أخلاقيات البحث في مجال علم اللغة التطبيقي

الاعتبارات الاخلاقية

في سياق الحديث عن المتطلبات الأساسية للبحث، يبرز هذا الجزء أخلاقيات البحث في مجال علم اللغة التطبيقي. ووفقا لعدد من الاخصائيين، فإن العامل الأساسي الذي ينبغي على الباحثين مراعاته هو أخلاقيات البحث. يوضح لوي (Lowe, 2010)، على سبيل المثال، أن أخلاقيات البحث وضعت لأول مرة في مجال الطب، وفي وقت لاحق، قدمت مختلف التخصصات المبادئ الخاصة بها. وفيما يتعلق بالمناقشة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فيستخدم المتخصصون مبادئ لتوجيه الممارسة البحثية الجيدة، حيث يمكن تقسيم هذه المبادئ إلى ثلاثة مجالات هي: الاحترام، والعدالة، والإفادة (beneficence). ينطوي مبدأ الاحترام على حماية استقلالية الفرد فضلا عن ضمان السرية، ويضمن مبدأ العدالة سلامة المشاركين في جميع الظروف، ويستلزم مبدأ الإفادة تحقيق أقصى قدر من النتائج الجيدة لجميع المشاركين في البحث. تثير طرق البحث المختلفة أسئلة أخلاقية مختلفة. فدراسات المقابلات، على سبيل المثال، قد تنتهك خصوصية المشاركين في حين أن دراسات البحوث العملية غالبا ما تثير معضلات أخلاقية أكثر من غيرها من أشكال الدراسات. ويمكن أن يؤدي إجراء البحوث إلى زيادة المخاطر، فحتى الدراسات التي تبدو آمنة قد لا تكون كما تبدو عليه. ينبغي دائما أخذ أخلاقيات البحث في الاعتبار سواء أثناء تصميم البحث أو خلال عملية البحث أو النشر. وبعبارة أخرى، فإن السلوك الأخلاقي يضفي الشرعية على العملية برمتها. تواجه مختلف التخصصات والمنهجيات معضلات مختلفة، وعندما يتعلق الأمر ببحوث علم اللغة التطبيقي، من غير المرجح أن يحدث الضرر في جميع مراحل عملية التنفيذ. ومن الناحية المنطقية، من الضروري دائما ضمان سلامة كل من الباحث والمشاركين في جميع مراحل العملية كلها.

ويؤكد براون (Brown, 2007) أنه مع مراعاة الاعتبارات الأخلاقية للمشاركين، سيكون من المهم تجنب إساءة معاملة الأشخاص، أيا كان نوعها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مكافأة المشاركين لمشاركتهم ستكون أساسية. وفيما يتعلق بمسؤوليات التحليل، سيكون من الضروري ضمان تقديم التقارير عن البيانات التي تم جمعها بشفافية. وعلاوة على ذلك، فإن اختيار طريقة البحث المناسبة سيكون جهريا دائما. كما أنه سيكون من الأساسي اختيار أنسب معايير التفاعل من حيث غرض المشروع البحثي المعني. يتعلق البحث في علم اللغة التطبيقي بحياة الناس في العالم الواقعي، وبالتالي، فإنه ينطوي بالتأكيد على قضايا أخلاقية. وهذه القضايا أكثر وضوحا في المناهج النوعية منها في المناهج الكمية لأن البحوث النوعية كثيرا ما تتعامل مع قضايا إنسانية خاصة؛ فهي تهتم بآراء الناس وتناقش عادة القضايا الحساسة أو الحرجة. ولا يمكننا أن ننكر أن المسائل الأخلاقية يمكن أن تكون في كثير من الأحيان عائقا أمام دراستنا. ومع ذلك، نحن كبشر لا نقبل أن البحث يهم أكثر من الخصوصية. ومن المعضلات الأخلاقية الرئيسية التي يجب أن نعالجها، على سبيل المثال، مدى جديتنا  في التعامل مع القضايا الأخلاقية المختلفة في سياقات علم اللغة التطبيقي.

وتشمل بعض الممارسات البحثية، وخاصة الممارسات النوعية، العناصر التي تشوه المشكلات الأخلاقية. ومن أمثلة هذه الجوانب الحساسة من البحوث ما يلي: مقدار المعلومات التي يتم مشاركتها، أي مقدار المعلومات التي ينبغي مشاركتها مع المشاركين حول البحث لتجنب التسبب في أي تحيز في الاستجابة أو حتى عدم المشاركة. ثانيا: العلاقات، فقد تؤدي الدراسات النوعية إلى علاقة حميمة بين الباحثين والمشاركين، بحيث تسعى الأولى إلى تأسيس التعاطف للوصول إلى حياة المشاركين. ثالثا: طرق جمع البيانات، لأن بعض الطرق قد تصرف المشاركين عن أنشطتهم العادية. رابعا: عدم الكشف عن الهوية، فعلى الرغم من أنه مثاليا ينبغي أن يبقى المشاركين مجهولين، إلا أن الباحثين غالبا ما يحتاجون إلى تحديد المشاركين ليكونوا قادرين على مواءمة أدائهم في مهام مختلفة. خامسا: معالجة البيانات التي تم جمعها، حيث قد تكون بعض طرق جمع البيانات تهديدا لعدم الكشف عن الهوية مثل التسجيلات الصوتية والتسجيل بالفيديو. سادسا: ملكية البيانات، لأن مسألة من يملك البيانات التي تم جمعها ومن الذي لديه سيطرة كاملة على نشر المعلومات تعتبر من بين الأسئلة الأساسية جدا التي يجب النظر فيها ومعالجتها. سابعا: المعلومات الحساسة، فقد يكشف المشاركون عن بعض المعلومات الحساسة التي لا تتعلق بالهدف الرئيسي للدراسة. ثامنا: الاختبار، لأن إساءة استخدام درجات الاختبار يؤدي إلى سوء التفسير والمشاكل (Brown, 2007).

وبالمثل، يجادل دورني (Dornyei, 2007) بأن البحوث الاجتماعية تتعلق بحياة الناس في العالم الاجتماعي، وبالتالي فإنها تنطوي حتما على قضايا أخلاقية. هذه القضايا أكثر حدة في النهج النوعي منها في النهج الكمي لأن البحوث النوعية غالبا ما تتغلغل أكثر في المجال البشري الخاص؛ فهي تهتم بآراء الناس وغالبا ما تستهدف مسائل حميمية حساسة. لا يمكن للباحثين أن ينكروا أن القضايا الأخلاقية غالبا ما تكون عائقا أمام البحث. وباعتبارنا بشر، لا يمكننا أن ننكر أن هناك ما يستحق أكثر في الحياة من البحث. تتمثل بعض المعضلات والقضايا الأخلاقية الرئيسية التي يناقشها دورني في العلاقات بين الباحثين والمشاركين، وطرق جمع البيانات، وعدم الكشف عن الهوية، والتعامل مع البيانات التي تم جمعها، وملكية البيانات، والمعلومات الحساسة، واعلان الموافقة.

 

خاتمة

يبدو من الصعب إجراء الكثير من البحوث دون الدخول في جدال حول المسائل الأخلاقية (انظر Burns, 2000; Cohen, et al., 2000; and Glesne, 1999). قد يشعر العديد من المشاركين، على سبيل المثال، بأنهم مضطرون للتطوع لأسباب مختلفة. لذلك، يجب أن نضع في اعتبارنا فرز جميع المشاكل المتعلقة بالأخلاقيات عند بداية تنفيذ البحوث. ومن وجهة نظر بورن (Burn, 2000: 18)، فإن الموافقة المستنيرة (informed consent) هي المبدأ الأخلاقي الأساسي؛ يجب أن يفهم المشاركين طبيعة وغرض البحث، ويجب أن يوافقوا على المشاركة دون إكراه. يعتقد كوهين وآخرون (Cohen, et al., 2000)، وغليسن (Glesne, 1999) أن الموافقة المستنيرة يمكنها أن تسهم في مساعدة المشاركين في البحوث. فمن خلال الموافقة المستنيرة، يدرك المشاركون في الدراسة أن المشاركة طوعية وأنهم قد يختارون بحرية وقف المشاركة في أي مرحلة من مراحل الدراسة. ولتجنب المشاكل الأخلاقية، يؤكد بيرنز (Burn, 2000) و غليسن (Glesne, 1999)، من بين باحثين آخرين، على ضرورة وجود مدونات لقواعد السلوك. ستضمن هذه المدونات تقليل المخاطر التي يتعرض لها المشاركين، وحماية حقوق المشاركين وسلامتهم، و طوعية المشاركة، بالاضافة إلى حق المشترك في معرفة الغرض من الدراسة وطبيعتها ومدتها.

وباختصار، فإن النزاهة البحثية من أهم الجوانب التي ينبغي على الباحثين التحلّي بها. يمكن أن تتصل المشاكل الأخلاقية بكل من المشارك وبمضوع البحث وتنفيذه أيضا. ويمكن أن تنشأ المشاكل الأخلاقية عن القيم المتضاربة، وربما قد تنطوي على عناصر مهنية وشخصية. وهذا يتطلب التأكيد على عدد من القضايا. فالمشاركون، على سبيل المثال، لهم الحق في أن يكونوا على علم بأهداف الدراسة، والمهام التي يتوقع منهم أداءها، والعواقب المحتملة للمشاركة في الدراسة. كما ينبغي التشديد على خصوصية المشاركين وعدم الكشف عن هويتهم، لأن احترام حق المشاركين في الخصوصية من المبادئ الأخلاقية الأساسية، كما أن للمشاركين الحق في الانسحاب من الدراسة. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي دائما احترام الحق في السرية. ومع ذلك، علينا أن نتأكد من أننا نتجنب الوعد بدرجة أعلى من السرية مما يمكننا تحقيقه، ولذلك فإن الإشارة إلى المشاركين كأرقام بدلا من أسماء قد تضمن سرية النتائج. ومن النقاط الأساسية الأخرى التي يجب مراعاتها حماية المشاركين من الأذى، سواء كانت عقليا أو جسديا، والذي قد يلحق بالمشاركين نتيجة المشاركة في البحث. ولا يجب علينا فقط منع دراستنا من التسبب في أي ضرر، ولكن يجب علينا أيضا محاولة ضمان استفادة المشاركين من أبحاثنا بطريقة أو بأخرى. وفي بعض الحالات، قد يكون تقديم رسالة شكر حارة للمشاركين عند الانتهاء من مشروع البحث يكون ملائم جدا.

شارك

عن أ. فرج محمد صوان

استاذ جامعي متخصص في علم اللغة واللغة الانجليزية. حصلت على شهادتي الجامعية من جامعة الجبل الغربي، والماجستير من جامعة طرابلس (الفاتح سابقا) بليبيا، والدكتوراة من جامعة اسيكس بالمملكة المتحدة. حصلت على شهادة في تعليم اللغة الانجلييزية من جامعة سري ببريطانيا وكذلك دورتين للغة الانجليزية في كل من مركز اللغة بجامعة نوتنجهام وتشلسي سنتر. قمت بنشر العديد من المقالات والدراسات والأبحاث. لدي معرفة لا بأس بها حول الحاسوب بما في ذلك برنامج الأوفس، وإنشاء المواقع، وبرامج تعلم اللغات بمساعدة الحاسوب والبرمجيات (CALL) ، البرنامج الإحصائي (SPSS)، وخبرة متواضعة في البرمجة بــفيجوال بيسك (Visual Basic)، أكروبات دريمويفر (Acrobat Dreamweaver)، وأدوبي أكروبات 8 بروفيشنال. لدي مهارة في تعلم المفاهيم الجديدة بسرعة، واعمل تحت الضغط، ويمكنني إيصال الأفكار بوضوح وفعالية. شاعر ولدي كثيرة وشاعر متميز على موقع (poetry.com).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أظهر أزرار المشاركة
أخفي أزرار المشاركة