أخذ العديد من المجموعات التي تختلف فيما بينها، ولكن كل منها يتكون من أُناس متشابهين. هذا عادة ما يشار إليها باسم التجزئة (segmentation)، وهي تنطوي على التجانس داخل المجموعة، والتباين بين المجموعات في العينة.

 

  • عدد مجموعات التركيز: الممارسة القياسية هي وجود عدة مجموعات تركيز في أي مشروع بحثي. يمكننا بهذه الطريقة تخفيف أي نتائج خاصة قد تظهر بسبب بعض العوامل الداخلية أو الخارجية غير المتوقعة التي تؤثر على ديناميات المجموعة. وبالتالي، من أجل تحقيق اتساع وعمق كاف للمعلومات، يكون من المستحسن عادة أن يشمل المشروع من 4 إلى 5 مجموعات كحد أدنى، مع إضافة مجموعات قليلة أخرى إذا أمكن.

 

إجراء مقابلات مجموعات التركيز

عادة ما يُشار إلى الشخص الذي يُجري مقابلات مجموعات التركيز باسم ‘المشرف’، وهذا الاسم الخاص يعكس حقيقة أن دور الباحث يختلف عن دوره في المقابلات الفردية. على الرغم من أنهم لا يزالون بحاجة لطرح الأسئلة، فإنهم أثناء جلسة المقابلة يحتاجون أكثر للعمل كميسرين للمناقشة وليس كأشخاص يجرون المقابلات بالمعنى التقليدي للكلمة. ولما أن ديناميكية مجموعات التركيز هي أحد الميزات الفريدة لهذه الطريقة، فإن دور الباحث سينطوي حتما على بعض وظائف القيادة الجماعية، بما فيها التأكد من أنّ لا أحد يسيطر على الموقف، حتى يمكننا التأكد من أن حتى أكثر المشاركين خجلا لديه فرصة في التعبير عن وجهة نظره. وبالإضافة إلى ذلك، يحتاج المشرفين لمنع أي رأي جماعي مهيمن أو مثبط (أو تفكير جماعي) من النشوء عن طريق تشجيع التفكير الناقد والنشط لأعضاء المجموعة (Dὅrnyei and Murphey, 2003). وبسبب هذه المسؤوليات المتعددة، فإن منهجيي البحث عادة ما يتفقون على أن مجموعة التركيز ستكون جيدة بقدر ما يكون مشرفها.

 

إذن، الإشراف على مجموعة التركيز قد يكون مهمة صعبة، لا سيما في ضوء حقيقة أن لقاء مجموعة التركيز يمكن أن يدوم لأكثر من ثلاث ساعات (على الرغم من أن الزمن المعتاد هو بين ساعة أو اثنتين). تبدأ العملية بالمرحلة التمهيدية، التي يرحب فيها المشرف بالمشاركين، ويحدد الغرض من المناقشة ومعالم المقابلة من حيث الطول والسرية. يجب على الباحثين في هذه المرحلة أيضا قضاء بعض الوقت في شرح لماذا يتم تسجيل المقابلة وأي نوع من القضايا الفنية قد تثيرها في المناقشة الجماعية (لا سيما الحديث في وقت واحد). وأخيرا، من المهم التأكيد على أن المناقشة حول وجهات النظر الشخصية، وبالتالي ليس هناك إجابات صحيحة أو خاطئة.

 

تتبع المناقشة الفعلية دليل المقابلة بتوسع، ولكن حتى الدليل شبه المهيكلة لا يحتوي عادة على أكثر من 5 إلى 10 أسئلة مفتوحة واسعة مرفقة ببضعة أسئلة مغلقة. فبعد كل شيء، قوة هذا النوع من المقابلات تكمن في النقاش الذي ينبثق عن موضوع واسع. يمكن للمشرف. يمكن لمشرف مقابلة مجموعة التركيز أن يوجه المناقشة باستخدام التحقيقات، كما أن لغة الجسد والإشارة تعتبر أجهزة فعالة للسيطرة على تدفق النقاش والمحافظة على تركيز المجموعة. كما يجب توخي الحذر أيضا للسماح بالتعبير عن الآراء الغير مرغوب فيها اجتماعيا لأن المشاركين في جلسة مجموعة تركيز قد يكونون مترددين أكثر في مشاركة الإجابات غير المفضلة مما يكون عليه الحال في المقابلات الفردية.

 

في المرحلة الختامية، يحتاج المشرف إلى التساؤل عما إذا كان هناك أي مشاكل أو مخاوف تتطلب مزيدا من المناقشة أو لم يتم معالجتها. ونظرا للطبيعة الجماعية لجلسة المقابلة، فإننا سنحتاج أيضا لمرحلة تلخيص قصيرة نهائية وبعض ردود الفعل الإيجابية بحيث لا يترك أي مشارك الجلسة وهو غير مقتنع بنفسه أو بالصورة الاجتماعية التي تبنّاها.

 

نقاط القوة والضعف في مقَابَلات مجموعات التركيز

كما ناقشنا أعلاه، مقَابَلات مجموعات التركيز لها استخدامات متعددة، ويمكن استخدامها في مجالات كثيرة تمتد من أبحاث السوق إلى استقصاء الآراء السياسيِة، كما تستخدم أيضا في المجال التربوي لتقييمِ البرامجِ ومدى فعالية مادة معينة لفهم الجوانب الجيدة وتلك التي لا تؤدي غرضها والسبب في ذلك. عادة لا يمانع الناس عادة في  المشاركة في مجموعات التركيز (وفي الحقيقة، فهم يميلون إلى إيجاد جلساتها ممتعِة ومحفزة)، كما أن المقابلات تسفر عن بيانات غنيةَ نموذجياً. هذه المميزات مقترنة بسرعة إكمالها جعل منها طريقةَ شعبيةَ.

 

بسبب ثراء المعلومات والطبيعة المرنة لهذه الطريقة فإنها غالبا ما تستخدم في طرق البحث المختلطة. على الرغم من أنها يمكن أن تُستخدم بمفردها كطريقة بحثية، فإن هذا ليس شائعا إلا في المجالات الثابتة فيها (كأبحاث السوق)، لأن الباحثين غالبا ما يشعرون أن لديهم تحكم أكثر في المحتوى وبإمكانهم استخلاص معاني شخصية متعمقة غير محررة في المقابلات الفردية. أما في علم اللغة التطبيقي فقد تم استخدام مقابلات جماعات التركيز كثيرا لتوليد الأفكار التي ترشد تطوير الاستبيانات والمقابلات المعمقة التي تليها.

 

عيب مقابلات مجموعات التركيز أنها تحتاج تجهيزا كثيرا نوعا ما لتهيئتها، كما أن إجرائها بشكل جيد يتطلب من مسيّرها القدرة على القيام بوظائف متعددة في وقت واحد. هناك أيضا حاجة للارتجال، لأن الأسئلة التي ستطرح وفقا لدليل المقابلة تعتبر قليلة نسبيا، وبسبب كثرة المحتوى الذي ينبثق عن المناقشة الجماعية المنسقة جيدا والمسهّلة بأسئلة التحقيق. يذكر سميثسون (Smithson, 2000) قيدين فيما يتعلق بمحتوى المادة المُستخلصة يتمثلان في نشوء بعض أنواع الآراء المرغوب فيها اجتماعيا، وسيطرة بعض أنواع المشاركين على عملية البحث. النقطة المهمة الأخيرة هي أن تدوين مثل هذه المقابلات قد يكون صعبا جدا بسبب كثرة عدد الأشخاص (أي الأصوات). لهذا السبب يجهز الباحثين أحيانا تسجيلا مرئيا للمقابلات (بالاضافة للتسجيل الصوتي) حتى يستطيعوا التعرف على من يتحدث في أي وقت.

 

 

طرق الاستبطان (Introspective methods)

حاول علماء النفس منذ بدايات البحث السيكولوجي (النفسي) في نهاية القرن التاسع عشر ايجاد الطرق للحصول على معلومات حول العمليات العقلية التي لا يمكن ملاحظتها مثل الأفكار، المشاعر، والدوافع. أحد المصادر الواضحة للمعلومات حول هذه العمليات هو الفرد نفسه، حيث يُشار عادة للطرق المختلفة لاستخلاص التأملات الشخصية من المشاركين باسم طرق الاستبطان. تشمل هذه الطرق سبل مختلفة تهدف لمساعدة المشاركين على التعبير عما يجري في عقولهم أثناء اصدار حكم معين، حل مشكلة، أو تأدية مهمة. تسمى البيانات المُنتجة بهذه المنهجية بالتقرير اللفظي أو البروتوكول اللفظي، ولذلك فإن طرق الاستبطان يُشار إليها أيضا بالتقرير اللفظي أو تحليل البروتوكول (protocol analysis).

 

يجب أن نلاحظ هنا أن هناك بعض التضارب في المصطلحات في هذا المجال، لأن “التأمل” يستخدم أحيانا كمصطلح أعلى يتضمن أي شكل من أشكال التقارير الشخصية مثل اليوميات، والمقابلات، وحتى

الدراسات الاستقصائية، وعندما يتم تطبيق هذا المصطلح بشكل موسع، فإن التقرير اللفظي يُنظر إليه كفرع فقط (انظر Gass and Mackey, 2000). ولكننا عندما نتحدث نموذجيا عن طرق الاستبطان، نحن نعني عادة تقنيتين محددتين، هما التفكير بصوت عال (think-aloud) و التقارير أو مقابلات الاستعادة (retrospective reports/interviews)، وتسمى الأخيرة أيضا بالتذكر المحفز (stimulated recall). يكمن الفرق الرئيسي بين هذين النوعين من التأمل في التوقيت، حيث يتم تطبيق تقنية التفكير بصوت عال في الوقت الحقيقي، في نفس الوقت الذي يتم فيه اختبار المهمة أو العملية، أما مقابلة الاستعادة، كما يوحي الاسم، فتحدث بعد الانتهاء من المهمة أو العملية.

 

كما يوضح غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000)، فإن الافتراض الكامن وراء التأمل هو أنه من الممكن ملاحظة العمليات الداخلية، أي ما يجري في وعي الشخص، بنفس الطريقة التي يمكن للمرء أن يلاحظ بها أحداث العالم الحقيقي الخارجية. بالطبع، فإن هذه ‘الملاحظة’ تتطلب التعاون النشط من الشخص الذي نقوم بدراسة عمليات تفكيره، وهذا يعني إذن أننا نفترض أيضا أن البشر لديهم إمكانية الوصول إلى عمليات تفكيرهم الداخلية بمستوى معين، وأن بإمكانهم التعبير عنها.

 

يلاحظ إريكسون (Ericsson, 2002، أنظر أيضا Ericsson and Simon, 1987 ) أن التأمل كان موجودا في الفكر الغربي لفترة طويلة، ولكنه ظهر كطريقة للبحث العلمي في نهاية القرن التاسع عشر عندما ظهر علم النفس لأول مرة كتخصص علمي. في الواقع، اعتمد علماء النفس الأوائل بشكل كبير على التحليل الذاتي للأفكار والذكريات ولكن سرعان ما فقدت الطريقة أفضليتها لأنها اعتبرت لا يمكن الاعتماد عليها وتفاعلية (أي أنها تتداخل مع عمليات التفكير الفعلية وليس مجرد الإبلاغ عنها فقط). ولكن بعدما حل علم النفس المعرفي تدريجيا محل هيمنة السلوكية في الستينات من القرن العشرين، بدأ استخدام التقارير اللفظية مرة أخرى في البحث العلمي، وخاصة تقنية التفكير بصوت عال، حيث تم صقل وتطوير هذه المنهجية بشكل منتظم.

 

ونظرا لأهمية مختلف العمليات العقلية في انتاج اللغة، فقد اُعتبرت طرق الاستبطان ذات أهمية كبيرة في علم اللغة التطبيقي لعدة عقود (انظر Frǽrch and Kasper, I987). يشير كورموس (Kormos, 1998) إلى أن هذه الطريقة مهمة جدا في مجال بحوث اللغة الثانية لأنها يمكن أن تساعدنا على كشف العمليات الإدراكية والعمليات اللغوية النفسية التي تمكن وراء الأداء اللغوي. لأن طرق الاستبطان يمكن استخدامها لدعم وتكملة أي طريقة أبحاث أخرى تقريبا، فأنني أعتقد أن هناك مجالا كبيرا لزيادة تطبيقها في أبحاث علم اللغة التطبيقي.

 

 

طريقة التفكير بصوت عال (Think-aloud technique)

يقول إريكسون (Ericsson, 2002) الذي يعتبر أحد المدافعين الرئيسيين عن طرق الاستبطان في علم النفس، أن أوثق صلة بين عمليات التفكير والتقارير اللفظية يمكن رؤيتها عندما يُطلب من المشاركين التعبير عن أفكارهم الجارية أثناء تركيزهم على تمرين أو مهمة ما. وقد أصبحت هذه الطريقة تُعرف باسم “التفكير بصوت عال”، لأنها تنطوي على النطق المتزامن بالكلام الداخلي للشخص بدون تقديم أي تحليل أو تفسير. بالتالي فإن ما يُطلب من المشاركين هو التلفظ بالأفكار التي تشغل اهتمامهم بينما لا تزال في ذاكرة المشارك قصيرة المدى. وبهذه الطريقة، فإن الإجراء لا يغير من تسلسل الافكار التي تتوسط إكمال تمرين أو مهمة معينة، ووفقا لإريكسون، فإنها بالتالي يمكن أن تُقبل كبيانات صالحة حول التفكير.

 

يتم تسجيل البروتوكول اللفظي الناتج وبعدها يتم تحليله. من الواضح أن توفير تعليق التفكير بصوت عال ليس عملية طبيعية، وبالتالي فهي تحتاج إلى إعطاء المشاركين تعليمات دقيقة وبعض التدريب قبل التوقع منهم أن يقدروا على انتاج بيانات مفيدة. يجب اخبار المشاركين أن يركزوا على أداء مهمتهم وليس التركيز على التفكير بصوت عال، كما يجب تذكيرهم بالاستمرار في التكلم أثناء قيامهم بنشاط ما (على سبيل المثال، ما الذي جعلك تفعل ذلك؟ أو ما الذي تفكر به الآن؟). أما من حيث التدريب، فإن الباحث بحاجة أولا لتمثيل الإجراءات بمهمة أو نشاط مماثل (أو عرض شريط فيديو بوضح السلوك المطلوب) وبعد ذلك يتم إعطاء المشاركين مهام تجريبية للإحماء حتى يفهموا مغزى التقارير بدون شرح أو تبرير (انظر Cohen, 1998). يبين غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000) أنه لا تزال هناك مشكلة لم تحل بعد تتعلق بكيفية تأثير هذا النوع من التدريب على صلاحية التقرير اللفظي، لأن العبارات اللفظية قد تتأثر بالمدخلات السابقة، أي المتغيرات الدخيلة (confounding variables).

 

 

مقابلة الاستعادة أو التذكر المُحفّز

يقوم المشاركين عند استعادة الأحداث الماضية بالتعبير عن أفكارهم بعد أدائهم لمهمة أو عملية ذهنية. في مثل هذه الحالات، يجب تذكر المعلومات ذات العلاقة من في الذاكرة طويلة المدى، وبالتالي فإن صلاحية بروتوكولات الأثر الرجعي تعتمد على الفاصل الزمني بين وقوع الفكرة وتقريرها اللفظي. ويخلص إريكسون (Ericsson, 2002) أن المهام التي تكون فيها الاستجابة بعد وقت قصير نسبيا (أقل من 5 – 10 ثوان)، يكون المشاركين قادرين على التذكر بدقة، أما عند استدعاء العمليات المعرفية التي تمر عليها مدة أطول، فإن التذكر الدقيق للأفكار السابقة يزداد صعوبة . على الرغم من ماكي وغاس (Mackey and Gass, 2005) يشيرون إلى بعض دراسات التذكر الفوري في بحوث علم اللغة التطبيقي، فهم يوضحون أن هذا النوع من استعادة الأحداث الماضية يصعب تنفيذه في مجالات مثل بحوث التفاعل اللغوي. بدلا من ذلك، نجدهم يوصون بنوع آخر من الاستعادة الذي غالبا ما يشار إليه باسم التذكر المحفز أو مقابلة الاستعادة.

 

يحدث التذكر المحفز بعد وقوع عمليات التفكير المستهدفة ببعض الوقت. ومن أجل مساعدة المشاركين لتذكر أفكارهم المتعلقة بالموضوع، يتم استخدام مثير أو حافز (stimulus) معين  كدعم للتذكر (ومن هنا جاء مصطلح ‘التذكر المحفز’)، مثل مشاهدة أداء المشارك في المهمة على الفيديو، أو الاستماع إلى تسجيل لما قاله الشخص، أو إعطاء الشخص عمل مكتوب قام بانتاجه. وهكذا، فإن الفكرة الأساسية هي أن نوعا من التذكير الملموس (بصري أو سمعي) لحدث ما سيحفز التذكر إلى درجة تمكن المشاركين من الاستعادة للأحداث، وبعدئذ يعبرون عما كان يدور في عقولهم أثناء الحدث (Gass and Mackey, 2000).

 

بينما ستعاني جودة التذكر حتما من مرور الوقت بغض النظر عن طبيعة مثير التذكير، يسلط إريكسون (Ericsson, 2002) الضوء أيضا على ميزة لهذه الطريقة، حيث يبين أنها الأقل تفاعلا من جميع طرق الاستبطان، لأن عمليات التفكير المستهدفة لا تتأثر بهذا الإجراء بأي شكل من الأشكال، لا سيما إذا لم نخبر المشاركين أثناء أداء المهمة أننا سنطلب منهم تقديم تعليق بعد ذلك.

 

ولكن كيف يمكننا تحسين نوعية بيانات استعادة الأحداث؟ بناء على غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000)، ماكي وغاس (Mackey and Gass, 2005)، والدراسات الموجودة في فارش وكاسبر (Fǽrch and Kasper, 1987)، بالاضافة لتجربتي الخاصة، فيمكننا أن نقدم التوصيات التالية:

 

  • يجب أن نحاول إبقاء الفترة الفاصلة بين المهمة ومقابلة الاستعادة قصيرة قدر الإمكان. غالبا ما يحتاج الباحث أولا (على سبيل المثال، في مجال بحوث استراتيجيات التعلم) إلى تدوين وتحليل كلام المشارك لجعل جلسة التذكر لها معنى حقا، لأن مثل هذه الارتباط الشامل مع النص هو الذي يمكنه فقط أن يكشف بعض المسائل الدقيقة التي تحتاج إلى توضيح. ولكن، حتى في مثل هذه الحالات يجب أن لا تتجاوز الفترة الزمنية الفاصلة مدة يومين (ويفضل أن تكون أقل من 24 ساعة).

 

  • كلما كانت المعلومات السياقية والمحفز حول الحدث الهدف غنية، كان ذلك أفضل. لذلك، فإن الاستماع إلى تسجيل أفضل من مجرد النظر إلى نص، ومشاهدة تسجيل الفيديو أفضل من الاستماع إلى تسجيل صوتي.

 

  • يجب أن نشجع فقط تذكر المعلومات التي يمكن استرجاعها مباشرة (على سبيل المثال، ‘بماذا كنت تفكر؟’) وليس التفسيرات أو التأويلات.

 

  • يجب أن لا يتم إبلاغ المشاركين عن مقابلة الاسترجاع اللاحقة (أو التفاصيل الدقيقة لما ستتضمنه) قبل الانتهاء من المهمة بحيث لا يؤثر العلم المسبق بها على أدائها.

 

  • يبين غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000) أن التذكر المحفز لا يتطلب تدريبا مكثفا للمشارك لأن بعض التعليمات البسيطة ونموذج مباشر تكون كافية في كثير من الأحيان. يجب أن يكون الباحث حريصا على عدم إعطاء المشاركين أي تلميح غير ضروري عن أي جانب من جوانب الدراسة، لأن ذلك قد يؤثر على ردودهم.

 

  • علينا أن نحاول خلال مقابلة الاستعادة إشراك المشاركين قدر الإمكان في التطوع بالبيانات (على سبيل المثال، نطلب منهم وقف جهاز التسجيل عندما يتذكرون شيئا قد يكون مفيدا)، وحتى عندما نسلط الضوء على أجزاء للتعليق عليها (على سبيل المثال، من خلال وقف الاستماع لشريط التسجيل في النقاط المهمة)، ينبغي علينا أن نتجنب الاسئلة الاستدراجية أو أي تدخل آخر للباحث.

 

  • ينبغي أن تكون مقابلة الاستعادة بلغة المشارك الأم إذا كان ذلك ممكنا (أو باللغة التي يختارها المشارك).

 

  • يجب على الباحث تجريب إجراء استعادة الأحداث كله. يوفر غاس وماكي (Gass and Mackey, 2000) عينة بروتوكولات كاملة لإجراءات التذكر المحفز في بيئة التفاعل الشفوي.

 

 

تحليل بيانات الاستبطان

لأن تقارير الاستبطان تأتي “مباشرة من فم المشارك”، فذلك لا يعني أنها ينبغي أن تؤخذ كوحي نهائي حول عمليات التفكير. بدلا من ذلك، كما يؤكد كاسبر (Kasper, 1998)، فهي تمثل معلومات حول ما يجري في عقل شخص ما عند معالجته لمهمة أو قضية، لأن العمليات المعرفية الكامنة تحتاج إلى الاستدلال من هذه التقارير اللفظية كما هو الحال مع أنواع البيانات الأخرى. وبعبارة أخرى، يجب أن ينظر إلى التقارير الشفهية فقط كأحد المصادر القيّمة من البيانات التي تحتاج إلى أن تخضع لتحليل البيانات النوعية مثلها مثل باقي أنواع البيانات النوعية الأخرى. يجادل سوين (Swain, 2006) أيضا بأن البروتوكولات اللفظية لا تبلغنا عن العمليات المعرفية فحسب، ولكنها لديها القدرة على التأثير على الإدراك أيضا. فعلى الرغم من إشراك المشاركين المكثف المطلوب في معظم التقنيات النوعية، فإن طرق الاستبطان ليست فريدة ويمكن أن تنطوي على تهديد التفاعل بين بيانات المشارك ومعالم التصميم عموما (على سبيل المثال، تأثير الباحث، تأثير الخبرة، أو تكيّف المشاركين). يحتاج الباحث إلى  أن يأخذ بعين الاعتبار أن بيانات التذكر حساسة جدا لذلك، لأن التعبير عن الأفكار يمكن أن يتوسط التطور بسهولة. وهذا يضيف عبئا أكثر إلى حقيقة أننا بحاجة إلى توخي الحذر عند تفسير بيانات الاستبطان.

 

 

نقاط القوة والضعف في طرق الاستنباط

الميزة الرئيسية لاستخدام طرق الاستنباط واضحة وهي احتمال امكانية وصول الباحث من خلال استخدامها إلى العمليات العقلية التي تعتبر أساسية، على سبيل المثال، لمعالجة وإنتاج اللغة والتي لا يمكن الوصول إليها بأي وسيلة أخرى. التقارير الشفهية متعددة الأغراض أيضا لأنها يمكن أن تستخدم في مجموعة متنوعة من المجالات. يمكن لمقابلات الاستعادة الاستفادة من محفزات متنوعة تمتد من تسجيلات الفيديو إلى النصوص المكتوبة وحتى اجابات الاختبارات أو ردود الاستبيانات. يمكن دمج التذكر مع معظم الأساليب البحثية الأخرى، وأنه “وجد عموما أنه يعزز كثيرا ثراء البيانات التي تم الحصول عليها، كما يمكنه أيضا أن يزيد إلى حد كبير من موثوقية تحليل البيانات (Kormos, 1998). على الرغم من التشكيك في موثوقية وصلاحية مقاييس الاستنباط في علم النفس، يبدو أن دراسات الاستنباط التي يتم تصميمها وإجرائها بشكل صحيح تلبي متطلبات البحث العلمي (انظر Cohen, I998; Ericsson, 2002; Gass and Mackey, 2000). وكما يخلص إريكسون، فإن الأسئلة النظرية والمنهجية التي أثيرت حول التقارير الشفهية لم تشكك أبدا في قدرة الناس على تذكر جزء من تسلسل أفكارهم، وأن جميع الأطر النظرية الرئيسية المعنية بالتفكير توصي باستخدام تسلسل الأفكار المبلّغ عنها شفهيا.

 

على الجانب السلبي، كما يلخص كوهين (Cohen, 1998) فإن نقاد طرق الاستنباط لاحظوا أن الكثير من العمليات المعرفية لا يمكن الوصول إليها لأنه تكمن في اللاوعي، ويمكن الجدل أنه حتى بعض عمليات الوعي قد تكون معقدة جدا بحيث لا يمكن الوصول إليها بالبروتوكولات اللفظية. وعلاوة على ذلك، فإن التقارير الشفهية ليست بمنأى عن تحيز الرغبة الاجتماعي، وهناك خطر من أن المعرفة الخلفية أو ‘علم النفس الشعبي’ للمشارك قد يلوث البيانات. وبالإضافة إلى ذلك، يوجد في دراسات التذكر المحفز فقدان للمعلومات لا مفر منه نظرا للفاصل الزمني بين المهمة ومقابلة الاستعادة.

 

احد أكثر المخاوف الجدية حول بيانات الاستنباط هو الآثار التفاعلية لانتاج التقارير اللفظية. يمكن أن يتداخل الإجراء مع إنجاز المهام وعمليات الفكر. ففي دراسة أجريت على تفاعل التفكير بصوت عال في الكتابة، وجد الباحثون (Stratman and Hamp-Lyons, 1994) بعض الدلائل (ولكنها ليست قاطعة) على تأثير بروتوكولات التفكير بصوت عال على تصحيح الأخطاء على المستوى التنظيمي، فضلا عن كمية ونوع تغييرات المعنى البنائية الصغرى. هذا بالإضافة إلى قلق سوين (Swain, 2006) من أن التقارير اللفظية ليست مخزونات دماغ محايدة، ولكنها عمليات استيعاب وإعادة تشكيل للخبرة.

 

 

دراسات الحالة

دراسة الحالة كما يوحي المصطلح، هي دراسة “خصوصية وتعقيد حالة واحدة” ( Stake I995: xi). لكن ماذا نقصد بحالة؟ الحالات هي في المقام الأول أُناس، ولكن يمكن للباحثين أيضا استكشاف برنامج ما بتعمق، أو مؤسسة، أو منظمة، أو مجتمع. في الواقع، يمكن لأي شيء تقريبا أن يمثل حالة طالما أنها تشكل كيان واحد بحدود واضحة المعالم. أحيانا تصف الدراسات البحثية سلسلة من حالات متعددة، وهذا أمر مقبول طالما تعتبر كل حالة منفردة هدف لدراسة منفصلة. على سبيل المثال، يمكن أن تصف دراسة حالة التعليم ثنائي اللغة في بلد ما بوجود ثلاثة مستويات على الأقل، حيث يتضمن المستوى الأول حالة واحدة، وهو البلد نفسه. وفي المستوى الثاني يقوم الباحث بدراسة ثلاث حالات متمثلة في عينة من ثلاث مدارس، أما في المستوى الثالث فيمكنه أن يشمل عدد من الحالات تتمثل في المعلمين المشاركين.

 

كيف يتم دراسة الحالات المختارة؟ يجمع باحثين دراسة الحالة عادة بين مجموعة متنوعة من طرق جمع البيانات مثل المقابلات والملاحظة وأرشيفات الوثائق. على الرغم من أن دراسات الحالة عادة ما يتم مناقشتها تحت عنوان البحث النوعي (لأن حالة واحدة لا يمكن أن تكون ممثلة لمجتمع)، إلا أن دراسات الحالة الفعلية غالبا ما تتضمن أدوات جمع البيانات الكمية أيضا مثل الاستبيانات (Verschuren, 2003). وهكذا، فإن دراسة الحالة ليست تقنية محددة بل طريقة لجمع وتنظيم البيانات من أجل تحقيق أقصى قدر من الفهم لشخصية وحدة الوجود الاجتماعي أو الكائن الذي يتم دراسته. ومن نواح كثيرة، تعتبر دراسة الحالة أفضل طريقة نوعية تركز على الفرد بعينه.

 

الملامح الرئيسية لدراسة الحالة

يميز ستيك (Stake, 1995, 2005) يميز ثلاثة أنواع من دراسة الحالة:

 

(أ) دراسة الحالة النموذجية التي يتم إجرائها لفهم الطبيعة المثيرة لحالة معينة. وهذا يعني أن الحالة مهمة ليس لأنها توضح شيئا ما أو تمثل حالات أخرى، ولكن نظرا لقيمتها الخاصة أو خصوصيتها.

 

(ب) دراسة الحالة المساعدة التي يقصد منها توفير نظرة ثاقبة حول قضية أوسع، أما الحالة نفسها فهي ذات اهمية ثانوية، وهي فقط لتسهيل فهمنا لشيء آخر.

 

(ج) دراسة الحالة المتعددة أو الجماعية التي لا يكون فيها اهتماما بحالة واحدة بعينها، حيث يتم دراسة عدد من الحالات معا من أجل التحقيق في ظاهرة أو حالة عامة. وبالتالي، فإن دراسة الحالة المتعددة، هي في الواقع دراسة حالة مساعدة موسعة للعديد من الحالات. وكما تصف داف (Duff, 2006) أحد كبار باحثين دراسة الحالة في علم اللغة التطبيقي، فإن معظم طلابها يجرون دراسات الحالة على 4 – 6 مشاركين رئيسيين في موقع واحد أو أكثر. يمكن اعتبار هذا الشكل من دراسة الحالة المتعددة نموذجيا توعا ما. وتوضح داف أن اختيار ست حالات يعني في البداية أنه حتى إذا كان هناك إنقطاع بين المشاركين (وعادة ما يكون موجود)، فمن المرجح أن تبقى من 3 إلى 4 حالات.

 

بسبب المعلومات المفصلة التي نود جمعها حول الحالة، فإن الباحثون عادة ما يقضون فترة زمنية طويلة في دراسة الحالة في محيطها الطبيعي. لذلك، فإن دراسات الحالة غالبا ما تكون طولية في طبيعتها على الأقل جزئيا. يمكن خلال هذه الفترة استخدام أي نوع من طرق البحث التي يمكن أن تسفر عن بيانات محددة عن الحالة. إذا كانت الحالة ليست فردا، ولكنها مؤسسة مثلا، فإن هذا قد يؤدي إلى كم هائل من البيانات، ولكي نبقى على علم بكل التفاصيل، فقد يكون من المفيد أن يكون هناك خطة لجمع البيانات تُعرف الحالة، وأسئلة البحث، ومصادر البيانات، وتخصيص الوقت.

 

قضية التعميم

التحفظ الرئيسي حول دراسات الحالة، وخاصة إذا كانت تخص أفراد وليس كيانات اجتماعية، هو تعميمها. كيف يمكن لمعرفة قادمة من مصدر واحد منفرد أن تكون ذات أهمية أوسع؟ كما رأينا أعلاه فإن البحث النوعي لا يهتم بشكل واضح بالتعميم ما دام الباحث يعتقد أن المعنى الفردي تم الحصول عليه من عينة متسمة بالبصيرة وتنويرية. ومع ذلك، هناك فرق نفسي كبير بين الثقة في دراسة نوعية صغيرة الحجم (بغض النظر عن حجم العينة) ودراسة حالة منفردة. ونتيجة لذلك، فإن هذه المسألة هي موضوع نقاش ساخن في الأدبيات وتتطلب المزيد من الانتباه هنا أيضا.

 

كما رأينا أعلاه، في دراسات الحالة الجوهرية فإن الحالة تمثل ميزة فريدة لم تفهم بعد، مما قد يفسر ليس للباحث فقط ولكن لجمهور الأبحاث أيضا أهمية الحالة لفهمنا العام لمجال أوسع. على سبيل المثال، سيشكك القليل من الناس في فائدة دراسة حالة لفرد له قدرات لغوية خاصة جدا ولكن مهاراته العقلية أقل من المتوسط، ​​ أو أن دراسة حالة لمتعلم لغة موهوب ستكون مجدية وأنهما مطلوبتين على نطاق واسع في علم اللغة التطبيقي. دراسات الحالة المتعددة هي أيضا لها صلاحية مرضية بسبب إمكانية المقارنة التي تتميز بها. القضية الحقيقية، إذن، هي ما سماه ستيك (Stake, 1995, 2005) دراسة الحالة المساعدة التي نقوم فيها بدراسة حالة للحصول على نظرة ثاقبة حول مسألة أعم. هناك نقطتين يجب فهمهما هنا:

 

  • التعميم التحليلي: تشير داف إلى أنه بالرغم من أن مفهوم التعميم يقصد به عادة التعميم على المجتمعات، فإنه يمكن أيضا أن يشير إلى التعميم على النماذج النظرية، مما يؤدي إلى التعميم التحليلي. يندرج الكثير من الدراسات المبكرة في علم اللغة التطبيقي (انظر القسم التالي) تحت فئة دراسات الحالة المساعدة، وهي تمثل هذا النهج بشكل جيد لأنها أدت إلى صياغة العديد من المبادئ والنماذج النظرية التي لا تزال تعتبر ذات أهمية اليوم.

 

  • أخذ العينات الهادفة: عند إجراء دراسات الحالة المساعدة تعتبر القضية الرئيسية الكامنة وراء الأهمية الأوسع للبحث هي استراتيجية أخذ العينات التي تؤدي إلى اختيار حالة معينة. في الواقع، إن اختيار الحالات وأخذ العينات هي من بين أكثر الاعتبارات أهمية في مجال بحوث دراسة الحالة. وقد عرضنا أعلاه مختلف استراتيجيات أخذ العينات النوعية التي تندرج تحت الفئة الأوسع من أخذ العينات الهادفة؛ التي إذا ما أجريت بشكل جيد، فإن العديد من هذه الاستراتيجيات ستقود إلى اختيار حالات يمكن أن يكون لها الكثير لتقدمه لمجتمع البحوث الأوسع، وخاصة من حيث التصورات والمقترحات الأصلية. وهذا ينطبق بشكل خاص، كما يؤكد بنش (Punch, 2005) في المجالات التي تعتبر معرفتنا فيها ضحلة، متجزأة، غير مكتملة، أو غير موجودة.

 

وهكذا، فإن دراسات الحالة التي تتبع أخذ العينات الهادفة مع التعميم التحليلي يمكن أن تقدم نتائج صالحة مثل أي طريقة أبحاث أخرى. من ناحية أخرى، يؤكد بنش (2005) أيضا أن القيمة المحتملة لدراسات الحالة المتعمقة لا يعني أننا يجب أن لا نكون منتقدين لبعض الدراسات المستقلة التي تعتبر وصفية للغاية أو التي تم دمجها بدون كفاءة في الدراسة الأوسع للموضوع، أو التي تدعي من نتائجها أكثر مما يمكن أن تحتويه أو تتحمله البيانات.

 

 

دراسات الحالة في بحوث علم اللغة التطبيقي

تقدم المراجعات الأخيرة لدراسات الحالة (van Lier, 2005) أدلة مقنعة على أن نهج دراسة الحالة كان مثمرا ومؤثرا للغاية في علم اللغة التطبيقي. في الواقع، كما يشير فان لير فإن التخصص كله استند على نتائج الموجة الأولى من دراسات الحالة من متعلمي اللغة في السبعينات والثمانينات التي قام بها باحثين مثل هاتش، شميت، شومان، و ونغ-فيلمور (Hatch, Schmidt, Schumann, and Wong-Fillmore). لا زال يستشهد بهذه الدراسات على نطاق واسع في الأدبيات لأنها ساعدت على تشكيل تفكيرنا الجماعي بطرق ملموسة.

 

لم تفقد دراسات الحالة أهميتها بعد أن تم وضع أسسها ودخلت بحوث علم اللغة التطبيقي في مرحلة جديدة من صقل الملاحظات العامة التي قدمها علماء الجيل الأول. وكما وضحنا أعلاه، فإن البحث النوعي قادر بشكل فريد على توثيق وتحليل التأثيرات السياقية الواقعة على اكتساب اللغة واستخدامها، فضلا عن الاختلافات الطفيفة في هويات المتعلم والمعلم  التي تظهر أثناء عملية تعلم وتعليم اللغة. تبنى باحثين دراسة الحالة (على سبيل المثال، Duff, Han, Lam, McKay, Norton, Sarangi, Toohey and colleagues) مجموعة واسعة من المواضيع ذات الصلة، من العرق والجنس إلى عضوية المجتمع والوضع الاجتماعي، وذلك من خلال الاستفادة من الطبيعة الطولية لمنهجية دراسة الحالة ونجحوا في خلق فهم جديد للكيفية التي يختبر وينظر بها  المشاركين إلى اكتساب اللغة الثانية، والأثار التي تركتها نشاطاتهم على تطور لغتهم الخاصة. يشير فان لير (Van Lier, 2005) إلى أن المجال الذي يعتبر حاليا في أمس الحاجة لبحوث دراسة الحالة هو دور التكنولوجيا في اكتساب اللغة الثانية، على سبيل المثال، تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب.

 

لتوضيح أنواع بحوث دراسة الحالة، سنقوم بسرد بعض المشاركين النموذجيين لهذه الدراسات: الأطفال وصغار السن في المنازل والمدارس أحادية وثنائية اللغة، طلاب الأقليات والمراهقين والكبار من المهاجرين، الطلاب الدارسين في الخارج، والبالغين الذين يتعلمون لغة إضافية أو يفقدون لغة قائمة، والمتعلمين الاستثنائيين…الخ. أما المجالات التي تمت معالجتها شملت المواضيع التالية البارزة (Dὅrnyei, 2007:154-155) تغطي اكتساب الطفل للغة ، ثنائية اللغة، العائلات ثنائية اللغة، الازدواجية الثقافية ، فقدان اللغة، ترتيب التطور، الهوية، الاستثمار، الجنس، وقوف تعلم اللغة عند حد معين، عملية التنشئة، اجتماعية اللغة، ومجتمعات الخطاب عبر الحاسوب، ونشاط المعلمين، الخ. وهكذا، فمن الواضح أن منهجية دراسة الحالة كانت مناسبة للاستخدام في سياقات وموضوعات متنوعة منذ نشوء حقل علم اللغة التطبيقي إلى اهتمامات البحث الحالية.

 

 

 

نقاط القوة والضعف في دراسات الحالة

دراسة الحالة هي طريقة ممتازة للحصول على وصف مكثف لقضية اجتماعية معقدة داخل سياق ثقافي. إنها تقدم أفكارا غنية وعميقة لا يمكن لأي طريقة أخرى أن توفرها، مما يسمح للباحثين بدراسة كيف يمكن لمجموعة معقدة من الظروف أن تتجمع وتتفاعل لتشكيل العالم الاجتماعي من حولنا. عند إجرائها بشكل جيد، فإن دراسات الحالة تُظهر درجة عالية من الكمال، وعمق التحليل وسهولة القراءة، كما أنها فعالة في توليد الفرضيات الجديدة، والنماذج، وفهم الظواهر الهدف. وبالتالي، فهي طريقة يُنصح بها لاستكشاف المناطق المجهولة أو لفهم إشكاليات بحث معينة، بل ويمكنها أن توفر فهم ليس له مثيل للعمليات الطولية. وكما يُلخص فان لير (van Lier, 2005: 195)، فقد “أصبحت بحوث دراسة الحالة طريقة رئيسية لبحث التغيرات في الظواهر المعقدة مع مرور الوقت. العديد من العمليات التي تم البحث فيها في دراسات الحالة لا يمكن بحثها بشكل كاف بأي من الطرق البحثية المعروفة الأخرى”.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فالجدير بالملاحظة بشكل خاص من وجهة نظر هذا الكتاب، فإن دراسة الحالة مناسبة بشكل مثالي لدمجها مع طرق البحث الأخرى (دراسة مسحية مثلا) في دراسات البحوث المختلطة. في الواقع، لقد استخدمت دراسات الحالة بشكل متزايد في دراسات الطرق المختلطة مثل تقييم البرامج.

 

وفيما يتعلق بنقاط ضعفها، فإن منهجية دراسة الحالة غالبا ما يتم مقارنتها سلبيا مع الطرق التجريبية الكبيرة، حيث تكون نقاط القوة في أحدهما نقاط ضعف في الأخرى. هذا المقارنة غير مناسبة وغير عادلة لأن كلا المنهجيتين تُستخدم لتحقيق أهداف مختلفة. ومع ذلك، وجود حالة واحدة له بعض القيود، ولأن دراسة حالة هي النموذج الأولي للبحث النوعي، فإن العديد من أوجه القصور المحتملة للنهج النوعي المذكورة يمكن سردها هنا. لذلك بسبب التجريح الكبير لهذه الطريقة من حيث عدم القدرة على التنبؤ وانتقاد الجمهور، فننصح في معظم الحالات باستخدام (أ) تصاميم الحالات المتعددة أو (ب) دراسات الحالة مصحوبة بطرق أخرى.

 

 

دراسات اليوميات (Diary studies)

لقد استخدمت اليوميات منذ مئات السنين لتسجيل أحداث حياة الناس اليومية، ولكن دراسة المذكرات كطريقة لجمع البيانات اُستخدمها الباحثين الاجتماعيين منذ سبعينيات القرن الماضي فقط. تم توظيف طرق المذكرات اليومية أولا في مجال علم النفس لدراسة العواطف والمزاجية في تجارب المواقف المختلفة اليومية، كما أنها استخدمت أيضا في علم النفس الأسري للحصول على بيانات حول الجوانب الحميمة لحياة الأزواج (Laurenceau and Bolger, 2005). وبشكل عام، فإن اليوميات توفر الفرصة لدراسة العمليات الاجتماعية والنفسية والفسيولوجية في مواقف الحياة اليومية، و كما يُلخص بولجر وآخرون (Bolger et al., 2003)، فإن الطلب من المشاركين في البحث الاحتفاظ بسجلات منتظمة حول جوانب معينة من حياتهم اليومية يسمح للباحث بالحصول على تفاصيل التجربة بطريقة ليست ممكنة باستخدام الطرق الأخرى.

 

ومن المهم أن نلاحظ في هذه المرحلة أن مصطلح “دراسات اليوميات” يشير عادة إلى البيانات التي تم الحصول عليها من اليوميات التي تُطلب فقط، أي من المذكرات التي يتم كتابتها خصيصا بناء على طلب الباحث، من قبل المخبر أو المخبرين (Bell, 1999). وبالطبع، قد تحتوي المذكرات الشخصية أيضا على بيانات ملائمة لبعض أغراض البحث، ولكن استخدام هذه البيانات يثير أسئلة تتعلق بأخلاقيات وصلاحية البحث، وعلى أي حال، فإن العثور على مثل هذه اليوميات العفوية عادة ما يكون غير عملي بالنسبة لمعظم الدراسات البحثية. توفر اليوميات بالطلب إمكانية الحصول على جوانب السيرة الذاتية من اليوميات الخاصة بطريقة أكثر منهجية ومتحكم بها، وبالتالي فهي تسمح “للناس بأن يُسمعوا حسب تعبيرهم” (Bell, 1999: 266).

 

لقد استخدمت اليوميات في علم اللغة التطبيقي منذ بداية الثمانينات للحصول على أوصاف شخصية لتجربة تعلم اللغة سواء من قبل المتعلمين أنفسهم أو الآباء الذين يوثقون تطور اللغة الثانية لأطفالهم (أساسا ثنائيي اللغة). كما استخدمت دراسات المذكرات أيضا في برامج إعداد المعلمين. (انظر على سبيل المثال، Bailey I990; McDonough. and McDonough I997: Chapter 8).

 

 

تسجيل مدخلات اليوميات

غالبا ما تصنف دراسات اليوميات إلى ثلاث فئات وفقا للزمن الذي تُسجل فيه المفكرات: تصميم الفاصل، تصميم الإشارة، وتصميم الأحداث (Bolger et al., 2003). يتطلب تصميم الفاصل الزمني أن يُقدم المشاركين تقريرا عن تجاربهم في فترات منتظمة محددة مسبقا (على سبيل المثال، بعد ظهر كل يوم في الرابعة مساءا). أما تصميم الإشارة فيعتمد على نوع من الإشارة مثل متصفح، ساعة يد مبرمجة أو مكالمة هاتفية لمطالبة المشاركين بتقديم تقارير يومية. وكثيرا ما يستخدم هذا التصميم عند دراسة التجارب الآنية للناس مثل الحالات النفسية (على سبيل المثال، السعادة أو التوتر). يتطلب تصميم دراسات الأحدث من المشاركين أن يقدموا تقرير شخصي في كل مرة تقع فيها حادثة معينة (مثل الالتقاء بمتحدث لغة ثانية).

النهج الأكثر شيوعا في دراسات اليوميات هو إعطاء المشاركين ورقة وقلم لتسجيل اليوميات التقليدية. يمكن للمدخلات أن تنطوي على ملء استبيان قصير أو تعبئة وصف لفظي قصير. الأول هو، في الواقع، على دراسة كمية بمقاييس متكررة عبر الاستبيانات ولن يتم مناقشتها هنا. على مدى العقد الماضي، تم استبدال يوميات الورقة والقلم تدريجيا بطرق متنوعة من أشكال جمع البيانات الإلكترونية، وذلك باستخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة المزودة ببرامج خاصة. (للحصول على مقدمة تقنية مفصلة تتضمن أيضا وصفا للبرمجيات، انظر Bolger et al., 2003). تسمح هذه التقنيات بإشارات محددة، كما إنها توفر طوابع زمنية وتاريخية للردود.

 

 

نقاط القوة لدراسات اليوميات

تقدم اليوميات مجموعة من عشر ميزات خاصة يصعب أو يستحيل تكرارها باستخدام طرق جمع البيانات الأخرى، ويتمثل أهمها فيما يلي:

 

 

  • تسمح اليوميات للباحث بالدخول لمناطق من حياة الناس الخاصة طريقة غير مزعجة، والتي ربما لا يمكن الوصول إليها بطرق أخرى (Gibson, 1995). لقد رأينا أعلاه أن البحث النوعي يتضمن دراسة الناس في بيئتهم الطبيعية، وبأقل قدر من التطفل تستطيع دراسات اليوميات تلبية هذا المطلب إلى حد كبير.

 

  • إن أحد عناصر التحقيق النوعي هو محاولة استخلاص أوصاف وتفسيرات أحداث وسلوكيات المشاركين الخاصة، ولذلك فإن المشاركين في دراسات اليوميات يصبحون باحثين مساعدين، لأنهم يسجلون مشاعرهم الخاصة، وأفكارهم، أو أنشطتهم. بالتالي فإن بيانات اليوميات هي وصف داخلي بكل معنى الكلمة.

 

  • تمكن طرق اليوميات الباحث من دراسة التطور أو التذبذب المرتبط بالزمن في الأفراد من خلال جمع البيانات في العديد من المناسبات من نفس الأفراد. وهكذا، فإن دراسات اليوميات تعتبر مناسبة للنظر في التغير الزمني في العمليات الدينامية التي تبحث على سبيل المثال في كيفية يتغير أو يستجيب الناس لمثيرات معينة. تعتبر دراسات اليوميات حساسة لمثل هذه المسائل أكثر من العديد من التصاميم الطولية الأخرى لأنها تنطوي عادة على تسجيل للبيانات بتواتر أكثر يمكنه التقاط التغيرات بدقة أكثر.

 

  • يمكن لدراسات اليوميات توفير المعلومات الأساسية المستمرة التي يمكن أن تساعد في حل الغموضالمتعلق باتجاه السببية بين المتغيرات. وفي علم اللغة التطبيقي، يذكر شميت وفروتا (Schmidt and Frota, 1986) أن اليوميات ساعدتهم مثلا على تأكيد وجود بعض الترتيبات المتعلقة باكتساب اللغة.

 

  • توفر دراسات اليوميات صيغة التقرير الشخصي الذي يقلل من الأخطاء النابعة من عدم تذكر الأشياء بشكل صحيح، لأنه عندما يقوم المشاركين بكتابة المدخلات يتذكرون الأحداث الحديثة وليس البعيدة (van Eerde et al., 2005).

 

 

نقاط الضعف في دراسات اليوميات

إذا كانت دراسات اليوميات لها كل الإمكانات الموضحة في القسم السابق، فلماذا لا نستخدمها أكثر؟ هناك على الأقل سببين رئيسيين لاندثار دراسات اليوميات في علم اللغة التطبيقي. احدها ببساطة هو أن هذ الطريقة جديدة نوعا ما، وبالتالي فهي لم يتم تغطيتها حتى الان في دورات ونصوص طرق ومناهج البحث القياسية. لذلك، فإن الكثير من الباحثين ليسوا على دراية بها بشكل كاف ليعتبروها خيارا واقعيا عند إعداد تصاميم أبحاثهم. والسبب الآخر هو أن لدى الطريقة بعض نقاط الضعف الخطيرة التي تجعل الباحثين يفكرون مرتين قبل محاولة استخدامها. تتمثل نقاط ضعف هذه الطريقة في الآتي:

 

  • القيد الأول والأكثر وضوحا لدراسات اليوميات هو أن المشارك لا يحتاج فقط إلى أن يكون قادر على القراءة والكتابة، ولكنه يجب أن يكون أيضا مرتاح فعلا في كتابة اليوميات. وكما يشير جيبسون (Gibson, 1995)، فإن أحد الطرق للتغلب على مشكلة الأمية هي السماح للمشارك بتسجيل مذكرات صوتية أو مرئية.

 

  • أما المصدر الثاني للضعف هو أن دراسة اليوميات تتطلب كثيرا من المشارك. أولا وقبل كل شيء، فهي تتطلب دورة تدريبية مفصلة لضمان أن المشاركين يفهمون البروتوكول تماما. ثانيا، لإنتاج بيانات منتظمة ذات جودة عالية، يجب أن تحقق دراسات اليوميات مستوى التزام وتفاني من طرف المشاركين نادرا ما يكون مطلوب في أنواع البحوث الأخرى (Bolger et al., 2003). أحد الحلول لمعالجة المشكلة هو تقليل الوقت اللازم لاستخدام أداة اليوميات، ولكن من الواضح أن هذا سيكون على حساب ثراء مجموعة البيانات الناتجة عنها.

 

  • هناك قصور آخر يبدو تافها ولكنه في الممارسة الفعلية يعتبر خطير وهو أن المشاركين عرضة للسهو حيث يفشلون في تذكر أوقات الاستجابة المقررة أو يفشلون في جعل اليوميات في متناول اليد (Bolger et al., 2003). بدلا من ذلك، فإنهم قد يكونون متعبين للغاية أو ببساطة ليسوا في مزاج لكتابة المدخلات المقررة. وهذا، بطبيعة الحال، يمكن أن يفسد الفائدة الرئيسية من اليوميات، وقدرتها على تسجيل معلومات دقيقة في الوقت الحقيقي.

 

  • كما وجد أن طول وعمق المفكرات اليومية يُظهر تباينا كبيرا. جيبسون (Gibson, I995)، على سبيل المثال، يستعرض دراسات أظهرت تراجع مستمر في سرد ​​الأحداث مع مرور الوقت. كما أن هناك انخفاض أيضا، وذلك لأسباب واضحة، في مدخلات اليوميات خلال الأحداث المجهدة، على الرغم من أن هذه الأحداث قد تكون ذات أهمية خاصة من وجهة نظر الباحث.

 

 

اقتراحات عملية لتسهيل دراسات اليوميات

على الرغم من كل المشاكل التي قد تترافق مع دراسات اليوميات، إلا أنه يمكن استخدامها غالبا بنتائج جيدة في بحوث علم اللغة التطبيقي. لذلك، سنقدم للقارئ فيما يلي بعض النقاط العملية لتسهيل هذه الممارسة:

 

  • الفوائد المتعددة لدراسات اليوميات تبرر في كثير من الحالات على الأقل محاولة لتنفيذ دراسة اليوميات. لقد رأيت أمثلة مشجعة لدراسات يوميات ناجحة في سياقات تعليمية كان الباحثون فيها على اتصال منتظم مع المشاركين (على سبيل المثال، كانوا هم أو زملائهم ومساعديهم في البحوث يدرسون المشاركين).

 

  • جرب الباحثون طرق مختلفة لزيادة دوافع المشاركين لكي يستمروا في الدراسات ويدونوا مدخلات يومية ذات جودة عالية في الوقت المحدد. (انظر Bolger et al., 2003; Gibson, I995). أولا، يمكن جعل الإجراءات مريحة وسهلة قدر الامكان، وذلك من خلال توفير دفاتر يوميات محمولة في الجيب تُطبع فيها تواريخ وأوقات الردود المتوقعة مسبقا على أوراق المذكرات من أجل إبقاء المشاركين على المسار الصحيح. كما يمكن جعل بعض دراسات اليوميات منظمة أكثر عن طريق إضافة أسئلة رئيسية مثل، متى؟ أين؟ ماذا؟ من؟ على صفحات اليوميات. ثانيا، وجد أن الفحص المتكرر بلطف، وإذا لزم الأمر، “دفعة” من مساعد باحث لديه علاقة جيدة مع المشارك تكون مفيدة. ثالثا، استخدم الباحثون في بعض الحالات المكافآت كحافز لتعزيز الامتثال، بحيث يمكن أن يكون الحافز إما على هيئة نقود أو هدية رمزية.

 

  • وأخيرا، حتى لو كانت هناك ثغرات في مدخلات اليوميات، فيمكن أن تُملأ في مقابلات المتابعة. في هذه الحالة تكون مدخلات اليوميات لها وظيفة مماثلة لتحقيقات التذكر المكتوبة أو السمعية التي تُستخدم في منهجية التذكر المحفز.

 

 

مذكرات البحوث (Research journals)

 

المذكرات البحثية هي اليوميات التي يحتفظ بها الباحثون أنفسهم أثناء القيام بمشروع بحثي وليست تلك التي يدونها المشاركين في الدراسة حول موضوع البحث (التي نوقشت في القسم السابق). لجعل هذا التمييز واضح، سنشير إلى ملاحظات الباحث بالمذكرات على الرغم من استخدام مصطلحي “اليوميات” و “المذكرات” كمرادفات في الأدبيات. يوصى في البحوث الاجتماعية بأن يقوم الباحث بالاحتفاظ بمذكرة (أو سجل)، حيث نجد أحيانا ذكر لاستخدام مذكرات أبحاث المؤلفين في العديد من المنشورات البحثية (لإلقاء نظرة عامة حديثة حول استخدام المذكرات البحثية في البحوث التربوية، انظر Altrichter and Holly, 2005). ومع ذلك، وبصرف النظر عن الدراسات الإثنوغرافية حيث تعتبر الملاحظات الميدانية جزءا لا يتجزأ من البحث، فإن التحقيقات النوعية لا توفر عادة سوى القليل من التفاصيل عن طبيعة بيانات المذكرات البحثية، أي ما نوع المعلومات تم تسجيلها وكيف. في الحقيقة، كما يشير هامرسلي و أتكينسون (Hammersley and Atkinson, 1995: 176) فحتى الملاحظات الميدانية الإثنوغرافية تتميز بالخفاء النسبي، ولذلك فإن الباحثين المبتدئين الغير متخصصين في الاثنوغرافيا غالبا ما يجهلون حقيقة أنهم إذا احتفظوا بمذكرة بحثية منظمة باستخدام صيغة قياسية، فإنه سيمكن إدخالها كمصدر قيم للبيانات (Dὅrnyei, 2007: 160).

 

وكما قلنا أعلاه فإن أي شيء تقريبا في البحث النوعي يمكن أن ينظر إليه على أنه بيانات محتملة، ولذلك ليس هناك أي سبب لاستثناء ملاحظات الباحث الميدانية وتعليقاته في الوقت الحقيقي، ومذكراته، وشروحه. النشاط الشخصي جزء مهم من الابحاث النوعية، والبيانات الفوقية (metadata) التي يُنشئها الباحث توفر معلومات قيمة حول المشروع. كما يعلق هامرسلي واتكينسون (Hammersley and Atkinson, 1995: 191-2)، “فإن بناء الملاحظات التحليلية … يشكل بالضبط ذلك النوع من الحوار الداخلي، أو التفكير بصوت عال، وهذا هو جوهر الاثنوغرافيا الانعكاسية”. إن وسيلة تحويل المعرفة الخاصة، عن طريق التأمل والتحليل، إلى معرفة عامة محتملة هي مذكرة الباحث. يوصي سيلفرمان (Silverman, 2005: 252) أيضا بالاحتفاظ بمذكرة البحث، لأنه يمكن من خلالها “إطلاع القراء على تطور تفكيرك، مساعدتك في التأمل، تحسين إدارة وقتك، وتوفير الأفكار للاتجاه المستقبلي لعملك”.

 

تؤكد ريتشاردز (Richards, 2005) على أهمية أخرى للاحتفاظ بسجل منظم بشكل جيد. وتقول إنه من أجل جعل الادعاءات ذات مصداقية، يحتاج الباحثين النوعيين لوصف كل خطوة في المشروع وتوثيق من أين جاءت الأفكار والنظريات. وهكذا، فإن هذه المعلومات تعتبر مركزية في اجتياز تحديات الصلاحية والموثوقية في البحث النوعي.

 

وعلى الرغم من وضوح هذه المزايا، يقوم عدد قليل من الباحثين في الواقع بالاحتفاظ بمذكرات بحوث منظمة. يكمن أحد أسباب ذلك ببساطة في عدم ادراك أهمية المذكرة، ولكن السبب المحتمل الثاني هو أن الحفاظ على وصف منظم لأنشطة وانعكاسات الباحث يحتاج إلى انضباط كبير، خاصة عند التعامل مع أنواع كثيرة من المهام في آن واحد (بما في ذلك جمع البيانات وتحليلها). ومع ذلك، فإننا نوصي بالاحتفاظ بمذكرات البحوث لأنها لا تساعد فقط على تذكر تفاصيل المهمة لاحقا، ولكنها ربما تصبح أيضا جزءا من عملية التحليل والتفسير نفسها عندما يبدأ الباحثين في التفكير ببيانات وموضوعات جديدة. وكما فعل شميت وفروتا (Schmidt and Frota,1986) فقد تصبح مذكرة البحث منصة للتصور، والملاحظة، والتوضيح، أو اختبار الفرضيات أو الأفكار الجديدة.

 

 

كيفية الاحتفاظ بمذكرات البحوث

تحتاج البيانات العلمية لتلبية متطلبات الموثوقية والصلاحية، وبالتالي إذا قررنا استخدام مذكراتنا البحثية كمصدر بيانات، فسنكون بحاجة إلى إيلاء الاهتمام ببعض التفاصيل التقنية. إذا ما احتفظنا بمذكرة الورقة والقلم، فإن الحد الأدنى للشروط هو أن تكون في مجلد محكم يحتوي على أرقام الصفحات بحيث يكون كل المدخلات مؤرخة، ولكن بعض الباحثين يوصون بنهج رسمي أكثر. يحدد سيلفرمان (Silverman, 2005)، على سبيل المثال، إطارا تنظيمي يتألف من أربع فئات:

 

  1. ملاحظات المراقبة حول التجارب.
  2. ملاحظات منهجية حول كيفية ونوع المعلومات التي تم جمعها.
  3. وملاحظات نظرية تصف الحدس، والفرضيات والأفكار.
  4. ملاحظات شخصية تحتوي على بيانات عن المشاعر (فيما يتعلق على سبيل المثال، بالرضا، المفاجأة، الصدمة، الخ) وغيرها من التعليقات الشخصية.

 

يوصي كراير (Cryer, 2000: 99) بأنه ينبغي على الطلاب الباحثين أن يسجلوا في سجلاتهم ومذكراتهم ما يلي:

 

  • ماذا تفعل، وأين، وكيف، ومتى، ولماذا تفعل ذلك؟
  • ماذا تقرأ؟
  • ما هي البيانات التي تجمعها وكيف تعالجها؟
  • أي نتائج لتحليل البيانات.
  • إنجازات معينة، الطرق المسدودة، والمفاجآت.
  • ما هو رأيك أو بما تشعر حيال ما يحدث، وأية أفكار قد تكون ذات صلة ببحثك.
  • أي شيء آخر يؤثر عليك.

 

مع توافر استخدام وأجهزة الكمبيوتر الشخصية، وخاصة المحمولة، يقوم الكثير من الباحثين بنقل بعض سجلات الورقية التقليدية إلى ملفات إلكترونية. تدعم برامج تحليل البيانات النوعية هذا التسجيل الإلكتروني لمدخلات المذكرات بالكامل (انظر Richards, 2005)، كما أنها تسهل دمج مدخلات مذكرة الأبحاث الإلكترونية مع باقي البيانات. وبهذه الطريقة، يمكن لتأملاتنا وأفكارنا الخاصة بأن تصبح أكثر من مجرد أدوات تحليلية، حيث يمكن أن تصبح بيانات قابلة لمزيد من التحليل.

 

يؤكد ألتريتشر وهولي (Altrichter and Holly, 2005) على أن الجانب الهام لمذكرات البحوث كمصدر بيانات هو احتوائها على مقاطع وصفية مثل أوصاف الأنشطة والأحداث، أو إعادة صياغة الحوارات. يؤكد الكاتبين أن في هذه الأوصاف تكون تفاصيل أكثر أهمية من الملخصات وأننا بحاجة إلى التركيز على الخاص بدلا من العام. الاقتباسات الدقيقة (مبينة بعلامتي الاقتباس) هي موضع ترحيب، لا سيما الكلمات والعبارات التي تكون نموذجية عن شخص ما. يبين ألتريتشر وهولي أيضا بعض النقاط العملية التي يمكن على أساسها أن تصاغ الاستراتيجيات الستة التالية لكتابة المذكرات البحثية:

 

  1. الكتابة بانتظام.
  2. الاستمرار خلال الفترة الصعبة الأولى التي تحدث لكثير من الكتّاب الجدد.
  3. اعتبار المذكرة خاصة حتى لا يكون على الباحث فرض رقابة على نفسه أو القلق بشأن الأسلوب وعلامات الترقيم (يمكن التقرير بشأن الكشف عن بعض الأجزاء في وقت لاحق).
  4. إدخال هيكل وتنسيق منتظم في المدخلات.
  5. تضمين المواد التوضيحية ذات الصلة مثل الصور والملاحظات والوثائق والخطط الدراسية، وأعمال الطلاب، الخ.
  6. القيام بتحليل مؤقت من وقت لآخر لمدخلات المذكرة للتحقق مما إذا كان توازن وكمية النوع المختلف من الملاحظات صحيح.

 

 

المراجع

Heigham, Juanita and Robert A. Croker (2009) editors. Qualitative Research in Applied Linguistics: A Practical Introduction. Palgrave Macmillan, Great Britain.

 

[1] تمت ترجمة وتعديل هذا الجدول من:

Heigham, Juanita and Robert A. Croker (2009) editors. Qualitative Research in Applied Linguistics: A Practical Introduction. Palgrave Macmillan, Great Britain.

 

تصميمAcademiWorld
أظهر أزرار المشاركة
أخفي أزرار المشاركة