أخلاقيات البحث في مجال علم اللغة التطبيقي

كتبه :أ. فرج محمد صوانيوم : 28 أبريل 2017 | في تصنيف : البحث العلمي,علم اللغة |اترك رد |

أخلاقيات البحث

 

مقدمة

نحن نمر بمرحلة تغيير عميق في فهمنا لأخلاقيات البحوث التطبيقية الاجتماعية. منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وحتى أوائل التسعينات، كان هناك تتطور تدريجيا لإجماع حول المبادئ الأخلاقية الأساسية التي ينبغي أن تقوم عليها الجهود البحثية. يبرز حدثان مميزين (من بين أحداث أخرى كثيرة) كرمز لهذا الإجماع. أظهرت محاكمة نورمبرغ لجرائم الحرب بعد الحرب العالمية الثانية إلى الرأي العام الطرق التي استخدم بها العلماء الألمان البشر الأسرى كعينات في التجارب التي كانت بشعة في كثير من الأحيان. في الخمسينات والستينات، اشتملت دراسة توسكيجي للعلاج الفعال لمرض الزهري المعروف حجب المشاركين الأمريكان المصابين من أصول أفريقية. مثل هذه الأحداث استلزمت إعادة النظر في المعايير الأخلاقية والتطوير التدريجي للإجماع على أن العينات البشرية المحتملة يجب أن تكون محمية من استخدامهم في مجال البحث العلمي مثل “خنازير غينيا”.

بحلول التسعينات، تغيرت ديناميات الوضع. تحارب مرضى السرطان والأشخاص المصابين بمرض الإيدز علنا ​مع مؤسسات البحوث الطبية حول الوقت الطويل الذي يستغرقه المرء للحصول على الموافقة وإكمال البحوث عن علاجات محتملة للأمراض القاتلة. في كثير من الحالات، كانت الافتراضات الأخلاقية للثلاثين عاما السابقة هي التي تدفع هذه العقلية المتأنية البطيئة. فبعد كل شيء، يفضل الباحثين المخاطرة بإنكار العلاج لفترة من الزمن حتى يتسنى تحقيق ما يكفي من الثقة في العلاج، بدلا من تعريض الناس الأبرياء للخطر وإيذاءهم (كما هو الحال في أحداث نورمبرج و توسكيجي). ولكن كان أولئك المعرضين لتهديد المرض المميت يقولون للمؤسسات البحثية أنهم يريدون أن يكونوا عينات اختبار حتى في ظل الظروف التجريبية التي تنطوي على مخاطر كبيرة. أصبح هناك عدة مجموعات من المرضى الصريحين جدا والفصحاء الذين أرادوا أن تجرى عليهم التجارب تخرج ضد نظام المراجعة الأخلاقية الذي تم تصميمه لحمايتهم من التجريب عليهم.

على الرغم من أن السنوات القليلة الماضية في مجال أخلاقيات البحث كانت عاصفة، إلا أنه بدأ يظهر أن هناك توافق جديد في الآراء آخذ في التطور يشتمل على مجموعات المصلحة الأكثر تضررا من المشكلة تشارك بنشاط أكثر في صياغة المبادئ التوجيهية للبحث. وبما أن الأمر ليس واضحا تماما في الوقت الحاضر حول ماهية الإجماع الجديد، فإنه من شبه المؤكد أنه لن يكون عند النقطتين المتطرفتين: الحماية ضد التجارب على البشر بجميع التكاليف مقابل السماح لأي شخص يرغب في التجريب عليه.

هناك عدد من العبارات الرئيسية التي تصف نظام الحماية الأخلاقية والتي قد صاغتها مؤسسات البحث الاجتماعي والطبي من أجل حماية أفضل لحقوق المشاركين في أبحاثهم. يتطلب مبدأ المشاركة الطوعية مثلا عدم إكراه الناس على المشاركة في البحوث. ولهذا أهمية خاصة حيث اعتمد الباحثون في السابق على ‘الجماهير الأسيرة” في عيناتهم (مثل السجون والجامعات وأماكن مشابهة). ويعتبر شرط الموافقة المسبقة مرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم المشاركة الطوعية. أساسا، هذا يعني ضرورة أن يكون المشاركين المحتملين في البحث على علم تام بالإجراءات والمخاطر التي ينطوي عليها البحث ويجب أن يعطوا موافقتهم للمشاركة فيه. تتطلب المعايير الأخلاقية أيضا أن لا يضع الباحثين المشاركين في حالات يكونوا فيها عرضة للضرر نتيجة لمشاركتهم. يمكن تعريف الضرر بأنه جسدي ونفسي. هناك نوعان من المعايير التي يتم تطبيقها من أجل المساعدة في حماية خصوصية المشاركين في البحوث.

تضمن جميع البحوث تقريبا سرية المشاركين (يتم التأكيد لهم إن معرفة المعلومات لن تتاح لأي شخص لا يشارك مباشرة في الدراسة. المعيار الأكثر صرامة هو مبدأ عدم ذكر الاسم مما يعني أساسا أن المشاركين سوف لن يتم الكشف عن هويتهم طوال فترة الدراسة (حتى للباحثين أنفسهم). ومن الواضح أن شرط عدم الكشف عن الهوية يعتبر ضمانة قوية للخصوصية، ولكنه صعب التحقيق أحيانا، خصوصا في الحالات التي يتم فيها قياس المشاركين عند نقاط زمنية متعددة (على سبيل المثال، الدراسة القبلية البعدية). كما أن على الباحثين التعامل مع القضية الأخلاقية لحق الشخص في الخدمات. غالبا ما تتطلب الممارسة البحثية الجيدة استخدام المجموعة الضبطية بدون أي معالجة (مجموعة المشاركين التي لا تأخذ العلاج أو البرنامج الذي يتم دراسته). ولكن عندما يكون لهذا العلاج أو البرنامج آثار مفيدة، فإن الأشخاص المعينين في المجموعة الضبطية بدون أي علاج قد يشعرون بأن حقوقهم في المساواة في الحصول على الخدمات ناقصة.

حتى عند وجود معايير ومبادئ أخلاقية واضحة، سوف تكون هناك أوقات تتعارض فيها الحاجة لإجراء البحث الدقيق مع حقوق المشاركين المحتملين. ربما لا توجد مجموعة من المعايير يمكنها أن تتوقع كل الظروف الأخلاقية. وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون هناك إجراء من شأنه أن يضمن أن الباحثين سينظرون في جميع القضايا الأخلاقية ذات الصلة عند وضعهم للخطط البحثية. لتلبية هذه الاحتياجات تقوم معظم المؤسسات والمنظمات بتعيين مجالس المراجعة المؤسسية التي تتكون من فريق من الأشخاص مهمتهم استعراض مقترحات المنح فيما يتعلق بالآثار الأخلاقية حيث تقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراءات إضافية يتوجب اتخاذها لضمان سلامة وحقوق المشاركين. تساعد مجالس المراجعة المؤسسية أيضًا من خلال استعراضها لمقترحات الأبحاث في حماية كل من المنظمة والباحث ضد الآثار القانونية المحتملة بسبب إهمال معالجة قضايا أخلاقية هامة للمشاركين.

 

 

اخلاقيات البحث في علم اللغة التطبيقي

في سياق الحديث عن المتطلبات الأساسية للبحث، يبرز هذا الجزء أخلاقيات البحث في مجال علم اللغة التطبيقي. ووفقا لعدد من الاخصائيين، فإن العامل الأساسي الذي ينبغي على الباحثين مراعاته هو أخلاقيات البحث. يوضح لوي (Lowe, 2010)، على سبيل المثال، أن أخلاقيات البحث وضعت لأول مرة في مجال الطب، وفي وقت لاحق، قدمت مختلف التخصصات المبادئ الخاصة بها. وفيما يتعلق بالمناقشة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فيستخدم المتخصصون مبادئ لتوجيه الممارسة البحثية الجيدة، حيث يمكن تقسيم هذه المبادئ إلى ثلاثة مجالات هي: الاحترام، والعدالة، والإفادة (beneficence). ينطوي مبدأ الاحترام على حماية استقلالية الفرد فضلا عن ضمان السرية، ويضمن مبدأ العدالة سلامة المشاركين في جميع الظروف، ويستلزم مبدأ الإفادة تحقيق أقصى قدر من النتائج الجيدة لجميع المشاركين في البحث. تثير طرق البحث المختلفة أسئلة أخلاقية مختلفة. فدراسات المقابلات، على سبيل المثال، قد تنتهك خصوصية المشاركين في حين أن دراسات البحوث العملية غالبا ما تثير معضلات أخلاقية أكثر من غيرها من أشكال الدراسات. ويمكن أن يؤدي إجراء البحوث إلى زيادة المخاطر، فحتى الدراسات التي تبدو آمنة قد لا تكون كما تبدو عليه. ينبغي دائما أخذ أخلاقيات البحث في الاعتبار سواء أثناء تصميم البحث أو خلال عملية البحث أو النشر. وبعبارة أخرى، فإن السلوك الأخلاقي يضفي الشرعية على العملية برمتها. تواجه مختلف التخصصات والمنهجيات معضلات مختلفة، وعندما يتعلق الأمر ببحوث علم اللغة التطبيقي، من غير المرجح أن يحدث الضرر في جميع مراحل عملية التنفيذ. ومن الناحية المنطقية، من الضروري دائما ضمان سلامة كل من الباحث والمشاركين في جميع مراحل العملية كلها.

ويؤكد براون (Brown, 2007) أنه مع مراعاة الاعتبارات الأخلاقية للمشاركين، سيكون من المهم تجنب إساءة معاملة الأشخاص، أيا كان نوعها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مكافأة المشاركين لمشاركتهم ستكون أساسية. وفيما يتعلق بمسؤوليات التحليل، سيكون من الضروري ضمان تقديم التقارير عن البيانات التي تم جمعها بشفافية. وعلاوة على ذلك، فإن اختيار طريقة البحث المناسبة سيكون جهريا دائما. كما أنه سيكون من الأساسي اختيار أنسب معايير التفاعل من حيث غرض المشروع البحثي المعني. يتعلق البحث في علم اللغة التطبيقي بحياة الناس في العالم الواقعي، وبالتالي، فإنه ينطوي بالتأكيد على قضايا أخلاقية. وهذه القضايا أكثر وضوحا في المناهج النوعية منها في المناهج الكمية لأن البحوث النوعية كثيرا ما تتعامل مع قضايا إنسانية خاصة؛ فهي تهتم بآراء الناس وتناقش عادة القضايا الحساسة أو الحرجة. ولا يمكننا أن ننكر أن المسائل الأخلاقية يمكن أن تكون في كثير من الأحيان عائقا أمام دراستنا. ومع ذلك، نحن كبشر لا نقبل أن البحث يهم أكثر من الخصوصية. ومن المعضلات الأخلاقية الرئيسية التي يجب أن نعالجها، على سبيل المثال، مدى جديتنا  في التعامل مع القضايا الأخلاقية المختلفة في سياقات علم اللغة التطبيقي.

وتشمل بعض الممارسات البحثية، وخاصة الممارسات النوعية، العناصر التي تشوه المشكلات الأخلاقية. ومن أمثلة هذه الجوانب الحساسة من البحوث ما يلي: مقدار المعلومات التي يتم مشاركتها، أي مقدار المعلومات التي ينبغي مشاركتها مع المشاركين حول البحث لتجنب التسبب في أي تحيز في الاستجابة أو حتى عدم المشاركة. ثانيا: العلاقات، فقد تؤدي الدراسات النوعية إلى علاقة حميمة بين الباحثين والمشاركين، بحيث تسعى الأولى إلى تأسيس التعاطف للوصول إلى حياة المشاركين. ثالثا: طرق جمع البيانات، لأن بعض الطرق قد تصرف المشاركين عن أنشطتهم العادية. رابعا: عدم الكشف عن الهوية، فعلى الرغم من أنه مثاليا ينبغي أن يبقى المشاركين مجهولين، إلا أن الباحثين غالبا ما يحتاجون إلى تحديد المشاركين ليكونوا قادرين على مواءمة أدائهم في مهام مختلفة. خامسا: معالجة البيانات التي تم جمعها، حيث قد تكون بعض طرق جمع البيانات تهديدا لعدم الكشف عن الهوية مثل التسجيلات الصوتية والتسجيل بالفيديو. سادسا: ملكية البيانات، لأن مسألة من يملك البيانات التي تم جمعها ومن الذي لديه سيطرة كاملة على نشر المعلومات تعتبر من بين الأسئلة الأساسية جدا التي يجب النظر فيها ومعالجتها. سابعا: المعلومات الحساسة، فقد يكشف المشاركون عن بعض المعلومات الحساسة التي لا تتعلق بالهدف الرئيسي للدراسة. ثامنا: الاختبار، لأن إساءة استخدام درجات الاختبار يؤدي إلى سوء التفسير والمشاكل (Brown, 2007).

وبالمثل، يجادل دورني (Dornyei, 2007) بأن البحوث الاجتماعية تتعلق بحياة الناس في العالم الاجتماعي، وبالتالي فإنها تنطوي حتما على قضايا أخلاقية. هذه القضايا أكثر حدة في النهج النوعي منها في النهج الكمي لأن البحوث النوعية غالبا ما تتغلغل أكثر في المجال البشري الخاص؛ فهي تهتم بآراء الناس وغالبا ما تستهدف مسائل حميمية حساسة. لا يمكن للباحثين أن ينكروا أن القضايا الأخلاقية غالبا ما تكون عائقا أمام البحث. وباعتبارنا بشر، لا يمكننا أن ننكر أن هناك ما يستحق أكثر في الحياة من البحث. تتمثل بعض المعضلات والقضايا الأخلاقية الرئيسية التي يناقشها دورني في العلاقات بين الباحثين والمشاركين، وطرق جمع البيانات، وعدم الكشف عن الهوية، والتعامل مع البيانات التي تم جمعها، وملكية البيانات، والمعلومات الحساسة، واعلان الموافقة.

يبدو من الصعب إجراء الكثير من البحوث دون الدخول في جدال حول المسائل الأخلاقية (انظر Burns, 2000; Cohen, et al., 2000; and Glesne, 1999). قد يشعر العديد من المشاركين، على سبيل المثال، بأنهم مضطرون للتطوع لأسباب مختلفة. لذلك، يجب أن نضع في اعتبارنا فرز جميع المشاكل المتعلقة بالأخلاقيات عند بداية تنفيذ البحوث. ومن وجهة نظر بورن (Burn, 2000: 18)، فإن الموافقة المستنيرة (informed consent) هي المبدأ الأخلاقي الأساسي؛ يجب أن يفهم المشاركين طبيعة وغرض البحث، ويجب أن يوافقوا على المشاركة دون إكراه. يعتقد كوهين وآخرون (Cohen, et al., 2000)، وغليسن (Glesne, 1999) أن الموافقة المستنيرة يمكنها أن تسهم في مساعدة المشاركين في البحوث. فمن خلال الموافقة المستنيرة، يدرك المشاركون في الدراسة أن المشاركة طوعية وأنهم قد يختارون بحرية وقف المشاركة في أي مرحلة من مراحل الدراسة. ولتجنب المشاكل الأخلاقية، يؤكد بيرنز (Burn, 2000) و غليسن (Glesne, 1999)، من بين باحثين آخرين، على ضرورة وجود مدونات لقواعد السلوك. ستضمن هذه المدونات تقليل المخاطر التي يتعرض لها المشاركين، وحماية حقوق المشاركين وسلامتهم، و طوعية المشاركة، بالاضافة إلى حق المشترك في معرفة الغرض من الدراسة وطبيعتها ومدتها.

وباختصار، فإن النزاهة البحثية من أهم الجوانب التي ينبغي على الباحثين التحلّي بها. يمكن أن تتصل المشاكل الأخلاقية بكل من المشارك وبمضوع البحث وتنفيذه أيضا. ويمكن أن تنشأ المشاكل الأخلاقية عن القيم المتضاربة، وربما قد تنطوي على عناصر مهنية وشخصية. وهذا يتطلب التأكيد على عدد من القضايا. فالمشاركون، على سبيل المثال، لهم الحق في أن يكونوا على علم بأهداف الدراسة، والمهام التي يتوقع منهم أداءها، والعواقب المحتملة للمشاركة في الدراسة. كما ينبغي التشديد على خصوصية المشاركين وعدم الكشف عن هويتهم، لأن احترام حق المشاركين في الخصوصية من المبادئ الأخلاقية الأساسية، كما أن للمشاركين الحق في الانسحاب من الدراسة. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي دائما احترام الحق في السرية. ومع ذلك، علينا أن نتأكد من أننا نتجنب الوعد بدرجة أعلى من السرية مما يمكننا تحقيقه، ولذلك فإن الإشارة إلى المشاركين كأرقام بدلا من أسماء قد تضمن سرية النتائج. ومن النقاط الأساسية الأخرى التي يجب مراعاتها حماية المشاركين من الأذى، سواء كانت عقليا أو جسديا، والذي قد يلحق بالمشاركين نتيجة المشاركة في البحث. ولا يجب علينا فقط منع دراستنا من التسبب في أي ضرر، ولكن يجب علينا أيضا محاولة ضمان استفادة المشاركين من أبحاثنا بطريقة أو بأخرى. وفي بعض الحالات، قد يكون تقديم رسالة شكر حارة للمشاركين عند الانتهاء من مشروع البحث يكون ملائم جدا.

 

 

الاعتبارات الاخلاقية في علم اللغة التطبيقي

إن أي باحث نوعي غير غافل سيفكر مليا في المسائل الأخلاقية (Miles and Huberman 1994: 288). فالأبحاث الاجتماعية، بما في ذلك البحوث في مجال التعليم، تتعلق بحياة الناس في العالم الاجتماعي، وبالتالي فهي لابد أن تنطوي على مسائل أخلاقية. وكما يشير بانش (Punch, 2005)، فإن هذه القضايا أكثر حدة في جامعة في النهج النوعي منه في النهج الكمي، لأن البحوث النوعية غالبا ما تتغلغل أكثر في المجال البشري الخاص، فهي تهتم بطبيعتها بآراء الناس الشخصية وغالبا ما تستهدف القضايا الحساسة أو الحميمية. وهكذا، فإن الاعتراف والاستخدام المتزايدين للطرق النوعية في بحوث علم اللغة التطبيقي المعاصرة يثير ‘مخاطر أخلاقية’. علينا أن نتصدى لهذه المسألة، لا سيما وأن جوهر المسألة يكمن في توتر أساسي. فمن ناحية، نحن كباحثين، لا يمكننا أن ننكر حقيقة أن المسائل الأخلاقية كثيرا ما تشكل عائقا أمام دراساتنا، وفي عصرنا السياسي الصحيح يمكن للمسائل الأخلاقية أن تفوق المعتاد بحيث يصبح من المستحيل عمليا إجراء البحوث في بعض السياقات. ومن ناحية أخرى، وباعتبارنا كائنات بشرية لها مبادئ أخلاقية، فإنه لا نستطيع أن ننكر أيضا بأن هناك أكثر في الحياة من البحث، وإذا كان هناك احتمال للاصطدام بين اهتمامات الباحث والمشاركين، فسيبدو واضحًا أين ينبغي وضع الأولويات.

ويلاحظ هيس بيبر و ليفي (Hesse-Biber and Leavy, 2006) أن المناقشات الأخلاقية غالبا ما تظل مهمشة أو منفصلة عن مناقشات المشروع البحثي الحقيقي، ويتم اعتبارها كمرحلة لاحقة تقريبا. وبينما قد يرجع هذا إلى حقيقة أن المنشورات البحثية عادة ما تكون مكتوبة لجمهور الباحثين حيث يُفترض أن يكون الزملاء على علم بالقضايا المعنية، ففي النصوص المهتمة بطرق البحث نكون بحاجة إلى معالجة مختلف المعضلات الأخلاقية التي نواجهها عندما نشارك في أبحاث العالم الحقيقي. وكإجراء تمهيدي، ينبغي أن نلاحظ أن المشهد الدولي يُظهر تنوعا كبيرا من حيث الوعي الأخلاقي عبر البلدان، كما يُظهر التنظيم القانوني لأخلاقيات البحث اختلافات كبيرة في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، حتى في البلدان التي لم تُنظَّم فيها أخلاقيات البحث رسميا هناك وعي متزايد لقضايا حماية البيانات المختلفة التي تؤدي منطقيا إلى إعادة النظر في كيفية التعامل مع البحوث الانسانية. لذلك، نتوقع أن تتخذ المزيد من البلدان اجراءات من أجل وضع إطار صارم لأخلاقيات البحث بحيث تكون ودية ومساعدة للمشاركين أكثر من الباحثين.

 

 

بعض المعضلات والقضايا الأخلاقية الرئيسية

تكمن المعضلة الأخلاقية الأولى التي ينبغي معالجتها في مدى جديتنا في تناول مختلف القضايا الأخلاقية المختلفة في السياقات التعليمية. تكرر معظم كتب مناهج البحث التوصيات العريضة للسلوك الأخلاقي التي تم إعدادها حاليا للعلوم الاجتماعية (بما في ذلك علم النفس) أو البحوث الطبية، حيث أن هناك خطر بالفعل في هذه السياقات العريضة من أن تؤدي البحوث الخاطئة أو الاستغلالية إلى إلحاق ضرر حقيقي. من ناحية أخرى، يؤكد بعض الباحثين مثل جونسون و كريستنسن (Johnson and Christensen, 2004: III) أنه لا ينبغي معاملة البحوث التربوية بنفس طريقة التعامل مع التخصصات الاجتماعية الأخرى:

لحسن الحظ، فإن الدراسات التي يقوم بها الباحثون التربويون نادرا ما تتسبب في خطر إلحاق الأذى العقلي والجسدي الشديد بالمشاركين. وفي الواقع، فإن البحوث التربوية قد شاركت تاريخيا في البحث الذي يتسبب إما بمخاطر ضئيلة أو معدومة على المشاركين، وتمتع بوضع خاص فيما يتعلق بالرقابة الأخلاقية الرسمية.

ولأن هذا الوضع الخاص قد أقر به المشرعون الأمريكيون، فإن جزءا كبيرا من البحوث التربوية (مثل البحوث المتعلقة بالاستراتيجيات التعليمية أو المناهج أو إدارة الفصول) قد تم تحديده كمعفي من قانون اللوائح الاتحادية لحماية الموضوعات البشرية في الولايات المتحدة الأمريكية (Johnson and Christensen, 2004). ولكن هذا لا يعني أن المبادئ الأخلاقية لا تنطبق على البحوث التربوية أو أننا نستطيع أن نتجاهل المسألة كلها بأمان؛ فكما يبين جونسون وكريستنسن (Johnson and Christensen, 2004: III) فإن بعض الممارسات البحثية، وخاصة الممارسات النوعية، تشمل عناصر قد “تعكر المياه الأخلاقية” وتستحق العناية الدقيقة. تتضمن بعض الأمثلة على هذه الجوانب الحساسة للبحث ما يلي:

  • كمية المعلومات التي يتم مشاركتها. كما سنرى أدناه (في قسم الموافقة المستنيرة ومسألة الخداع) ، أن احدى المعضلات الأساسية للباحثين هي تحديد كم المعلومات التي يجب مشاركتها مع المشاركين حول البحث حتى لا يكون هناك أي تحيز في الاستجابة أو حتى عدم المشاركة. وكما يتساءل كوهين وآخرون (Cohen et al., 2000: 63)، “ما هو التوازن السليم بين مصالح العلم والمعاملة الإنسانية الودية للأشخاص الذين يقدمون البيانات ببراءة؟”
  • العلاقات. يمكن أن تؤدي الدراسات النوعية في كثير من الأحيان إلى علاقة حميمة بين الباحثين والمشاركين، حيث يحاول الأول إقامة الألفة والتعاطف للوصول إلى حياة المشاركين وقصصهم. يثير هذا الطابع العلائقي للبحوث النوعية أسئلة أخلاقية عامة حول حدود التقارب والحميمية مع المشاركين. يناقش رين (Ryen, 2004)، على سبيل المثال، مسألة المزح مع المشاركين (البالغين) الجدلية، كما أن هناك معضلة ملموسة حول كيفية إنهاء مشروع بحثي دون ترك المشاركين وهم يشعرون بأنهم قد تم استخدامهم فقط.
  • طرق جمع البيانات. يمكن أن تندرج بعض الطرق التي تبعد المشاركين عن أنشطتهم العادية والتي تتضمن، على سبيل المثال، الاتصال بين شخص وآخر، ضمن حدود تشريعات حماية الطفل في عدة بلدان.
  • عدم الكشف عن الهوية. تتعلق أحد المعضلات الأساسية في البحوث التربوية بحقيقة أنه على الرغم من أن المشاركين يجب أن يظلوا مجهولين، فإننا غالبا ما نحتاج إلى تحديد المشاركين لكي نتمكن من مواءمة أدائهم على مختلف الأدوات أو المهام.
  • التعامل مع البيانات التي تم جمعها. كاميرا الفيديو على وجه الخصوص تعتبر العين العامة التي تسمح بتحديد المشاركين بعد فترة طويلة من انتهاء البحث، وبالمثل فإن التسجيلات الصوتية يمكن أن يكون تهديدا لعدم الكشف عن الهوية.
  • ملكية البيانات. من يملك البيانات التي تم جمعها؟ يتساءل ريتشاردز (Richards, 2003)، هل الباحث يتحكم بالكامل في تحرير أو نشر المعلومات (مع ملاحظة قيود الخصوصية، بطبيعة الحال)؟
  • المعلومات الحساسة. يمكن للمشاركين في المقابلات العميقة الكشف عن معلومات حساسة لا علاقة لها بهدف الدراسة (على سبيل المثال، الاشارة إلى سوء المعاملة أو النشاط الإجرامي). فكيف نتصرف؟
  • الاختبارات. على الرغم من أن هذا الكتاب لا يغطي الاختبارات، إلا أننا بحاجة إلى ملاحظة أن سوء استخدام درجات الاختبار يحمل مخاطر حقيقية. وتبين هذه المعضلات والقضايا أنه يجب أن يكون لدينا إطار أخلاقي قائم حتى في البحوث التعليمية، وهي حاجة تعززها أيضا المتطلبات القانونية في عدة بلدان. والآن دعونا ننظر في المكونات الرئيسية لهذا الإطار بقدر من التفصيل.

 

 

السياق القانوني

يتم في كثير من البلدان تنفيذ المبادئ الأخلاقية من خلال المتطلبات القانونية والمؤسسية. ففي أمريكا، علی سبیل المثال، یتعین علی الباحثین تقدیم خطة بحثية مفصلة للموافقة عليها من قبل مجلس مراجعة مؤسسي قبل الشروع في دراساتهم من أجل الامتثال للوائح الفيدرالية التي توفر الحماية من انتهاكات حقوق الإنسان. تنطبق هذه اللوائح أيضا على بحوث الدراسات العليا (ماجستير أو دكتوراه)، وفي ظروف استثنائية فقط تقبل أقسام الدارسات العليا رسالة أو أطروحة دون نوع من موافقة المشاركين البشر. هناك إجراءات مفصلة ينبغي اتباعها، بما في ذلك ملء مختلف الاستمارات التي يقدمها كل مجلس مراجعة جامعي. (انظر Mackey and Gass, 2005).

عادة ما تكون الأطر واللوائح القانونية المتعلقة بأخلاقيات البحث أقل تطورا في البلدان خارج أمريكا الشمالية (على الرغم من أن الاتجاه الدولي، كما ذكرنا أعلاه، هو تقريب المثال الأمريكي). في المملكة المتحدة، كما يلخص وايلز وآخرون (Wiles et al., 2005)  ينظم “قانون حماية البيانات” البريطاني الحاجة إلى ضمان الموافقة على جمع البيانات (إلا في ظروف محددة جدا) وكيفية استخدام البيانات. بالإضافة إلى ذلك، تخضع البحوث الاجتماعية بشكل متزايد للمراجعة الأخلاقية من لجان أخلاقيات البحث المؤسساتية لضمان التدقيق الأخلاقي في البحوث التي تشمل أشخاصا، بحيث تصبح إجراء المراجعة الأخلاقية من متطلبات هيئات التمويل في المستقبل.

نزاهة الباحث

ومن المثير للدهشة أن عدد قليل من نصوص طرق البحث يتطرق إلى مجال أخلاقيات البحث، وهو في رأينا، محور أي دراسة بحثية: نزاهة الباحث. لقد ألقينا نظرة موجزة على أهمية موثوقية الباحث ومسؤوليته تجاه المجال وهو في اعتقادنا أن جوهر أخلاقيات البحث يكمن في الطابع الأخلاقي للباحث. في الواقع، إن مصطلح “الأخلاق” مشتق من الكلمة اليونانية ‘ethos’، وهي تعني ‘خلق’، وعلى الرغم من أن مبادئنا الأخلاقية في العالم الحديث يسهل مساواتها ببساطة مع ‘الامتثال للقوانين’، فإن هذه ليست مجرد قضية قانونية ولكنها تتعلق بالصدق والثقة الإنسانية الأساسيتين. هذا موثق تماما في المعايير الأخلاقية للجمعية الأمريكية للبحوث التربوية (AERA, 2002)، حيث تبدأ بمجموعة من ‘المعايير التوجيهية’ التي تصف المسؤوليات العامة للباحثين في هذا المجال. وتشمل هذه النقاط ما يلي:

  • يجب على الباحثين التربويين عدم اختلاق أو تزييف أو سوء تمثيل التأليف، أو الأدلة، أو البيانات، أو النتائج، أو الاستنتاجات.
  • يجب على الباحثين التربويين عدم استخدام أدوارهم المهنية عن قصد أو إهمال لأغراض الاحتيال.
  • ينبغي على الباحثين التربويين أن يحاولوا الإبلاغ عن النتائج التي توصلوا إليها إلى جميع أصحاب المصلحة المعنيين، وأن يمتنعوا عن إبقاء نتائجهم سرية أو انتقائية.

هناك العديد من المناطق الرمادية في البحوث حيث لا يمكن حتى للأنظمة الأكثر تفصيلا أن تمنع بعض الاختصارات أو التلاعب غير المرغوب فيه. على الرغم من أن الغرض العام من هذا الكتاب هو أن يكون عملي وبراجماتي للغاية: فإن هذا المجال هو الذي يجب أن نرسم فيه الحد الفاصل بحزم.

 

الحماية من الضرر وتحقيق توازن منصف بين التكلفة والفائدة

المبدأ الأساسي لأخلاقيات البحث هو أنه لا ينبغي أن يلحق المشاركين أي ضرر عقلي أو جسدي نتيجة مشاركتهم في الدراسة البحثية. يتجاوز هذا المبدأ جميع الاعتبارات الأخرى. ويشير هافركامب (Haverkamp, 2005) إلى أنه في حين أن الآليات الرئيسية لحماية المشاركين في البحث الكمي تنطوي على تقسيم أدق للأدوار وتقليل الاتصال بين الباحث والمشاركين، فإن هذه الآليات لا تتماشى مع طبيعة معظم البحوث النوعية التي تتصف بالطابع الاتصالي. وهكذا، فإن هناك الاحتمال متزايد لحدوث ‘لحظات مناسبة أخلاقيا’ في النهج النوعي والطرق المختلطة. وفي هذه المرحلة، نحتاج إلى إعادة التأكيد على أن إساءة استخدام درجات الاختبار تشكل مسألة أخلاقية مماثلة في البحث الكمي. فعلى سبيل المثال، أبلغت شوهامي (Shohamy, 2004: 730) عن مناسبة استخدمت فيها السلطات التعليمية نتائج اختبار الإنجاز لدراسة شاركت في تأليفها لتبرير التدابير المتخذة ضد طلاب الأقليات بطريقة لم تنبع عن الدراسة. ولذلك تحذرنا من أن الباحثين يجب ألا ينظروا إلى مهامهم على أنها كاملة عند نشر تقرير البحث أو المقالة، ولكن يجب عليهم أن ‘يتبعوا استخدامات (وإساءة استخدام) نتائج أبحاثهم’.

 

 

لا يجب علينا فقط منع أبحاثنا من التسبب في أي ضرر، ولكننا بحاجة أيضا إلى محاولة التأكد من أن المشاركين يستفيدون من أبحاثنا بطريقة ما. وينبغي ألا ننسى أبدا أنه من خلال بذل الجهد والوقت في مساعدتنا فهم يقدمون لنا الجميل، ومن مسؤوليتنا أن نحاول تحقيق التوازن بين التكلفة والفائدة قدر الإمكان. لسوء الحظ، من الشائع جدا أن نرى استراتيجية ‘اغنم واهرب’ البحثية حيث يستخدم الباحثين المشاركين فيها دون تقديم أي شيء في المقابل وبمجرد جمع البيانات يختفون. ففي بعض الحالات، قد يكون الشكر الواضح كافيا. وفي بعض الحالات الأخرى يمكننا أن نقدم للمشاركين أو المعلمين والمدارس المشاركة بعض النصائح حول النتائج إذا لزم الأمر. ويذهب بعض الباحثين إلى أبعد من ذلك من خلال تقديم ورش عمل أو هدايا صغيرة. هناك العديد من الإشارات الطيبة التي يمكن أن تكون مجدية، لأن الفكرة هي المهمة في الواقع. ومن المهم جدا ملاحظة تحذير براون (Brown, 2001: 87): “تذكر أنه إذا وعدت بإرسال شيئا لهم، فيجب أن تتذكر أن تفعل ذلك”.

 

 

تخزين البيانات: الخصوصية والسرية وعدم الكشف عن الهوية

ومن المبادئ الأخلاقية الأساسية احترام حق المشاركين في الخصوصية وضمان حقوقهم في رفض الإجابة على الأسئلة أو الانسحاب من الدراسة تماما دون تقديم أي تفسيرات. كما أنه من حق المشاركين أيضا عدم الكشف عن هويتهم، وإذا كانت هوية المشارك معروفة لدى مجموعة البحث، فإن الباحث ملزم أخلاقيا ومهنيا (و قانونيا في بعض السياقات) بالحفاظ على مستوى السرية الذي وعد به في البداية . هناك عدد من الآثار لهذه المبادئ الواضحة منها:

 

  • يجب أن نتأكد من أننا لا نعد بدرجة من السرية أعلى مما نستطيع تحقيقه، وأن يتم تحقيق ضمانات السرية بالكامل.
  • يجب احترام حق السرية دائما عندما لا يتم التوصل إلى فهم واضح للعكس.
  • يجب أن نتأكد (وخاصة مع البيانات المسجلة / المكتوبة) أنه لا يمكن تتبع المشاركين أو التعرف عليهم.

في هذه المرحلة يجب أن ندرك أن البيانات النوعية يمكن أن تشمل التفاصيل الشخصية الحميمة لحياة المشاركين وبيئتهم مما يجعل عدم التتبع صعب جدا، أو يستحيل تحقيقه تقريبا، حتى بوصف مقنع بشكل معقول. وفي مثل هذه الحالات، فإن التوصية العامة في الأدبيات تخبرنا بأنه ينبغي علينا تغيير بعض عناصر الوصف الرئيسية، ولكن هذا يمكن أن يتعارض في الواقع مع المسعي الأساسي للبحث النوعي لفهم السياق والخصوصية. ليس هناك حل شامل هنا، وينبغي النظر في كل حالة على حدة بشكل منفصل، مما يدل على الحساسية وممارسة الحذر.

وهناك تهديد معين للسرية يسببه تخزين البيانات، ولا سيما تسجيل الصوت والفيديو وكذلك نسخها النصية. كيف يمكن أن نضمن السرية لمدة 5 أو 10 سنوات؟ وبمجرد انتهاء الدراسة، هناك خطر في السياقات الأكاديمية لضعف مبادئ التخزين أو لفقدان عدد النسخ التي تم أخذها، مما قد يؤدي إلى وقوع البيانات في أيدي غير مصرح لها. تتفاقم هذه المشكلة إذا انقسم فريق البحث أو إذا لم يتم تحديد ملكية البيانات بشكل واضح منذ البداية. أفضل طريقة لمنع إساءة استخدام تخزين البيانات هي تدمير البيانات بعد فترة من الزمن.

 

 

الموافقة المستنيرة ومسألة الخداع

غالبا ما تكون مسألة الموافقة المستنيرة من أبرز جوانب النقاش وأهمها في أخلاقيات البحث. وإذا كانت هناك لوائح تنظم الممارسة الأخلاقية في بلد أو مؤسسة، فمن المرجح أن يكون الحصول على موافقة كتابية من المشاركين أول بند على جدول الأعمال. ففي الولايات المتحدة، علی سبیل المثال، لا تتطلب اللوائح الفدرالیة موافقة كتابية من المشاركين فحسب، بل تتطلب أيضا الموافقة المستنيرة قبل أن يتمكن الباحث من استخدام سجلات الفرد الحالية لأغراض البحث (Johnson and Christensen, 2004). وفي حين أنه لا أحد يشكك في أهمية أن يكون المشاركون في البحث مشاركين طوعيين، فإن الحصول على موافقة مستنيرة من المشاركين المحتملين في الدراسة بعيد عن كونه مسألة واضحة. هناك قدر كبير من الجدل حول (أ) كيف يجب أن تكون الموافقة “مستنيرة”، أي ما هو مقدار المعلومات التي نحتاج إلى مشاركتها مع المشاركين قبل مطالبتهم بالمشاركة؛ و (ب) بأي شكل ينبغي أن تكون الموافقة. هذه أسئلة مهمة ينبغي النظر فيها قبل البحث لأن القرارات المتعلقة بأساليب ووسائل الحصول على الموافقة المستنيرة لها تأثير على نوع الأشخاص الذين يرجح أن يوافقوا على المشاركة (Wiles et al., 2005).

كيف ينبغي أن تكون الموافقة “مستنيرة”؟ وبالطبع عندما نسأل هذا السؤال فإن ما نعنيه حقا هو “ما هو المقدار القليل من المعلومات الذي يكون كافيا للمشاركة بحيث يتماشى مع أخلاقيات البحث؟” إن التردد في كشف الكثير عن طبيعة أبحاثنا يعتبر أمر عملي، لأن بعض المعلومات يمكن أن تؤثر أو تجعل ردود المشاركين متحيزة، بل قد تجعلهم ينسحبون حتى من الدراسة. لذلك، نحن بحاجة إلى تحقيق المفاضلة هنا، لأن التوصيات الموجودة في الأدبيات تختلف بشأن الحد الأدنى من مستوى الإعلام؛ وفي الظروف الاستثنائية يمكن أن يكون حتى الخداع مقبولا إذا تمت مراعاة قواعد معينة (انظر أدناه). ووفقا للمبادئ التوجيهية إيرا (AERA, 2002)، نعتقد أن للمشاركين في دراسة بحثية (أو الأوصياء عليهم، انظر أدناه) الحق في الحصول على معلومات حول النقاط التالية:

  • إعطاء معلومات قدر الإمكان عن أهداف البحث والغرض الذي سيتم استخدام البيانات له.
  • كل المهام التي يتوقع من المشاركين القيام بها أثناء الدراسة.
  • كل المخاطر المحتملة والعواقب المحتملة للمشاركة في البحث. .
  • إلى أي مدى سيتم ابقاء الإجابات سرية.
  • الحق الأساسي للمشاركين في الانسحاب من الدراسة في أي وقت.

الخداع

الأمر الذي لا يتطلب تبريرا كبيرا في بعض الأحيان هو إنه لا يمكن للباحثين تقديم الكشف الكامل عن طبيعة وغرض الدراسة دون التسبب في تحيز المشارك أو حتى إبطال الدراسة، وفي بعض الحالات (النادرة) يحتاج الباحث ليس فقط إلى حجب بعض المعلومات ولكن إلى تضليل المشاركين. فالدراسة الاثنوجرافية لثقافة إجرامية فرعية تعتبر مثالا جيدا، ولكن حتى في الحالات الأقل تطرفا، فقد يؤثر نوع معين من المعلومات على النتائج. وبناء على ذلك، على الرغم من أن المبادئ التوجيهية لإيرا (AERA, 2002) تؤكد على أهمية الصدق، فإنها لا تمنع أي مشاركة في الخداع إذا كان ذلك ضروريا للغاية، شريطة أن يتم التقليل منه وأن يتم اطلاع المشاركين بعد الدراسة على أسباب الخداع. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه من نافلة القول أن الخداع يجب أن لا يؤثر سلبا على سلامة المشاركين. وبينما يقبل معظم الباحثين هذه المبادئ العامة، فإن هناك نقاشا كبيرا في أدبيات العلوم الاجتماعية حول المستوى المقبول للخداع الفعلي.

 

 

أشكال الموافقة واستمارات الموافقة

هناك شكلان أساسيان للموافقة، نشط وسلبي. تتضمن الموافقة “النشطة” الموافقة على المشاركة في دراسة بحثية عن طريق توقيع استمارة الموافقة، في حين أن الموافقة “السلبية” لا تنطوي على عدم الانسحاب أو عدم الاعتراض على الدراسة. المثال الأكثر شيوعا من هذا الأخير هو إرسال نموذج موافقة لأولياء أمور أطفال المدارس، ويطلبون منهم إعادتها فقط إذا كانوا لا يريدون أن يشارك أطفالهم في البحث. من الواضح أن الحصول على موافقة نشطة هو أكثر وضوحا في ضمان معرفة المشاركين لحقوقهم، كما أنه يحمي الباحث من أي اتهامات لاحقة، ولكن في أنواع معينة من البحوث التربوية قد لا تكون ضرورية أو مفيدة: يمكن أن يكون طلب الموافقة بطريقة رسمية من هذا القبيل منفرا، أو يمكن أن يثير شكوكا لا مبرر لها بأن شيئا ما في الدراسة ليس صحيحا، وبالتالي تثبيط همة الناس في المشاركة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الموافقة الموقعة لا معنى لها بالنسبة لبعض الفئات الثقافية أو العمرية. ولذلك، بينما نرغب في طلب الموافقة النشطة في دراسة مقابلة نوعية، فقد ننظر في التغاضي عنها والحصول على الموافقة السلبية (إذا كان ذلك لا يتناقض مع أي أنظمة قانونية في السياق المعني) في دراسة مسحية باستبيان بدون الكشف عن الهوية.

وعادة ما تحتوي استمارة الموافقة الخطية على التفاصيل التالية (Cohen et al., 2000; Creswell, 2003; Johnson and Christensen, 2004):

  • شرح عادل للغرض من البحث والإجراءات الواجب اتباعها.
  • وصف أي مخاطر أو إزعاجات وكذلك الفوائد التي قد تواجه المشارك أو يتلقاها.
  • بيان لمدى الحفاظ على سرية النتائج.
  • بيان يشير إلى أن المشاركة طوعية ويمكن للمشارك الانسحاب ورفض المشاركة في أي وقت دون عقوبة.
  • عرض للرد على أي أسئلة تتعلق بالإجراءات و الحصول على نسخة من النتائج (اختياريا).
  • توقيعات كل من المشارك والباحث، والموافقة على هذه الأحكام.

الموافقة الإضافية من المعلمين وأولياء الأمور

يتم إجراء العديد من الدراسات التربوية، إن لم يكن معظمها، داخل المدارس أو في معاهد تعليمية أخرى، وبالتالي قد يحتاج الباحث إلى الحصول على موافقة إضافية من شخصيات مختلفة مثل المعلمين أو مدراء المدارس. كما يجب في بعض البلدان السعي للحصول على موافقة حتى من السلطات التعليمية المحلية.

كما يجب الحصول على موافقة إضافية عندما يستهدف البحث القصّر الذين لا يمكن اعتبارهم ناضجين تماما أو متساوين مع الباحث (Cohen et al., 2000). قد لا يكونون في وضع يسمح لهم بتمثيل أنفسهم بشكل مناسب، مما يعني أنه ينبغي استشارة شخصا آخر. السؤال هنا هو تقرير من لديه السلطة الكافية في مثل هذه الحالات: الوصي القانوني (على سبيل المثال، أحد الوالدين)، أو معلم الأطفال أو كليهما. تختلف في هذا الصدد أطر البحوث القانونية والأخلاقية السارية عبر البلدان. وما لم توجد متطلبات قانونية تنص على خلاف ذلك، وإذا لم يكن البحث موجها إلى معلومات حساسة ولا ينطوي على مشاركة مكثفة من المشاركين (على سبيل المثال، استبيان بدون الافصاح عن الهوية محايد نسبيا)، فيمكن منح الإذن بإجراء الدراسة  من معلمي الأطفال. وعادة ما يدرك المعلمون أهمية المسائل القانونية، وبالتالي إذا كان لديهم أي شكوك حول من يجب أن يأذن للمشروع، فإنهم سيسعون إلى المشورة. وحتى إذا كانت هناك حاجة لإذن الوالدين بإجراء البحث، فإن الموافقة السلبية هي المفضلة، حيث يتم إبلاغ الآباء حول البحث المقترح وسيتم افتراض قبول الوالدين ما لم يعترض الوالدين قبل تاريخ البدء المقترح.

 

ملاحظات ختامية حول أخلاقيات البحث

ما نستنتجه حول أخلاقيات البحث هو أنه يجب أخذها على محمل الجد أكثر مما يقوم به العديد من الباحثين، وفي نفس الوقت ينبغي أن تؤخذ بجدية أقل مما يفعله بعض المشرعين. ربما لأن بحوث علم اللغة التطبيقي لا تشكل عادة أي تهديد واضح للمشاركين، غالبا ما يتجاهلون الباحثين في مجالنا أهمية المسائل الأخلاقية حيث يتم ذكر أخلاقيات البحث فقط في سياق المتطلبات القانونية التي يجب الامتثال لها. تكمن المشكلة في هذه الممارسة في أنها لا توفر إطارا أخلاقيا راسخا يمكننا الاعتماد عليه عندما يبرز موقف أخلاقي صعب. ونأمل أن تكون المناقشة السابقة قد أظهرت بوضوح أن المشاركين في البحوث بحاجة إلى ضمانات وأن الباحثين بحاجة إلى إجابات مستنيرة حول المعضلات الأخلاقية.

ومن ناحية أخرى، نتفق مع أولئك (على سبيل المثال، Johnson and Christensen, 2004) الذين يؤكدان أنه لا يجب علينا في البحوث التعليمية استيراد المبادئ التوجيهية الأخلاقية من مجالات أخرى (على سبيل المثال، علم النفس أو البحوث الطبية) حيث المخاطر الأخلاقية تكون أعلى بكثير. وإذا ما تم تطبيق القواعد والأنظمة الأخلاقية بشكل آلي، فمن السهل أن تصبح تقييدية للغاية؛ ومن المفارقات أن مسألة الأخلاق الأكثر إلحاحا في علم اللغة التطبيقي هي الصعوبة المتزايدة في إجراء البحوث في سياقات معينة بسبب الضوابط المتزايدة للائق أخلاقيا. لقد كان سيل وآخرون (Seale et at., 2004: 8) على صواب عندما استخلصوا أن ‘قواعد الأخلاق المهنية للباحثين غالبا ما تعتبر كنقد مكتبي، وبعيدة عن احتياجات الممارسة البحثية’. ما نحتاج إليه هو النهج السياقي والمرن لاتخاذ القرارات الأخلاقية، والاعتماد أكثر على انعكاسية الباحثين المهنية ونزاهتهم في الحفاظ على مستويات قياسية عالية.

تصميمAcademiWorld
أظهر أزرار المشاركة
أخفي أزرار المشاركة